السبت، 26 مارس 2016

فصل اضافي عن البنطلون الممزق

البنطلون لباس محاك
-------------------
   بعد كل الرموز التي تجلّت في اللغة العربية ومنها، وأدّت الى التوصّل لمعلومات جمّة ومفيدة، صار بالإمكان التوغّل أكثر، في تفاصيل، الأردية والألبسة، علّنا نكشف المزيد مما غطس في العقل الجمعي البشري، دون دراية واعية بالأعماق الباطنة، التي تترصّد اللحظة المناسبة للخروج الى العلن بالتصرّفات العفوية.. مثل البنطلون أو اللباس الممزّق.. 
  من المعروف، ان اللباس على انواعه، هو مصنوع، حبكة محبوكة، نسيج منسوج، محيّك مُحاك، وفي الأصل ان الالبسة هي خيوط جرى حبكها أو نسجها.. الخ
  فماذا تقدّم الفيلولوجيا العربية لدى دراسة هذه الكلمات لكشف بواطن البشر، التي تتصرّف اجتماعيّـًا بغير وعيٍ منها، وتروح لارتداء الممزّق من الأردية!؟!

حبك
  لنبدأ بالمرجع القاموسي للجذر (حبك) كما يلي:
المرجع (تاج العروس) 
الحبكُ : الشَّدُّ والإِحْكامُ وِإجادَةُ العَمَلِ والنّسج وتَحْسِين أَثَرِ الصنعَةِ في الثَّوْبِ يُقال : حَبَكَه يَحْبِكُه ويَحْبُكُه من حَدّىْ ضَرَب ونَصَر حَبكاً : أَجادَ نَسجه وحسَّنَ أَثَرَ الصَّنْعَةِ فيهِ كاحْتَبكه : أَحْكَمه وأَحْسَنَ عَمَلَه فهو حَبِيكٌ ومَحْبوك ..
   بداية هو صناعة حسنة، والتمزيق هو تمزيق  لهذه الصناعة.
   وحبك الحبل فتله فتلًا شديدًا، وحبك الشيء شدّه وأحكمه، وعمل محبوك متقنّ، وحبك المؤامرة أحكم خطتها، حبك الثوب أجاد نسجه، حبك القصّة اتقن صياغتها، حبك الإمر أحسن تدبيره، حبكه بالسيف ضربه على وسطه..
  وهكذا نجد، ان تمزيق الثوب هو تمزيق للاعمال المتقنة، طبعًا هذا الأمر واضح منذ اللحظة الأولى، وهو تمزيق للقصة المحبوكة، وهذا الذي حصل فعلًا اذ راحت الاعمال القصصية تخرج عن المألوف وتمزّق التقليد، ولكن الأكثر دلالة هو تمزيق للمؤامرة وللخطة المحكمة المحبوكة.. وتلك العملية تصبّ حقّٓـًا في رغبة الأجيال الحالية المتمرّدة لاسقاط المؤامرات المحبوكة.. كأننا نجد ان العقل الباطن قد عبّر عن رغباته باستظهار عامل التمزيق في اللباس المحبك.. وما يقال عن الحبك بالسيف والضرب على الوسط جاء ليصبّ في خدمة اعتماد الأساليب العنفية لاسقاط المؤامرة.. بالإضافة الى أن تمزيق المحبوك هو فك الإرتباط.. لان الحبك ربط، وبالتالي نجد ان الشعوب تعبّر عن رغبتها بفصم ارتباطها باللباس السابق.. واللباس لبس، فهي تسعى لكشف اللبس الذي يقف حائلًا بينها وبين العالم..

حاك
  من حبك الى (حاك)، وقاموسنا الغني ماذا يقول:
  حاكَ في يَحُوك، حُكْ، حَوْكًا وحِياكةً، فهو حائك، والمفعول مَحُوك

• حاك الثَّوبَ ونحوَه: نَسجَه "حاك الصّوفَ".

• حاك الشَّاعرُ قصيدةً: نظَمها.
• حاك مؤامرةً ونحوَها: دبّرها وخطّط لها "كانت الدسائسُ تحاك حوله، حاك الخطّة ببراعة".
   اذًا نستطيع القول، ان التمزيق الساري المفعول، موجّه ضد الدسائس التي تحاك حول المرء، ولاسقاط الخطّة المحاكة ببراعة.. ونجد في ذلك التمرّد على مسار الأمور في هذا العصر.. وكذلك لنا في حياكة القصيدة نظمًا، كأنّما اللغة أدركت تلك العلاقة بين حياكة القصيدة والثوب، فعمل الجيل المعاصر على تمزيق الثوب المحاك والقصيدة المنظومة عن غير وعيٍ منه.. وخاصةً اذا حاك الشيء في الصدر ورسخ وصار  يجب استئصاله.. ولكن عندما نجد في الجذر معنى التشابه يعني أن التمزيق يسعى الى التمايز والتخلّص من المحاكاة.. والمشكلة المعترضة هو انتشار الزي المتشابه مما يسقط التمايز بين ابناء الجيل الواحد.. فكما يبدو ان التمايز غايته التخلّص من التقليد والنمطية وقصص محاكة (محكية) لعصر بكامله.. 
   ومن الناحية اللهجية يتواصل الجذر حاك مع (جاك) الذي يمكن أن نأخذ منه كلمة الجاكيت.. بالاضافة الى أن في الحكّ احتكاكًا واتصالًا.. وفيه حكيٌ، وقصّ مع ما يعني القصّ، من تمزيق.. 

