الثلاثاء، 12 أبريل 2016

الشعر والشعر

          مقال :  الشعر.
     ...وخلق الله الانسان.. وخلق له شعرًا
     واحتار بأمره..
     ربطه بعدما استطال..
     غسله بعد اتساخ...
     وكان ذلك أمرًا مفيدًا..
     واخترع الانسان مقصّـًا
     في البدء كان المقصّ حجريّـًا..
     فقصّه..
     حلقه حتى الجلد..
     منهم من اقتلعه من رأس العدوّ
     اقتلع معه جلد الرأس!!
     منهم من أطاله حتى وصل الكتفين..
     منهم من أوصله حتى الخصر
     قليلٌ  استطاع إيصاله حتى الركبتين..
     منهم من جعّده عندما اكتشف شعرًا مجعّدًا ..
     منهم من سبّله كما تساقط ماء الشلال ..
     منهم من رفعه ملتفّـًا لغاية التطويل ..
     ومتى اكتشف الانسان للشعر ألوانًا، لوّنه ..
     منهم من شقّره.. منهم من ذهّبه ..منهم من حمّره
     منهم من صفّره، منهم من سوّده ..
     ولكل لونٍ معنى .. والألوان كثيرةٌ،.
     والحياة بعض الأحيان طويلةٌ
     ولدى البعض الآخر قصيرةٌ
     ومرّت دهورٌ.. واحتار بأمره..
     فغضب الانسان ، فرفعه متوتّرًا..
     وضجر البعض الآخر فأكثر الدهون..
     واخترع من الأشجار دهونًا.. فدهنه
     واخترع من شحوم الحيوان إلصاقًا.. فألصقه..
     واستخرج من الثمار عصيرًا.. فرطّبه..
     وصنع من عناصر الطبيعة صابونًا.. فنظّفه..
     منهم من نظّف كثيرًا..
     منهم من نظّف قليلًا.. أو أهمله..
     واحتار بأمره..
     وكان في الهواء غبار..
     وكان في الرؤوس دهونُ
     تعاشق الدهن والغبار والقشور والشعر..
     واحتار بأمره ..
     اخترع الانسان عصائر و مساحيق
     واخرج من الزيتون زيوتًا ..
     و حوّل الزيوت علاجًا..
     وكان من بين الناس أصلع..
     والصلع غير قليلٍ ..
     واحتار الأصلع !!
     راح الأصلع يفتش عن شعرٍ؟؟
     راح البعض ينظم للصلع مديحًا وتقريظًا..
     راح البعض ينسج للصلعة شعرًا..
     فحَبَك من شعور الآخرين قبعةً..
     ونسج آخر من وبر الحيوان غطاءً..
     غطّى البعض صلعته..
     وحجب البعض شعره
     وحجبت بعض النسوة شعورهنّ..
     وحجّب بعضُ الرجال النساءَ
     ووجد بعضُ الناس في الشعر عورةً
     ووجد البعض الآخر بالشعر مشاعرَ...
     وبعض المشاعر يجب أن تُحجب .. فحجب الشعرُ..
     وللعورة شعور وشعرٌ ..
     ومنهن من أطالته من فوق وأزالته من تحت ..
     وشعور الناس متنوعة ..
     منه ما ينبت في الصدر
     منه ما ينبت في الظهر ..
     منهم من اعتبره رجولة ..منهم من اعتبره زائدًا..            
     ومنهم من وجده زينةً
     وسُمّي فاقده أزعرَ ..
     وسُمّي الأزعر فاحشًا ..
     وفيما وجد البعض في الشعر فحشًا..
     وفيما احتجبت بعض النسوة
     أطال بعض الرجال لحاهم
     ورأى البعض طول اللحى زينةً
     ورآها البعض إطالةً للمشاعر ..
     فمدّده.. وشكّل بعض الرجال لحاهم
     منهم من أطالها كثيرًا
     منهم من أظهرهاقليلاً
     رسم للّحيته خطوطًا.. وتباهى بها
     وكانت للبعض متراسًا.. فمترس خلفه ..
     ووجد البعض في اللّحية سلاحًا.. تسلّح بها
     ووجد البعض فيه تشبّهًا.. تشبّه بها..
     وكان للّحية تراثٌ
     ورث البعض هذا التراث
     وصل بعضهم الشعر بالشعر
     فغطى الشعرالرأس والوجه ..
     فأنشغل هؤلاء في الأعلى
     وانشغلت أولئك في الأسفل ..
     اخترعن الوسائل لإزالته
     واخترعوا الوسائل لانباته ..
     وابتدعن السكّر
     والسكّر حلوٌ
     جمّلوا السيقان.. فصارت السيقان لمّاعةً
     وبعض السيقان كالمِرآة ..
     يحبّ الأزواج ذلك ..
     وأكثر النساء السكّر
     وأكثرن الحلوَ ..
     اخترع الرجال الشفرات
     أزالوا شعر الذقن واللّحية
     وأزالت بعضهنّ بالشفرات شعر السيقان
     وأزلن أيضاً شعر غير السيقان ..
     واخترع بعضهم أدويةً و معاجين لإزالته
     فاستخدمنَها ..منهن كثيرًا ومنهنّ اعتدالًا
     اعتمد المبتكرون الأشعة الضوئيةَ
     فكانت تلك الأشعة لإزالته ..