نسج

  معنى نسج في لسان العرب النَّسْجُ ضَمُّ الشيء إِلى الشيء هذا هو الأَصلُ نَسَجه يَنْسِجُه نَسْجاً فانْتَسَجَ ونَسَجت الريحُ الترابَ تَنْسِجُه نَسْجاً سَحَبَتْ بعضَه إِلى بعض والريحُ تَنْسِج التراب إِذا نَسَجت المَوْرَ والجَوْلَ على رُسومها..
    وفي مختار الصحاح ن س ج : نَسَجَ الثوب من باب ضرب ونصر والصَّنْعة نِسَاجَةٌ بالكسر والموضع مَنْسَجٌ بوزن مذهب ومَنْسِج بوزن مجلِس و المِنْسَجُ بوزن المِنْبر الأداة التي يُمد عليها الثوب ليُنسج وفلان نَسِيجٌ وحده أي لا نظير له في عِلْم أو غيره وأصله في الثوب لأنه إذا كان رفيعا لم يُنسجْ على مِنواله غيره..
  ونختار من تاج العروس: من المجاز : نَسَجَ "الكَلامَ" . إِذا "لَخَّصَه " والشّاعرُ الشِّعْرَ : نَظَمَه، وحَاكَه الكَذّابُ الزُّورَ : "زَوّرَه" ولَفَّقَه ...
   من الواضح، ان الجذر الذي يُعنى بصناعة اللباس، قد يستخدم في صناعة الكذب والتلفيق والتزوير، من هنا نفهم السعي الدؤوب لتمزيق الزيف.. وتمزيق النظم (منه النظام والتنظيم).. 
  لا غرابة لان نسج يتواصل مع لهجة (نسق) لان ج=ق، والنسق نظم.. وعلى وتيرة واحدة، وتشابه..
   (اما الترادف مع "نصر" فله شأن هام بعيد عن موضوعنا)
   •• من هنا التعليق على المرادفات أعلاه.. ان الوعي الداخلي للانسان راح يعبّر بهذه الحركات برفض النسق المتبع في العالم، لان الزيَّ قد انتشر وسيطر عالميّـًا، وخاصة لدى الجيل الشاب على مختلف اعراقه، وخاصةً ما يتعلّق منه بحياكة المؤامرات وحبكها ونسجها مهما كان الكلام المنظوم لم يعد يخدع..
  ولكن الغريب، اننا نتعاطى مع واقع أميركيّ، وتبدو بوضوح أن العملية أميركية أميركية، وبالتالي فان الصراع يدور فيها وعليها.. مع كلّ ما يحتمله التاريخ من سيّئات نشرتها في العالم.. ولنا أن نقول أن في الأمر انسجامًا بين التحليل الوارد في القسم الأوّل والتحليل اللهجي للغة العربية، بامتياز مميّز.. بل، لنا ان نجزم اننا في عصر التفكيك والتركيب، وما البنطلون إلّا ظاهرة رمزية صغيرة ذات معنى عظيم..

الاثنين، 21 مارس 2016

القمر
-------
هناك في الشرق.. أحبّ أحدهم الليل.. ويقال أن الذين أحبّوا الليالي هم كثرّ.. ويبالغ البعض فيرى أن شعوبًا بكاملها كانت تعبد الليل.. فنظّموا له طقوسًا وتقى.. رسخت في عادات وتقاليد وفلسفات.. فكان منهم من يصحو طوال الليل.. كمن ينتظر لقاءً.. ومنهم من يقيم الرقصات.. لانّ الرقص رقيٌّ.. يشعلون النيران.. يصطلوها.. لانّ صلي النار صلاة.

حسبوا لكلّ ليلة حسابًا.. ولكلّ حالةٍ حالًا.. وأبرز الحالات متى يحول القمرُ.. أو يكتمل، أو يهلُّ، أو يختفي بخسوف فيمّحى فيدعوه بالمحاق.. أو يختفي خلف غيم.. ولكل غيم في تلك الليالي أسم.. والغيوم سحبٌ.. وفي السحب حبّ.. وفي السماء العالية سماك.. والسماك عالٍ.. فإذا تلألأ في ضوء القمر كني باسمٍ، وإذا تكثّف كُـني باسمٍ آخرَ.. وإذا اسودّ سُوّد اسمه..  وهكذا نسجوا لليالي فلسفاتٍ وأقدارًا..

 والنجوم! لا ننسينَّ النجومَ.. رغم صغرها، بل بعدها..كانت وما تزال تحمل هويةً.. وموضع رصد واعتبار.. فذاك أسدٌ، وذاك ثور، وذاك دبٌ أكبرُ، وذاك أصغرُ..

وكانت النجوم ولا تزال تحكي.. حكواتية.. مخبرات.. ومتوقعات.. منجّمات.. ولكلّ نجمةٍ منجّمٌ.. ولكلّ غيمةٍ توقّع وتوقيع.. ولكلّ ريحٍ نبؤةٍ.. هكذا الناس.

 أمّا القمر، حدّث ولا حرج.. يرعى البشر.. ولا نغفلنَّ "رع" راعيَ الكل بل رائيهم.. إلٓه يلد ويولد ويتوالد أبدًا..
 هو اللألأ واللؤلؤ.. هو النور والضوء
 هو الذي آل دائمًا وآل كلّ ليلةٍ..
 في تلك الليلةِ.. تناهى الى مسمعيّ.. وشوشاتٌ قادماتٌ من بابل الرافدية.. من الألفية السابعة الماضية.. كانت تدور بين صبيةٍ مراهقين.. محورها: 
 " انها ليليت الليلية المثيرة الجميلة زارتني ليلًا.. كما زارتك، انها السيدة السائدة الباقية عبر العصور.."
 ثم انقطع الارسال.. وغابا عن السمع..!!

مي. الماء. اسطورة الماء

مــٓيّ -١-
::::::::
في يقظةٍ من الزمان، حطّت نقطةٌ، جازت أجواز السماء، من الأعالي حتى الأرض، كانت الأرض جافّةً حارّةً، تبخرّت.. فصعدت مجدّدًا الى السماك، ومتى انخفضت صارت غيومًا، هطلت قطراتٌ، سقطت.. فسقتِ الجفافَ، نبتت الأعشابُ، والأعشاب وِسْبٌ.. استسقتْ، تبخّرت، وأمطرتْ، فكانت سيولٌ،  والسيول جارفةٌ، خطّت مسيرها بين الوديان.. صارت نهرًا عظيمًا اجتاز قاراتٍ، روى القرى، فوصل البحرَ، والبحر ماء، سُرّ سكّان الأكنان، فرحوا سقوا واستسقوا، روَوا وارتووا، وتناقلوا الرواية من ذاك الزمن.. النهرُ هبتهم، عطاءُ الطبيعة للأقوام، نالوا منحتهم، فسمَّوه نيلًا، فكان النيل نوالهم العظيم في الأرض، كان يمتدّ ويتّسع ويفيض كلّما اشتدّت الحاجةُ لنَيْل الماء وتناوله فيناولهم..

مـَــي -٢-
:::::::::::::
.. وصار النيل معبودًا، والمعبود ضخّ ماءً عظيمًا.. ولّدَ.. فكان الماءُ مولودًا، عامَ طائفًا على وجه النيل، فسمّيَ ما بين كلُّ عومةٍ وعومةٍ  عامًا، وسمّيَ الميّ مسيرًا.. وصار الماء والمسير  هو المسّ والموسى،  ففيه ميُّ المسِّ.. كرّموا الميّ، عالجوا فيها الممسوسَ والممسوسين، بل استعانوا بالماء لمسّ الآخرةِ.. فالّين عبر الفلك، ليتلمسوا عوالمَ نائيةً..

صادفت أمُّ الأمّةِ هذه الميّ في أحد الأيام، واليوم يمٌّ،والأمّ يمٌّ أيضًا، جمعته في وعاءٍ وآنيةٍ، والوعاء وعيٌ، والإناء أنس أنَى، كان قد حضر ودنا منها واليها، فحفظت الأواني  والأوعية، حتى فصل الجفاف، فتستعين بالعون يعينها، فسمّيَ الماءُ المعينُ عونًا وماعونًا، أنه المعون المعين، ومصدرُ الماء عينٌ، والعين تدمع ماءً..وسمّته أمّ الأمّةِ باسم الغيث، كلّما استغاثت ليغيث المحتاج، وكلّمًا كانت تصلّي كان الماء يكثر ويتكاثر..

مَــيٌّ -٣-
:::::::::::::
.. ومتى تكاثر الماء قالوا نه "الكوثر"، وهو "ك. ثر"، هو شبيه الثر، و هو كوة الثر، والثرّ  يثرثر، وكان يخر عند اقدام الأم، ويهدر، فيسمع خريره وثرثرته.. كان يتكلّم الى الأمة، يدعوها لملء الأوعية والآنية للملأ، فاستسقت وارتوت، وما تزال روايتها تروى وتقصّ وتنصّ..لان الثرثر الثرثار يروي الأرض، ويروي الحديث، والحديث جديد وبشرى ولادة، والولد حدثٌ، والأولاد أحداثٌ، جدد، جدّوا فاستجدّوا عائدين الى الدنيا، هكذا الكلمة "ابن وبنتٌ" والكلمة تنفث من فم، وكل نفثة نفسٌ.. ولأنَّ كلَّ مسّ لمسٌ.. فهو اتصالٌ، وكلُّ اتصالٍ وصال، وكلُّ وصالٍ خلّاقٌ.. فكانت الخليقةُ..

إنّها الماء، انه الماء، الميّ الحي، منه كلّ حيّ.. انه النيل النيّ النيء، انه النون.
انه نانا ذاتها، انه الني ني، انه نونو، الحدث الذي أنى ودنا ونبأ وأنبأ ونبت من نانا، من أنانا، من إناة، من عناة، أم اليم، ام الميّ، السيدة المقدّسة، سيدةُ النعنع..
فسلام أيّا النيل
فسلام يا قلب الميّ، يا (لب نون) يا لبنان.ا.
فسلام أيّها الفرات، انت الثرّ والثرات والثروات..
فسلام ايتها الميزوفوتاميا، فاتما الماء، فاطمة المي، المرضعة، مرضعة الشعوب..
( بمناسبة يوم المياه العالمي. في ٢٣ آذار) سنة ٢٠٠٩

الجمعة، 18 مارس 2016

فصل جديد من رمز البنطلون الممزق وفيلولوجيته

الوضع الرمزي للبنطلون الممزّق:    

      بعد عرض ومعرفة الأسباب الإجتماعية والتاريخية والاقتصادية، لا بد من ايراد الجانب الرمزي في عملية التمزيق، قبل اللجوء الى الجانب الفيلولوجي لكشف المزيد من العناصر المؤثّرة، في الثقافة الباطنية للبشر، ومدى تأثيرها ععلى العادات والتقليد وليس التقاليد..
   لا شك أن التمزيق هو عملية عنفية، تدل على حالة عصبية يلجأ اليها البشر للتخلّص من وضع مرفوض، يدعوه الى تغييره، وأكثر الحالات عصبيةً هي حالات التهييج وابرزها الجنسية، بل هي تعبير عن اعلان وكشف واقع نفسي يسعى الفرد الى ابرازه أمام الجمهور عسى أن يجد من يستجيب ويشارك في المعالجة أوالسير في التيار لتحقيق هدف يصبّ في الاتجاه ذاته..
   من هنا، يجب فهم العلاقة بين التمزيق واللباس.. ذلك لأنّ اللباس هولبسٌ والتباس.. واخفاء وستر.. للجوانب الجسدية، أو الجوانب النفسية.. 
   فمن الجهة الجسدية يلجأ الانسان الى اللباس لاخفاء عيب وتشويه وقباحة.. أو للتحصن لمواجهة التعديات على انواعها، وخاصة الجنسية منها.. ولكن، طالما كانت الملابس خاضعة لأحوال الطقس، فهي الوسيلة والأداة لمواجهة البرد في الأساس، وتجنب الرياح، والأمطار والغبار.. ومن جهة أخرى، ان الملابس قادرة على إظهار الحسنات واخفاء السيّئات، ففي كلّ الظروف، عمل البشر على أعتمادها وتلوينها، للتجميل وللعرض والاستعراض..لا بل يمكن اعتمادها لخداع الآخرين، أو استدراجهم لعلاقة غير متكافئة أو مرغوبة، وصولًا لاستعراض الغنى أو الثقافة أو الأخلاق المناسبة لأوضاع المجتمع، ومستوى تطلعاته..   
    ومن الناحية النفسية، فان اللباس محاولة لاظهار موقف نفسي أو اخفاء هذا الموقف.. اذ قد يتحوّل الستر باتجاه الاغراء أو الحشمة.. لانه ليس بالضرورة ان يكون الاغراء دائمًا بالتعرية.. لانها مشروطة بالتأثير على الناظر لحضّه وحثّه وحضنه،  أو لصدّه، وللحدّ من جموحه ودرء خطره.. 
  وبالتالي، فإنّ اللباس هو على النقيض من التعرية، فاذا كان للاخفاء والمخادعة والاستعراض، فذلك للعرض والكشف والاعلان والصراحة، فاحتلت التعرية مكانتها المناسبة في ثقافة الشعوب وفنونها باعتبارها تعبيرًا عن الحقيقة العارية، بغض النظر عن اللف والدوران الذي سارت فيه البشرية، عبر الأزمنة، لتغليف الحقائق بغلافات متعددة، حرصًا على التملك، كما تمتلك الأرض.. ولطالما كانت المرأة هي رمز الأرض وصارت تمتلك مثلها، كما في عصر الإقطاع..
   والجدير ذكره، ان اللوحات الفنية عبر الزمن قد عبّرت عن حقيقة الأمة برسومات للأنثى العارية، وشمل الأمر كل الفنون والآداب وصولًا الى المسرح، والاخراج السينمائيّ..
   من هنا علينا ان نفهم، أن تمزيق اللباس يرمز في جانب منه الى تمزيقٍ للستر والرغبة بإظهار الحقائق.. وتظهير المشاعر الباطنة، ونزع الحواجز بين البشر.. ودعوة لإزالة ما يحول دون التواصل والصلة بين الجنسين.. رغم  استمرار وجود البنطلون الممزّق بينهما..
   والجدير بالذكر، أن الجذر "لبس" من الناحية اللهجية، يؤدّي الى الاسم المشتقّ "ملبوس" كأنما الجسد هو ملبوس من قبل اللابس، ان كان جنيّـًا ام عفريتًا ام روحًا ام وسواسًا خنّاسًا، الأمر الذي يكشف جانبًا ميتولوجيًا تجلّى عندنا في اللغة العربية.. ولكن اذا اردنا تناول الموضوع بلغة علمية، فان الشخص الملبوس يتحرّك تحت تأثير رغبات باطنية بسيكولوجية، كان البشرعبر التاريخ يحاولون تجنبها، بايجاد سيناريوهات لمنعها او لتضليلها أو ترميزها، وفق التقاليد العامة ومستوى التطورالاجتماعي والديني.