     وافتتح البعض عياداتٍ لإنتزاعه..
     فدفعن من المال الوفير
     منهنّ من تردد كثيراً
     منهنّ من اقتنعن
     منهن من امتنعن ..
     وزعم البعض القدرة على إنباته
     منهن من خدع.. منهن من انخدع
     لكن هناك من نجح
     وصار للإنبات مختبرات وأدوية
     أنفق البعض الكثير..وتجاهل البعض الآخر..
     ولشعر الناس مؤسسات.. سمّاها البعض عيادات
     وسُمّي الذي يعالجه مزيّنًا
     وسُمّي البعض حلّاقًا.. لأنه يحلق
     ورأى البعض في الحلاقة حلاوةً و تحليقًا..
     فحلّق البعض.. وتحلّى البعض الآخر..
     بعضهنّ علّق الى جانب الشعر حلقًا
     والحلق تحليق وطيران وارتفاع ..
     وسُمّي البعض طبيبًا.. يطبّب الشعر
     والغريب أن الطبيب من تبّ.. أي قطع
     والتبّ قطعٌ و قصّ  .. والقصّ للشعر
     والشفرة مديّة قاطعة ..
     وبعض القصّ قصاصٌ.. ولبعض القصّ قصةّ
     والطبيب يتبّ ..يزيل المصابَ
     لعلّ في القطع شفاء ..
     وبدا الشعر للبعض نباتًا
     والنبات ينبت
     عمل البعض على زرعه في جلد الرأس
     فنبت كما الشتول
     والشتول تبغي المدّ بالسماد والماء
     فكان للشعر مزارع ...الخ الخ
     وكان الله قد خلق الإنسانَ
     وكان قد خلق له شعرًا
     وهو محتار بأمره ..
     ففي الشعر شعورٌ ومشاعرُ
     والشاعر يشعر
     والشعراء كثر
     منهم من نطق ومنهم أُسكت.. فصمتَ
     منهم من أطال كما الشعر الطويل ..
     ومنهم من قصّ رأس الشاعر، ليس شعره..
     ومنهم من نتف شعر الشاعر كما ينتف بعض الشعر..
     وكان منهم من مدح ومنهم من هجا
     ومنهم من عاش ومنهم أعدم ، ومنهم من مات ..
     وبدا الشعرُ شعورًا
     ورأى البعض أن يكبته.. ولا يكتبه
     ورأى البعض.. أن يسكته
     شنق البعض البعضَ ..
     وهرب البعض لأنّ لديه شعرًا
     وبعض الشعر يتطاول فيفتن
     وبعض الشعر يطول فيفتن
     وبعض الشعر يحلو
     وبعض الشعر حلوٌ
     وللبعض شاربٌ ..
     وجد في الشارب علامةً
     وتلك العلامةُ رجولةٌ
     والرجولةُ للذكور..
     فأطال بالشنبين حتى الأذنين
     تفنّن.. فكان الشنبان علامة نصرٍ.. منتصبين
     أو تفنّن فكان الشاربين كمن يشرب منحنيًا..
     منهم من حفّوا الشارب وحلق الخدين ..
     منهم من حفوا الشارب و عفّوا عن اللحى ..
     وكان الله قد خلق الحيوان
     وخلق لبعض الحيوان شعرًا
     كما خلق للبعض شاربين
     ولم يحترْ بأمره
     وكان للبعض.. كثّــًا..
     وكان للبعض وبرٌ..
     وما حار بأمره.. ولا احتار لشأنه ..
     أخذ الانسان منه الوبرَ ..حاك منه كساءً
     وخلق للبعض صوفًا.. ولم يحترْ لشأنه
     وجزّ الصوفَ وحاك منه لباسًا
     وخلق الله الطير وخلق له ريشًا
     وحلّق الطيرُ بالريش.. ولم يحلقْ
     ونتف الانسان ريش الطير
     وصنع للنتف آلةً
     وخلق الله الأسماك ..
     فكان للأسماك حراشف ..
     سبحت الأسماك .. لا دارت ولا حلّقت
     برش الأنسان الحراشفَ
     أكل اللحوم و رمى الحسك ..
     *****
     وهكذا يمضي العمر
     وهو محتار بأمره
     والشعر شعورٌ
     كثيف في الصغر .. أسود غالبًا
     تسريحه جميلٌ أو غريبٌ
     أو ملوّنٌ بألوان عديدةٍ
     يدوم لدى البعض
     أو يصلع أويجلح لدى البعض
     يشيب لدى البعض ويسودّ لدى البعض
     فيزرعون  أو يصبغون
     ويذهب الشعر معه الى هناك
     حيث تتوقّف مشاعر الحيّ
     وتبدأ مشاعر الآخرة
     منذ الأزل.. لا يزال الانسان يحتار
     والى متى يبقى يحتار بأمره ؟؟
     الحيرة بشأن الشعر و الشعر و الشعور
     الحيرة بشأن الأبد والأبدية
     فيصنع لذاك علاجًا
     ويبدع لذلك فلسفاتٍ
     لبس ثوب العيش لم يستشرْ
     وحار فيه بين شتى الفكر
     وهكذا يمضي العمر ..
     والإنسان يملأ.. العمر ..
     وبعض العمر مديدٌ
     وبعض العمر فارغ  ..
     وبعض العمر مجهولٌ
     ولكن .. لكلّ شيءٍ  آخر......
                  (  سعد  ) كانون الثاني ٢٠١٤
 