   الفيلولوجيا والتمزيق
  والسؤال الذي يراود المرء، هل تستطيع الفيلولوجيا العربية  ان تقدم بعض المفاهيم المناسبة للأمر؟ فلنحاول..
  الجذر الثلاثي "مزق" يتضمن معنى خرق وشقّ، ليس للباس فحسب، بل قد يعتمد في العملية الجنسيّة.. لذلك نجد في قاموس المعاني تعبير (مزق عرضه) يعني شتمه واغتابه، وطعن فيه.. فالتعبير هوإشارةعنفية واضحة.. ولا نغفلنَ الكلام القاسي الذي يلجأ اليه الذكور، عند الحديث عن نجاحهم في العملية الجنسية (مزقها تمزيقًا)..
   ولا يغيب عن البال ان الحزن يمزّق القلوب بتعبير مجازي لدى الشعراء، أي أصابه الأسى العميق.. من هنا نفهم أن هؤلاء الذين لجأوا الى التمزيق قد أعلنوا عن حالتهم المأسوية وأحزانهم، وقد يلجأ المنتصر لاعلان تمزيق قوات العدوأو الطغاة للتعبير عن تشتيتهم وتفريقهم في البلاد، وبالمقابل يعلن المرء عن تمزيق المُلْك للإشارة الى إزالة أثرالمملكة العدوّة.. وما تمزيق البنطلون إلّا محاولة لإبداء الاستعداد والتمهيد لإلغائه وإزالة وجوده.. وربّما هوتعبير عن  تمزّق الذات، والاشارة هنا الى النفسية الممزّقة والمحطّمة، أو الحزينة، لانه قد يلجأ المفجوع  بشكل عفوي الى تمزيق ثيابه عند الحزن الشديد والمفاجئ، والى تخريب تسريحة الشعرأو حتى نتفه..
   وفي حالات الوفاة والفاجعة، وتقديم واجب العزاء،  تعبّر النساء  وحتى الرجال أيضًا، عن حالاتهم النفسية البائسة بارتداء اللباس الأسود.. أو تجنّب الألبسة ذات الألوان الفاقعة.. وبالعكس يحتل اللون الأبيض أجساد العرسان في الأعراس والمناسبات السعيدة.. وذلك له شأن آخر في الأبحاث الفيلولوجية..         

   لهجات  الجذر "مزّق" المناسبة
   يبرز قاموس المعاني أوّل مرادف ثلاثي "مزع"، والتعبير الشعبي "مزع حنكه" يعني مزّق حنكه.. كمن يمزّق حنك حيوان مفترس.. وذلك الكلام يناسب الذكور في صراعاتهم  وابراز بطولاتهم.. ويخشى من ان تكون خروق البنطلون دعوة باطنية لتشجيع الذكور أو الآخرين عمومًا لمزع الجسد.. ونزع طبيعته وتغيير طبعه وطباعه.. ونذكر في هذا الصدد التحوّل من الطبيعة العذرية الى الزوجية، سيما وان فض البكارة توحي بتمزيق الغشاء، ومزع البكارة، مع ما يرافقه من نزيف يوحي بنزاع ومعركة.. لا نزال نعتمد  الكلمة (نزع) للاشارة الى اقتلاع الشيء وجذبه من موضعه وازالته (حسب القاموس) بل عمومًا للتخريب وخاصة الألبسة.. والمنزوع، في العامية، هو الذي فسدت أخلاقه.. لعل نزع البنطلون يهدف الى الاعلان عن فساد اخلاق لابسه.. أو الايحاء.. أو تعويض اخلاقي عن رغبات مكبوتة.. علمًا ان "النزال" هو حقّـًا معركة.. والطريف أنه يتألّف من (نز+ زل)، فهو انزال واذلال.. وهذا ما نجده في التاريخ.. فعملية نزع الشيء من الآخرين هوسلبهم.. بل ان النزع الى الشيء هو شوق اليه.. فالبنطلون المنزوع بسبب معركة أي نزاع.. بل هو في نفس الوقت يدل على الشوق.. والحنين للرجوع أو العودة الى (الى الوطن مثلًا).. وكما كل عمليات التخريب التي تنسب الى قوى شريرة فان العربية ترى ان النازع هو الشيطان.. فهل لابس البنطلون الممزّق والمنزوع يعلن عن شيطنته؟ نعم، أليس اللابسُ ملبوسًا؟! هنا تواصل بين هذا الامر وبين الموت، لان بعض النزع وصول الى موتٌ..
  لعلّ في الامر (نزقًا)، فالنزق هولهجة قريبة من مزق، فبعد كل ما سبق ايراده قد وثقته اللغة العربية بامتياز.. والذكاء البشري يعرف كيف يرمّز بظواهر الأمور.. لان النزق خفةٌ وطيش في كل أمرٍ، وعجلة في جهل وحمق، وحدّة طبع وسرعة غضب، وايحاء بالخفة والوثب والتقدّم بالسير   كالأولاد وكالفرس، وكذلك كمن وصلت حالته حتى الفوّهة عندما يمتليء الإناء.. وغالبًا ما يعتمد هذا التعبير للإشارة الى الغضب الشديد..
    وفي ظاهر الامور، إنّ البنطلون الممزّق هو كلّ ما تقدّم من معانٍ في اللغة العربية، بامتياز، رغم أن الاختراع (الاختراق والخرقة) هو اميركي  تاريخيـّـًا واقتصاديـًا واجتماعيـًّا..

  الميثولوجيا وايجابيات الممزّق
  الالتزام بالجذر الثلاثي لكلمة (مزق) كما هو، لا يفيدنا، وهو أمرٌ من غير منهجيّتنا دائمًا.. لذلك نعتمد اللهجة المناسبة (مزك ومسك) وهي (الموسيقى) وهي فنٌّ من الفنون الراقية جدًّا، ولغة عالمية، تقدّرها كل الشعوب عمومًا، وهي ليست غريبة عن اللغة العربية، ربما انها ذات جذور عربية أصيلة، لانّ الجذر الثنائي (مسّ) والمسُّ هو اتصال بالآخرين، وخاصةً بالجنس الآخر، وطالما كان هذا الشأن أمرًا مقدّسًا،وميتولوجيّـًا، وكذلك هو مسّ أرواح الجدود، أو أرواح الموتى، أو المعبودات، أو الجان (جني ملاك أو جن شرير) وليست صدفة أن يكون المس والممسوس مرادفين للبس والملبوس..  والمسك من مسك يمسك، وهو أحد أفعال الاتصال، ولا نغفلنَّ أن الفنون جنون، سيما وان الموسيقى أحد أساليب الاتصال الباطني اسوة بالطرب والأصوات الايقاعية.. وطالما اعتمدت أدوات  الايقاع كالطبل والدفوف في معظم حضارات العالم القديم لغاية الوصول الى حالات الاتصال الميثولوجي..  مع العلم أن كلمة الميثولوجيا تتضمّن معنى المس والمتّ والاتصال كأحد الأسـس الدينية عبر التاريخ..
  من هنا من حقنا أن ننسب الكلمة الى جذورها العربية أو المشرقية عمومًا، انها المزّيكا.. اذن نهنّيء هؤلاءالذين ارتدوا البنطلون الممزّق الذي يسهّل الاتصال بالآخرين، ويسهّل المسّ، كأنّه دعوة للاتصال، لأنّه كالموسيقى، كالفنّ.. بل انه تماسك وركوز، في معانيه الأخرى..
   ماذا في الجذر الثنائي (مزّ+ق)؟  رغم كون علاقته بالطعم "المزّ" بين الحلو والحامض..يعني ان التمزيق هو حالة وسط بين الحالتين.. إلّا أن "المِزّ" هو الفضل أوالفاضل ~في القاموس~ ، ويبدو انه بسبب الجذر (مزّى) الذي يفيد التفضيل والتقريظ.. بل مما يناسب أكثرهو الجذر (ماز) لأنه يفيد التمييز، وحقّـًا ان الممزّق هو مميّز والتمزيق تمييز.. ولكن برأينا لو بقي محدودًا بعدد قليل ولم يتحوّل الى زيٍّ منتشر دارج لدى الجميع مما يفقده تميّزه.. ومن المعروف أن المزّ هوتعبير مائيّ له علاقة بمصّ الماء فالإرتواء.. وارتشاف الشراب (ويعتمد التعبير للكحول عادةً).. والامر المزّ هو أمر صعب، فكم من الصعوبات التي قد تواجه المرء لو حاول الوصول الى ممزًقي وممزّقات الثياب؟؟ حتى هذا الأمر لم تغفله اللغة!!
   إمّا اذا اعتبرنا أن في الأمر "رقيةً شافيةً"، فلأن التعبير العربي (ماز الأذى عن الطريق) يعني أزاله ونحّاه.. فهل ذلك في أذهان مرتدي اللباس الممزّق يا ترى.. كما في الرقعة والترقيع؟؟
  

الخميس، 10 مارس 2016

مقالي بمناسبة فوز لين الحايك نشر في جريدة اللواء

احببنا (لين) كليونة الماء الحي، والشفافية المتموّجة، التي طالما عزفت ألحان الفصول، على أوتار صخور  شطآن التاريخ العريق، الذي رماه الزمان في جعبة النسيان..
   لم تُقبل لين من سواحل الميناء الطرابلسي الذي اوّل من وزّع الحضارة في العالم القديم.. وليس من الجبل الطرابلسي الشامخ في العلالي يخاطب الزمان والمكان.. وليس من جنوب الفتى  "غدي" الذي خاطب العالم بلغته وبصوته الرنّان، وليس من الشمال الحزين خازن كل الشمائل.. 
   لم تُقبل "لين" بصباغها الشمسي من لبنان المسكين على حد السكين.. ولا من شرق المتوسط الذي توسّط حضارات القارات.. 
   لقد أقبلت لين من زمانٍ وليس من مكان.. من زمنٍ سقطت فيه العاطفة والمقدّسات، وحللت المحرمات، في زمنٍ يتوالى فيه القتل، والفساد والهبوط نحو منحدرات الغش والزيف، واشتدت المنازعات لحد اختنقت فيها الاصوات..
   في زمانٍ علا فيه أزيز الرصاص.. واخترق صراخ الصواريخ جدار السكون الأزرق، و حلقت طائرات دول في فضاء دول.. في زمن تألّمت فيه الطفولة والانوثة والرجولة من عصف شديد التمزّق ودوّامات عنيفة الأعصار..
   اتت "لين" بليونتها الغضة، مع  خدَّي زين عبيد الشامي المتوردتين بحنجرة صباح وأوتار الفخري، أتت مع أمير العاموري عاشق الأمل الشرقي العريق، مع غنى حمدان الطامحة لحماية الطفولة، مع ميرنا حنا الرقيقة جدًا والصارخة في وجه المعتدي على العراق العريق تنادي ليلى المريضة.. جاءت تستظلّ لواء الفلسطينية ميرنا عيّاض، مع جويرية المصرية.. هي "لين" الصوت التونسي من المشرق العربي الى المغرب العربي..
    هم جميعًا مداميك اهرامنا الناطحة السحاب، الصارخة في وجوه التخلف والتردّي، يقولون "نحن الشباب.. ولنا الغدُ"..
     هي الابنة التي دلّلتها أزقة حي سلوى القطريب،  و زقاق الطاحون حيث قطنت نور الهدى قبلها.. هي المصغية بشغف لآل بندلي من طفولتهم الى شبابهم والى كلّ ابداعاتهم.. هي الوريثة الشرعية لسفارة الغد، هي عروس البحر، عروس من ذلك "الميناء الطرابلسي"  الى الوطن، والى الاقليم، الى العالم.. عسى أن يدرك العالم أن صوت السلام يجب أن يعلو على صوت السلاح،  وأن يعلو صوت الحب على صليل الحرب..
    نعم، نريد حفيدة للجدّة فيروز، نريد وريثة للشحرورة صباح.. نريد بدائل لكبارنا ، بعدما حلّق الكبار بعيدًا.. 
   فلنحصّن أجيالنا ما استطعنا، لنحصّن "لين".. علّ الليونة تخنق الخشونة.. فيكفينا ما أصابنا من صلابة الدهر..
   فالى الأمام يا عروس البحر يا حلم الليالي.. الى الأمام يا سفيرة الغد المشرق.. 
   نعم، نريد أن نغني للفرح والسلام والأمان والتطور،                   والعلم والثقافة، نريد ان نذرف الدموع سخية  فرحًا وسعادة على أطفال أتقنوا الغناء والفن والرقي.. لنمنع زمان الآباء المؤلم أن يتكرّر مع  جيل آخر.. 
   نعم نريد أن تتقنوا لعبة النجاح من أجل هؤلاء الذين غنيتم لهم الى جانب  "كاظم" المحاط بلين اللبنانية وميرنا العراقية الرقيقة.. وسائر الاصوات الخارقة التي هتفت معكم:
  " الملايين تلوك الصخرَ خبزًا.. على جسر الجراح مشت وتمشي.. تلبس عزّها وتموت عزًا.. تذكّر قبل ان تغفو على أي وسادة.. أينام الليل من ذبحوا بلاده؟ أنا إن متُّ عزيزًا انما موتي ولاده.. قلبي على جرح الملائكة النوارس.. باست جبينهم  المآذن والكنائس.. كتبوا لهم هذا النداء.. وطني جريح خلف قضبان الحصار.. في كلّ يوم يسقط العشرات من أطفالنا.. الى متى هذا الدمار؟؟ جفت ضمائركم، ما هزّكم هذا النداء.. هذا النداء رقّت له حتى ملائكة السماء.. وما جفٌت دموع الأبرياء."
   يا رسل الغد.. يا أطفال بلادي.. فزتم جميعًا، وبنيتم هرمًا عظيمًا، بعد ذلك لا يهم من يقف في المقدّمة أو في الميمنة أو الميسرة.. أنتم سيروا الى الأمام، أما نحن فصرنا خلفكم..
           