الخميس، 31 مارس 2016

اللباس بين الفتق والرتق

البنطلون بين الفتق والرتق
::::::::::::::::::::::::::::::::::::
   بعدما تبيّن لنا تلك العلاقة بين عناصر صناعة اللباس من حياكة وحبك ونسج، وبين نقيضها، لا بد من تناول عنصر الفتق المعادي للدرز والموازي لتمزيق البنطلون والألبسة.. علّنا نجد المزيد من الفوائد اللهجية اللغوية الناتجة عن دراسة هذه الظاهرة..
   استعراض الجذر "فتق" يؤدّي بنا الى ما يلي:
    
   أولًا: معنى فتق في معجم اللغة العربية المعاصرة فتق يفتق ، فتقا ، فهو فاتق ، والمفعول مفتوق• فتق الثوب : شقه ، نقض خياطته حتى فصل بعضه عن بعض { أو لم يرَ الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما } : وفتق السماء يكون بالمطر والأرض بالنبات . 

  معنى فتق في تاج العروس
فتَقه يفْتُقه ويفتِقه ومن حَدّيْ نصَر وضرَب فتْقاً : شقّه وهو خلاف رَتَقَه رتْقاً . وهو الفَصْلُ بين المُتّصِلين . قال الله تعالى : (كانَتا رَتْقاً ففَتَقْناهُما) قال الفَرّاءُ : فُتِقَت السّماءُ بالمَطَرِ والأرضُ بالنّباتِ . وقال الزّجّاجُ : كانَتِ السّماءُ مع الأرض جميعاً ففَتَقَهُما اللهُ بالهَواءِ الذي جعَلَه بينَهما..
   بدايةً، ارتبط "الفتق" بعملية ربّانية وكونية، تتراوح بين السماء والأرض.. وهي فصل بين متصلين..أولهما ان المفتّق يسعى الى الفصل بين لحمه ولباسه.. و(اللحم التحام).. 
  تاليًا، هل في نوايا هؤلاء الفتّاقين منحى كونيّ.. يا ترى؟ أو منحى ديني؟ وماذا في بواطنهم.. وهل البواطن تعبّر بالفيلولوجيا دون دراية العقل الواعي؟ الأمر متروك لأصحاب الاختصاص..
  وقد يكون الفتق بين القوم فترجع الحرب بينهم، أو اخصاب المكان،  وانكشاف الغيم عن القوم، وظهور قرن الشمس من بين السحاب، أو انفراجه السحاب، و سمن الماشية، والخصب وانشقاق الأرض بالنبات، والأمكنة متسعة اذا فتقت، بل هو الصبح نفسه، وقرن الشمس وعينها، ومشرقها..
   بعد هذا العرض من "المنجد"، نرى أن العملية متعدّدة الجوانب والنواحي.. فهي كل العناصر المجازية التي تتواصل مع الانفراج بين الأطراف الملتصقة.. بل انّ لابس  المفتق ساعٍ للافراج عن شيء ملبوس.. ويرغب بالفرج والانفراج بالذات..
  ويضاف اليه. تنقيح الكلام وتقويمه، ونطقه، لذلك فان إمرأة فتقٌ متفننة بالكلام، وحديد اللسان فتيقٌ..
   ولا يغرّنّ انّ مرتدي اللباس هو متفنن بالكلام بقدر ما هو يستعير التعبير بفتق الرتق.. بل يسعى الى النطق بفنٍّ مرئيّ ايمائيّ غير مسموع..