              سعد ديب ٨ آذار


الأحد، 6 مارس 2016

من البنطلون الممزق الى اللباس المرقّع


من الجينز الممزّق الى اللباس "المرقّع"


   عندما نشرنا البحث حول الجينز الممزّق وتضمّن الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية العالمية، انهيناه بالفقرة التالية:
   "إذا كان البنطلون الممزّق في الماضي تعبيرًا عن تمرّد ضد الاحتكارات والاستهلاك .. فإنّه اليوم تعبير عن التعجيل في اسقاط  النظام القديم ولكن لمصلحة قوى أكثر إجرامًا وشراسة لقيادة العالم الذي يزداد تحوّله الى قرية صغيرة في قبضة التكنولوجية الرقمية الموضوعة في جيب بنطلون جينز ممزّق..
   فما هي المصلحة المحلية في ذلك يا ترى؟"
  **********************************
   واليوم اذ نتعقّب اللباس المرقّع فلأنّ الأمر يتعدّى المشهد السطحي للثياب، وسائر انواع الفاشن.. لما تحمله من أبعاد ميتولوجية مفاجئة لمن لا يدرك ثقافة الشعوب والقدرات الفيلولوجية للغة العربية واللغات الاخرى..
   بدايةً، لا بدّ من الاشارة الى بعض التصرّفات والممارسات الشعبية المنظورة، التي قد تثير الدهشة والغرابة، وكلا الأمرين مطلوبان، لانه ان لم تحصل المفاجئة، فان النتائج لن تتحقّق.. وذلك شأنٌ نفسي إيحائي، له تفسيره العلمي.. وذلك ليس له أي علاقة مباشرة بالجينز الممزّق الذي سبق لنا كشف أسبابه، وحيثياته التاريخية.. واذا حصل، فلأنه تقارب مفتعل لا يمت بصلة الى الواقع الموضوعي الذي نبحث به، كما يمرّ معنا..
  
   في التاريخ:

  قضية الرقعة، هي قضية قديمة جدًا، اعتمدها الناس لأسباب اقتصادية، ناتجة غالبًا عن الفقر والعوز أساسًا، وعدم القدرة على استبدال الألبسة بأخرى  بديلة سويّةٍ، فتقوم ست البيت حسب مهارتها، بترقيع الممزّق من السراويل أو القمصان أوالكلسات أي الجرابات.. حيث تكون احتفظت بعدّة الخياطة، المناسبة، امّا قطع الملابس الغالية فقد كانت تعالج في ممحلّات متخصصة بالرتي، والترقيع الفنّي، لا يقوم بها سوى أصحاب المهارة، ممن اشتهروا في أوساط العاّمة، بحيث لا ترى الرقعة، أو يرى التمزيق، إلّا بعد التحديق والاقتراب الشديد من الأثواب المرقّعة،
وكانت الغاية من العملية توفير انفاق المال لشراء البدائل، أو للإحتفاظ بقطعة مميّزة، غالية الثمن، أو موروثة، رغب صاحبها عدم اتلافها.. 
   حاليّـًا، قد يلجأ أحدهم الى ترقيع الجينز الممزّق، لزيادة مفاعيل التمرّد النفسي، ضد الاحتكارات، أو لأسباب سبق لنا شرحها في الدراسة السابقة، أو حتّى لإخفاء تفاقم التمزيق في أمكنة حساسة، أو لزيادة لفت الأنظار..

 مشاهدات 

    ولكن، كلّ ذلك، يخرج عن الموضوع الأساس، الذي نلاحظه في بعض الظواهر الملفتة للنظر، أصرار أحد الميسورين لاظهار جرابيه (كلساته) الممزّق حيث تبدو منه اصبعه الكبرى، أمام الأعين، أو أظهار بعض الرقع على لباسه الخارجي دون خجل.. والسير بحذاء متلف، أو دونه، الى أحد الأديرة، لإيفاء بنذر لقديس أو قديسة..
   وأبرز ما نراه أو نعرفه ونسمعه، هو النذر الذي قد يلجأ اليه بعض الأهلين ممن رغبوا بمولود ذكر.. أو للحصول على أي مولود، بسبب المرض أو العقم.. فينذرون إلباس المولود المنتظر أردية مرقعة.. وذات ألوان مختلفة فاقعة مخالفة غير منسجمة بتاتًا بحيث تبدو جليّة لافتة للأنظار.. 
   إمّا لماذا لفت النظر؟ ذلك لأنه من المطلوب، ردّ الأعين الحاسدة، عن المولود، أو عن ثراء، أو عن صحة.. الخ.. فالأعين الحاسدة تتلهّى بغرابة المشهد، عوض التحديق بمؤشّرات الغنى.. فهذا هو الجانب  الايحائي والنفسي من الموضوع، أكثر من كونه دينيـّـًا.. ونهمل الخوض بالتوسّع في هذا الجانب..
    
  الكلمة للقاموس العربي

   إذًا كيف تجلّت هذه المواقف في فيلولوجية لغتنا العربية؟
   فلنتناول كلمة (الرقعة) لإدراك ماذا تستطيع العربية أن تكشفه..
   فالرقعة: من الجذر "رقع" - كما يعلم الجميع- الذي يفيد اصلاح الثوب بإضافة خرقة.. ورقع البناء دعمه، رقع حاله أصلحه، رقعه بسهم أصابه، رقعه بكلامه رماه بلسانه، رقع الشيخ اعتمد على راحتيه للقيام، رقع في سيره أسرع، رقع فلانًا ضربه..
    رَقَّعَ دُنْياهُ بِآخِرَتِهِ : أَصْلَحَ 
    رَقَّعَهُ البناءَ ونحوه : دَعَمَه.. والارقع أحمق
    وأيضًاالأرْقَعُ : السماءُ الدنيا ؛ لأَنَّها مُرقَّعَةٌ بالكواكب والنجوم.. 
    الرقعاء  هي الحمقاء، والدقيقة الساقين.. الخ.
    
   كما نلاحظ. ان عملية الترقيع هي عملية اصلاحية لا تشمل البنطلون واللباس  فحسب، بل اصلاح الشأن والحال والبناء،  بالاضافة الى أرفع الشؤون المعروفة وصولًا الى السماء المرقعة (المرصّعة) بالنجوم، وعلى النقيض، نجد ان الجذر متواصل مع الحماقة..
   كل ذلك يعني ان الرقعة هي عملية اصلاح، وترميم، وقد يكون دينيًا، وعملية التواصل مع العالي الراقي السامي السماء، وما الحديث عن الترقيع بالنجوم الّا سيناريو ومحاولة لفهم العلاقة بين الرقعة والعلو.. الامر الذي ستفسّره الفيلولوجيا..
    والموقف واضح من هؤلاء الذين يسعون للتظاهر بالترقيع فرأى الناظرون ان الرقعة هي حماقة.. وهذا موقف مشروع..
    
   التحليل الفيلولوجي
    الجذر الثلاثي (رقع) يتواصل مع رقا رقوًا، بتحويل حرف العين الى حرف العلة الالف الطويلة، فنحصل على: ارتفع وسما يسمو، مما يبرّر الحديث عن السماء المرقعة بالنجوم.. وبالتالي فإنّ هؤلاء الذين يرقّعون يسعون الى الرقي والارتفاع دون أن يدروا بتلك العملية اللهجية.. وبالتالي فان الناطق العربي وجد في الأمر تلك الحالة الراقية.. بالإضافة الى الترفع عن بعض الأوضاع الروحية أو المادية.. مثال ترقيع الملابس للترفّع عن الأناقة والغنى والمظاهر، والألتزام بالكفاية على حساب المناظر الخارجية الخداعة..
    والجذر إيّاه يتواصل مع (رقى) يرقي،  أي قرأ على فلان تلاوةً، من أجل شفائه من مرض أو حالة، ونحن نعرف ان العملية تشمل الوقوف في وجه عيون الحسد.. إذًا، الغاية من نذر الترقيع هي الرقية الشافية.. يسعى اليها الناس المصابون للتخلّص من مصاب.. ولقد حفظ الناطق العربي المضمون باللهجة المتواصلة مع "رقى".. والرقية هي العوذة التي يرقي بها المريض.. ونذكر هنا المعوذات الدينية.. والاستعاذة بالله.. من هذا الجذر اشتقّ فعل ترقى يترقى ورقاه الى مرتبة أعلى.. وذلك بعد تملّق الرئيس إذا رقّاه.. (استنادًاالى القاموس)
    

     من هنا ننتقل الى الجذر الثلاثي (رقي) الذي لا يختلف كثيرًا عن سابقه.. ومن لا يرقى اليه شكٌّ هو الموثوق، والرقي الاجتماعي هو تقدّم وحضارة.. ونلاحظ التناقض بين الحماقة والرقي في الجذر الواحد..
     بعد هذا العرض، لا يعود ينفع التعريض برقاع الملابس.. لعلّه كان راقيًا دون ان ندري.. 
     وظاهريًا، فإن هؤلاء الذين ارتدوا الممزّق والمرقّع، هم من عليّة القوم، سيما وإنّ تلك الأزياء غالية الثمن رغم بساطتها وتمزّقها..
     ولكن، في الاساس، الذين اكتسوا بالي الملابس، كانوا الفقراء المعوذين..المشردين والمشردات.. الذين لجأوا الى المهن المحتقرة لتأمين لقمة العيش.. ربما مهنة الرقص.. فماذا حفظت اللهجات العربية؟
   إحدى اللهجات الثلاثية المتواصلة هي (من رقع الى رقص)، والرقص معروف كاهتزاز الجسم على ايقاع الموسيقى والغناء.. ولدى الناس موقفان منه، الاعجاب بالراقص، أو الاستهانة بمهنة الراقص أو الراقصة.. ربما اعتبروا الرقص حماقة.. والرقعاء حمقاء..
    ونستنتج، أن الرقص في أحد معالمه قد اعتمد على هؤلاء المعوذين المرتدين والمرتديات المرقعات من الأثمال، قبل تكريم أعمالهم بتقديم المناسب من الألبسة، حسب مهارتهم بالأداء الفنّي والغناء.. فما علاقته بموضوعنا؟
    الجواب، ذلك لان بعض أنواع الرقص، في مرحلة من المراحل، كان يعتمد  عليها في عمليات الاستشفاء، الروحي أو الجسدي.. فهي رقية شافية.. اسوة بالرقعة الشافية!!. ومن المعروف، أنه طالما كان الرقص يمارس لدى الشعوب البدائية، في افريقيا واستراليا وهنود أمريكا، وفي جنوبها، وكذلك تمارس ضمن الطقوس الدينية، في المعابد والهياكل، كأحد الممارسات الميتولوجية المطلوبة في الأديان السابقة العريقة في التاريخ.. مما يزيدنا التأكيد على ترابط الرقعة بالتلبيات (الطلبيات) الدينية والرقي الشافية.. واذا وجدت بعض الرقصات التقليدية مثل الزار  (مصر) قد تأخذ طابعًا دينيًا.. لا يقل الاعتقاد بها وبتأثيرها عن الرقية الشافية..
   وفي معرض الحديث عن أحد معاني (رقع) المقصود به (ضرب)، لا نزال نتلفظ بالتعبير المشهور (ضربة عين) كأن الرقعة ترد ضرب العيون الحاسدة.. وهذا صحيح من الناحية البسيكولوجية لمن نذر الرقعة (الرقية)..
   ويشترك الجذر (رقأ) بالهمز المتطرّف، بعملية الاصلاح ايضًا، ويتميّز بكونه يوقف الدمع أو الدم.. أو لسكن أو تجفيفه بعد سريانه، من هنا لعلّ بعض الرقع كانت تهدف الى تحقيق هذه الغاية.. لا، بل حقيقة أن الرقع في الاصل توضع على الجروح أو أمكنة سيل الدم.. فهي اصل المحارم الصحية، في مواجهة النزف..
   أما اذا قلبنا القاف كافًا، فنحصل على (ركع)، فهل هناك شكّ بان الركوع هوأحد اركان الصلاة، وكلاهما يحملان معنى الرضوخ للإلٓه المعبود..