   ولنا ان نرى في الفتق هو اختلال في العيش، وهو الجدب، وقلّة مطر، وآفات ومرض وجوع وفقر ودَين.. وكلّ ذلك صحيح متى تحدّثنا عن الممزّق والمفتّق المرغم..
   ونحن احرار ان نتهم هؤلاء بالمجاديب، والمجدوب هو أصلًا من جدب الأرض.. وبالعكس ربما يسعى أحدهم للانجذاب نحو فكرة مميّزة، لاننا ما نزال نقول " تفتّق ذهنه عن فكرة أو حل.." دلالة على الابداع. 
   طيّب، لماذا وجدت العربية أن الفيتق هو الملك؟ طبعًا بسبب الايجابيات الواردة أعلاه.. ولا نستغربنّ ان الساعين نحو هذا الزيّ هم من الملاكين الاغنياء عمومًا، بل هم المروجين لهذا الزيّ.. مع العلم أن اللفظة الواحدة تتضمن المعاني المتناقضة في العربية وسواها من اللغات (بسبب الانقلابات بالمواقف والفلسفات والسياسة التي شهدتها البشرية عبر التاريخ..)
   على كلٍّ، ذلك دافع للعربي لادراك ماذا حوت لغته في طيّاتها أكثر مما في طيّات البنطلون الممزّق..

من الفتق الى الفتك:
   التقارب بين اللهجتين كافٍ لتعقّب المعاني اللازمة لمعرفة أبعاد هذه الأزياء المفتقة، وما تكشفه من بواطن الأمور..
   في القاموس، نجد أن الجذر "فتك"  يفيد الفتك بالعدو وقتله مجاهرة واغتياله والبطش به، وبالتالي فان الرجل اذا فتك فإنّه يكون شجاعًا مقدامًا يركب ما همّ من الأمور وما دعت اليه نفسه، بل قد يكون قد فتك بالخبث ومضى فيه وبالغ، أو مجن في سلوكه، أو مهر بصناعته، الى ما هنالك من المعاني المجازية التي تدور حوله..
  وهنا لنا أن نستنتج.. أن فتق البنطلون يعبّر عن كلّ ما أعلاه، وان الفتّاقين فتّاكون بطّاشون  مقدامون خبثاء مهرة.. في مواجهة عدو وهمي على الأرجح.. كأنّما الانسان قد حمل جيناتٍ عدوانيةً لم يتخلّص منها بعد..

الرتق:
   من الفتق الى نقيضه، الرتق.. بدايةً نجد أن الأرض والسموات كانت رتقًا.. ففتقتا..
   وكما سبق، نجد ان الرتق هو سابق للفتق..
   يا ترى، كيف كانت الأمور؟ في الرتق سدّ ولحمةٌ خياطةٌ وإصلاح البين، وانسداد والتئام الجرح..
  وإذا ذهبنا باتجاه الجنس فإنّنا نصادف  أنّ الرتق في المرأة هو التحام في الفرج يمنع من وطئها وهو من العيوب المجوزة لفسخ عقد الزواج، وتسمى رتقاء..
   لذلك، أمام ما تقدّم نرى في الفتق والتمزيق هو اعلان جنسي لدى المرأة عن امكانية الوطء والخلو من العيوب، عدا ما يقدّمه لنا الجذر "لحم يلتحم" من أبعاد تناسلية، بالاضافة للأبعاد الكونية والخليقة، تعود الى فتق السماء والارض..
   بل، في الفتق رفض للاصلاح والمصالحة بين المتباينين المتباعدين، لان الرتق خياطة.. مما يجر باتجاهات إضافية..