   الجذر الثنائي
  
  الجذر الثنائي من "رقع" يجوز أن يكون (رقّ).. 
  الرَّقُّ : جلد رقيق يُكتَب فيه 
 الرَّقُّ : الصحيفة البيضاءُ 
 الرَّقُّ : الماءُ الرقيق، أي القليلُ الخفيفُ في البحرِ أو في الوادي..
  وطالما كان الرقّ، أحد أدوات الكتابة للرقيات، التي ترمى في مياه البحر أو النهر أو الوادي.. ومن لا يصدّق فليسأل المشايخ الذي يكتبون لمن ساءت أحوالهم.. وطبعًا صاروا يكتبون على الأوراق عوضًا عن الرق وهما كلمتان متجانستان باللهج.. والرقّة فيها لطافة وفيها الحنان.. وهنا نجد الاستعطاف المطلوب من المعبود.. لان الحرّ اذا رقّ أصبح عبدًا رقًّا من رقيق.. وهنا نلاحظ كلمة العبد والعبادة للمعبود.. ومضمونها الخضوع والعبوديّة.. ونعتبر ان هذا الخضوع هوعملية تواضع واتضاع من التكبّر والتباهي، هذا الامر الذي يجعل الانسان يرقى ويرتفع ويترفع عن الصغائر الدنيوية.. ذاك هو ما نجده في عملية الرقعة.. 
   من هنا نفهم معنى الرقة وسكن الغضب.. والرواق حيث تصفو النفس كما تصفو الماء، خاصةً اذا راقت نفسه، أو راقت لنفسه الأمور أو الأحوال وأعجبته..
   ويأتي الجذر بمعنى راق الماء انصبّ.. والسراب ترقرق ولمع.. وطالما اعتمد الماء في الرقية، وطالما شوهد السراب كالماء الرقيق على صفحة الأرض..
   فهل ورثنا، اللغة كما نرث الجينات؟ أم اننا مضامين اللغة في جيناتنا؟
   وفي الجذر الثنائي، نجد لهجة (ركّ) الذي يرادف كثيرًا الجذر "رقّ".. بالضعف والرقة، وكذلك يتضمن معاني الاصلاح، بل المعالجة، لان " أرك الجرح" يعني صلح وسكن ألمه، وشفي..
  
    النتيجة
    ان الجذر العربي "رقع" قد حمل معظم الحدث التاريخي والأركيولوجي والميتولوجي كأفضل ما يمكن أن نكتشفه، من حجارة وفخارات ومنحوتات وأوراق ورقائق، ومسطورات وأساطير ومروّيات..
   وان الرقعة حقّّـًا اعتمدت كرقية شافية، ولا تزال تعتمد لدى الكثيرين من الناس محليّـًا واقليميّـًا، بل قد تكون عادات أو ممارسات عالمية.. غايتها تحقيق اصلاح حالة أو علاج مرض، أو ردّ حسد، واصابة ضربة عين حاسدة، أو تحقيق مطلب عائلي، أو التخلّص من سوء وظلم وتعاسة..الخ.
  اثبتنا قدرة اللغة العربية على معالجة المعاني بجذورها الكاملة، أو بجذريها الاثنين.. وأحيانًا، حتى الجذر الآحادي.. الذي يستحق درسًا موسّعًا وخاصّـًا..
   أما بالنسبة للعلاقة بالبنطلون الممزّق، لم يظهر ان للرقعة أي علاقة حقيقة به.. فهي علاقة عرضية واهية وسطحية، لا تمتّ الى اسبابه الاجتماعية والاقتصادية والاستهلاكية بصلة وثيقة..
  إذًا للرقعة والرقية علاقة فيلولوجية بامتياز، باللهجات والممارسة..

السبت، 5 مارس 2016

      نص قصير
      ------------
     ماانتُزع القلمُ من جيبه منذ ثورة ٥٧
   كلّ أنواع الأقلام .. بدأ باللوح الحجري 
   بالكوبيا فالرصاص فالحبر
   والحبر سائل ومجيبٌ
   والحبر جافٌ
   والحبر ألوانٌ
   والورق غرام رقةٌ وركاكة ولطف
   أمّا الجيب فعلى الصدور
   والصدور الى القلوب.. 
   أحبّ صاحبنا الكتابة.. فلم يحظَ بورقةٍ إلّا وحفظها.. وما وجد قلمًا إلّا وجربّه.. وما صادف كتابًا الّا وتصفحه..
   قرأ.. جمع.. راكم..الغلاف الى الغلاف.. رفوفاً رفوفًا.. والرفوف طيور محلّقة..
  امّا نحن فقد كنّا الأكثر إفادة.. فما اقترب من مسطّح إلّا وامتشق قلمه من صدره.. ملّس ورقةً وراح يكتب كلمة تناسب اللحظةَ..
  يسلّم مكتوبَه لأوّل المصادفين والمصادفات ممن يجاورونه.. منهم المهتم ومنهم المغتم.. والكلّ مساير سائر..
  يفاجَأ المستلم المسالم.. إذ أن المكتوب ليس رسالة غرام..
  وتتفاجأ المستلمة أن فيها كثيرًا من الحبّ..
  وهذا الحبّ أنواع.. فيه حبّ الحياة.. حبّ الآخرين .. حبّ الحبّ.. حبّ السلام ..  وفيه حبّ الكلام..
  منهم من أعجب منهم من بشّر..
  لكن أدرك الجميعُ أنها طاقة تتجلّى.. وهي خير التجلّيات.. عظيمةٌ جلودة وجلادة، سلاسة وسلسة..
  مايزال القلم في جيبه.. وقد يكون متأبّطًا كتابًا..
  وصرنا نرى إضافةً عليه جهازًا الكترونيًا.. وقّع عليه بصماته.. وراح يكمل المشوار..