الخياطة:
   ماذا في الخياطة، النقيضة للفتق، ولهجة "خاط" كأنّها "حاك"، ولكن أول ما يتبادر على ذهن العربي الشرقي جملة "عايز تخيّط" التي تحمل معانيَ جنسية علنية.. وتتناقض مع  الفتق، كأنما الشرقي يسعى لرتق ما فتق..  نعم، في الامر أضداد تصب في نفس الاتجاه.. وبالتالي، قد يكون اللباس المفتق دعوة جنسية باطنية، لرتق ما فتق، ويسعى البشر للتعبير عنها كتعويض عن حرمان مكبوت، أو انفعال وإثارة.. 
    والجذر خاط  يبدأ بخياطة الدرع أي سردها، والدرع هي للدفاع والدرأ (لهجة من درع) ثمّ ينتقل الى خياطة البعير بالبعير، إذا قرن بينهما، أي ان الخياطة هي قران، وازدواج، وزواج، قبل أن يذكر القاموس ضم اجزاء الثوب الى بعضها بخيط، أما الذي خاط الليل والنهار ذاك الذي نشط فيهما ولم يخلد الى الراحة.. وكذلك فأن الحية اذا خاطت انسابت في الأرض بسرعة..  وكانما يجب أن لا تغيب الحية عن الموضوع، والحية معروفٌ رمزها في الميتولوجيا.. ونذكر أنه يمكن أن يستخدم هذا الجذر كما في خطّ يخطّ، أي كتب يكتب..

السبت، 26 مارس 2016

فصل اضافي عن البنطلون الممزق

البنطلون لباس محاك
-------------------
   بعد كل الرموز التي تجلّت في اللغة العربية ومنها، وأدّت الى التوصّل لمعلومات جمّة ومفيدة، صار بالإمكان التوغّل أكثر، في تفاصيل، الأردية والألبسة، علّنا نكشف المزيد مما غطس في العقل الجمعي البشري، دون دراية واعية بالأعماق الباطنة، التي تترصّد اللحظة المناسبة للخروج الى العلن بالتصرّفات العفوية.. مثل البنطلون أو اللباس الممزّق.. 
  من المعروف، ان اللباس على انواعه، هو مصنوع، حبكة محبوكة، نسيج منسوج، محيّك مُحاك، وفي الأصل ان الالبسة هي خيوط جرى حبكها أو نسجها.. الخ
  فماذا تقدّم الفيلولوجيا العربية لدى دراسة هذه الكلمات لكشف بواطن البشر، التي تتصرّف اجتماعيّـًا بغير وعيٍ منها، وتروح لارتداء الممزّق من الأردية!؟!

حبك
  لنبدأ بالمرجع القاموسي للجذر (حبك) كما يلي:
المرجع (تاج العروس) 
الحبكُ : الشَّدُّ والإِحْكامُ وِإجادَةُ العَمَلِ والنّسج وتَحْسِين أَثَرِ الصنعَةِ في الثَّوْبِ يُقال : حَبَكَه يَحْبِكُه ويَحْبُكُه من حَدّىْ ضَرَب ونَصَر حَبكاً : أَجادَ نَسجه وحسَّنَ أَثَرَ الصَّنْعَةِ فيهِ كاحْتَبكه : أَحْكَمه وأَحْسَنَ عَمَلَه فهو حَبِيكٌ ومَحْبوك ..
   بداية هو صناعة حسنة، والتمزيق هو تمزيق  لهذه الصناعة.
   وحبك الحبل فتله فتلًا شديدًا، وحبك الشيء شدّه وأحكمه، وعمل محبوك متقنّ، وحبك المؤامرة أحكم خطتها، حبك الثوب أجاد نسجه، حبك القصّة اتقن صياغتها، حبك الإمر أحسن تدبيره، حبكه بالسيف ضربه على وسطه..
  وهكذا نجد، ان تمزيق الثوب هو تمزيق للاعمال المتقنة، طبعًا هذا الأمر واضح منذ اللحظة الأولى، وهو تمزيق للقصة المحبوكة، وهذا الذي حصل فعلًا اذ راحت الاعمال القصصية تخرج عن المألوف وتمزّق التقليد، ولكن الأكثر دلالة هو تمزيق للمؤامرة وللخطة المحكمة المحبوكة.. وتلك العملية تصبّ حقّٓـًا في رغبة الأجيال الحالية المتمرّدة لاسقاط المؤامرات المحبوكة.. كأننا نجد ان العقل الباطن قد عبّر عن رغباته باستظهار عامل التمزيق في اللباس المحبك.. وما يقال عن الحبك بالسيف والضرب على الوسط جاء ليصبّ في خدمة اعتماد الأساليب العنفية لاسقاط المؤامرة.. بالإضافة الى أن تمزيق المحبوك هو فك الإرتباط.. لان الحبك ربط، وبالتالي نجد ان الشعوب تعبّر عن رغبتها بفصم ارتباطها باللباس السابق.. واللباس لبس، فهي تسعى لكشف اللبس الذي يقف حائلًا بينها وبين العالم..

حاك
  من حبك الى (حاك)، وقاموسنا الغني ماذا يقول:
  حاكَ في يَحُوك، حُكْ، حَوْكًا وحِياكةً، فهو حائك، والمفعول مَحُوك

• حاك الثَّوبَ ونحوَه: نَسجَه "حاك الصّوفَ".

• حاك الشَّاعرُ قصيدةً: نظَمها.
• حاك مؤامرةً ونحوَها: دبّرها وخطّط لها "كانت الدسائسُ تحاك حوله، حاك الخطّة ببراعة".
   اذًا نستطيع القول، ان التمزيق الساري المفعول، موجّه ضد الدسائس التي تحاك حول المرء، ولاسقاط الخطّة المحاكة ببراعة.. ونجد في ذلك التمرّد على مسار الأمور في هذا العصر.. وكذلك لنا في حياكة القصيدة نظمًا، كأنّما اللغة أدركت تلك العلاقة بين حياكة القصيدة والثوب، فعمل الجيل المعاصر على تمزيق الثوب المحاك والقصيدة المنظومة عن غير وعيٍ منه.. وخاصةً اذا حاك الشيء في الصدر ورسخ وصار  يجب استئصاله.. ولكن عندما نجد في الجذر معنى التشابه يعني أن التمزيق يسعى الى التمايز والتخلّص من المحاكاة.. والمشكلة المعترضة هو انتشار الزي المتشابه مما يسقط التمايز بين ابناء الجيل الواحد.. فكما يبدو ان التمايز غايته التخلّص من التقليد والنمطية وقصص محاكة (محكية) لعصر بكامله.. 
   ومن الناحية اللهجية يتواصل الجذر حاك مع (جاك) الذي يمكن أن نأخذ منه كلمة الجاكيت.. بالاضافة الى أن في الحكّ احتكاكًا واتصالًا.. وفيه حكيٌ، وقصّ مع ما يعني القصّ، من تمزيق.. 

نسج

  معنى نسج في لسان العرب النَّسْجُ ضَمُّ الشيء إِلى الشيء هذا هو الأَصلُ نَسَجه يَنْسِجُه نَسْجاً فانْتَسَجَ ونَسَجت الريحُ الترابَ تَنْسِجُه نَسْجاً سَحَبَتْ بعضَه إِلى بعض والريحُ تَنْسِج التراب إِذا نَسَجت المَوْرَ والجَوْلَ على رُسومها..
    وفي مختار الصحاح ن س ج : نَسَجَ الثوب من باب ضرب ونصر والصَّنْعة نِسَاجَةٌ بالكسر والموضع مَنْسَجٌ بوزن مذهب ومَنْسِج بوزن مجلِس و المِنْسَجُ بوزن المِنْبر الأداة التي يُمد عليها الثوب ليُنسج وفلان نَسِيجٌ وحده أي لا نظير له في عِلْم أو غيره وأصله في الثوب لأنه إذا كان رفيعا لم يُنسجْ على مِنواله غيره..
  ونختار من تاج العروس: من المجاز : نَسَجَ "الكَلامَ" . إِذا "لَخَّصَه " والشّاعرُ الشِّعْرَ : نَظَمَه، وحَاكَه الكَذّابُ الزُّورَ : "زَوّرَه" ولَفَّقَه ...
   من الواضح، ان الجذر الذي يُعنى بصناعة اللباس، قد يستخدم في صناعة الكذب والتلفيق والتزوير، من هنا نفهم السعي الدؤوب لتمزيق الزيف.. وتمزيق النظم (منه النظام والتنظيم).. 
  لا غرابة لان نسج يتواصل مع لهجة (نسق) لان ج=ق، والنسق نظم.. وعلى وتيرة واحدة، وتشابه..
   (اما الترادف مع "نصر" فله شأن هام بعيد عن موضوعنا)
   •• من هنا التعليق على المرادفات أعلاه.. ان الوعي الداخلي للانسان راح يعبّر بهذه الحركات برفض النسق المتبع في العالم، لان الزيَّ قد انتشر وسيطر عالميّـًا، وخاصة لدى الجيل الشاب على مختلف اعراقه، وخاصةً ما يتعلّق منه بحياكة المؤامرات وحبكها ونسجها مهما كان الكلام المنظوم لم يعد يخدع..
  ولكن الغريب، اننا نتعاطى مع واقع أميركيّ، وتبدو بوضوح أن العملية أميركية أميركية، وبالتالي فان الصراع يدور فيها وعليها.. مع كلّ ما يحتمله التاريخ من سيّئات نشرتها في العالم.. ولنا أن نقول أن في الأمر انسجامًا بين التحليل الوارد في القسم الأوّل والتحليل اللهجي للغة العربية، بامتياز مميّز.. بل، لنا ان نجزم اننا في عصر التفكيك والتركيب، وما البنطلون إلّا ظاهرة رمزية صغيرة ذات معنى عظيم..

الاثنين، 21 مارس 2016

القمر
-------
هناك في الشرق.. أحبّ أحدهم الليل.. ويقال أن الذين أحبّوا الليالي هم كثرّ.. ويبالغ البعض فيرى أن شعوبًا بكاملها كانت تعبد الليل.. فنظّموا له طقوسًا وتقى.. رسخت في عادات وتقاليد وفلسفات.. فكان منهم من يصحو طوال الليل.. كمن ينتظر لقاءً.. ومنهم من يقيم الرقصات.. لانّ الرقص رقيٌّ.. يشعلون النيران.. يصطلوها.. لانّ صلي النار صلاة.

حسبوا لكلّ ليلة حسابًا.. ولكلّ حالةٍ حالًا.. وأبرز الحالات متى يحول القمرُ.. أو يكتمل، أو يهلُّ، أو يختفي بخسوف فيمّحى فيدعوه بالمحاق.. أو يختفي خلف غيم.. ولكل غيم في تلك الليالي أسم.. والغيوم سحبٌ.. وفي السحب حبّ.. وفي السماء العالية سماك.. والسماك عالٍ.. فإذا تلألأ في ضوء القمر كني باسمٍ، وإذا تكثّف كُـني باسمٍ آخرَ.. وإذا اسودّ سُوّد اسمه..  وهكذا نسجوا لليالي فلسفاتٍ وأقدارًا..

 والنجوم! لا ننسينَّ النجومَ.. رغم صغرها، بل بعدها..كانت وما تزال تحمل هويةً.. وموضع رصد واعتبار.. فذاك أسدٌ، وذاك ثور، وذاك دبٌ أكبرُ، وذاك أصغرُ..

وكانت النجوم ولا تزال تحكي.. حكواتية.. مخبرات.. ومتوقعات.. منجّمات.. ولكلّ نجمةٍ منجّمٌ.. ولكلّ غيمةٍ توقّع وتوقيع.. ولكلّ ريحٍ نبؤةٍ.. هكذا الناس.

 أمّا القمر، حدّث ولا حرج.. يرعى البشر.. ولا نغفلنَّ "رع" راعيَ الكل بل رائيهم.. إلٓه يلد ويولد ويتوالد أبدًا..
 هو اللألأ واللؤلؤ.. هو النور والضوء
 هو الذي آل دائمًا وآل كلّ ليلةٍ..
 في تلك الليلةِ.. تناهى الى مسمعيّ.. وشوشاتٌ قادماتٌ من بابل الرافدية.. من الألفية السابعة الماضية.. كانت تدور بين صبيةٍ مراهقين.. محورها: 
 " انها ليليت الليلية المثيرة الجميلة زارتني ليلًا.. كما زارتك، انها السيدة السائدة الباقية عبر العصور.."
 ثم انقطع الارسال.. وغابا عن السمع..!!

مي. الماء. اسطورة الماء

مــٓيّ -١-
::::::::
في يقظةٍ من الزمان، حطّت نقطةٌ، جازت أجواز السماء، من الأعالي حتى الأرض، كانت الأرض جافّةً حارّةً، تبخرّت.. فصعدت مجدّدًا الى السماك، ومتى انخفضت صارت غيومًا، هطلت قطراتٌ، سقطت.. فسقتِ الجفافَ، نبتت الأعشابُ، والأعشاب وِسْبٌ.. استسقتْ، تبخّرت، وأمطرتْ، فكانت سيولٌ،  والسيول جارفةٌ، خطّت مسيرها بين الوديان.. صارت نهرًا عظيمًا اجتاز قاراتٍ، روى القرى، فوصل البحرَ، والبحر ماء، سُرّ سكّان الأكنان، فرحوا سقوا واستسقوا، روَوا وارتووا، وتناقلوا الرواية من ذاك الزمن.. النهرُ هبتهم، عطاءُ الطبيعة للأقوام، نالوا منحتهم، فسمَّوه نيلًا، فكان النيل نوالهم العظيم في الأرض، كان يمتدّ ويتّسع ويفيض كلّما اشتدّت الحاجةُ لنَيْل الماء وتناوله فيناولهم..

مـَــي -٢-
:::::::::::::
.. وصار النيل معبودًا، والمعبود ضخّ ماءً عظيمًا.. ولّدَ.. فكان الماءُ مولودًا، عامَ طائفًا على وجه النيل، فسمّيَ ما بين كلُّ عومةٍ وعومةٍ  عامًا، وسمّيَ الميّ مسيرًا.. وصار الماء والمسير  هو المسّ والموسى،  ففيه ميُّ المسِّ.. كرّموا الميّ، عالجوا فيها الممسوسَ والممسوسين، بل استعانوا بالماء لمسّ الآخرةِ.. فالّين عبر الفلك، ليتلمسوا عوالمَ نائيةً..

صادفت أمُّ الأمّةِ هذه الميّ في أحد الأيام، واليوم يمٌّ،والأمّ يمٌّ أيضًا، جمعته في وعاءٍ وآنيةٍ، والوعاء وعيٌ، والإناء أنس أنَى، كان قد حضر ودنا منها واليها، فحفظت الأواني  والأوعية، حتى فصل الجفاف، فتستعين بالعون يعينها، فسمّيَ الماءُ المعينُ عونًا وماعونًا، أنه المعون المعين، ومصدرُ الماء عينٌ، والعين تدمع ماءً..وسمّته أمّ الأمّةِ باسم الغيث، كلّما استغاثت ليغيث المحتاج، وكلّمًا كانت تصلّي كان الماء يكثر ويتكاثر..

مَــيٌّ -٣-
:::::::::::::
.. ومتى تكاثر الماء قالوا نه "الكوثر"، وهو "ك. ثر"، هو شبيه الثر، و هو كوة الثر، والثرّ  يثرثر، وكان يخر عند اقدام الأم، ويهدر، فيسمع خريره وثرثرته.. كان يتكلّم الى الأمة، يدعوها لملء الأوعية والآنية للملأ، فاستسقت وارتوت، وما تزال روايتها تروى وتقصّ وتنصّ..لان الثرثر الثرثار يروي الأرض، ويروي الحديث، والحديث جديد وبشرى ولادة، والولد حدثٌ، والأولاد أحداثٌ، جدد، جدّوا فاستجدّوا عائدين الى الدنيا، هكذا الكلمة "ابن وبنتٌ" والكلمة تنفث من فم، وكل نفثة نفسٌ.. ولأنَّ كلَّ مسّ لمسٌ.. فهو اتصالٌ، وكلُّ اتصالٍ وصال، وكلُّ وصالٍ خلّاقٌ.. فكانت الخليقةُ..

إنّها الماء، انه الماء، الميّ الحي، منه كلّ حيّ.. انه النيل النيّ النيء، انه النون.
انه نانا ذاتها، انه الني ني، انه نونو، الحدث الذي أنى ودنا ونبأ وأنبأ ونبت من نانا، من أنانا، من إناة، من عناة، أم اليم، ام الميّ، السيدة المقدّسة، سيدةُ النعنع..
فسلام أيّا النيل
فسلام يا قلب الميّ، يا (لب نون) يا لبنان.ا.
فسلام أيّها الفرات، انت الثرّ والثرات والثروات..
فسلام ايتها الميزوفوتاميا، فاتما الماء، فاطمة المي، المرضعة، مرضعة الشعوب..
( بمناسبة يوم المياه العالمي. في ٢٣ آذار) سنة ٢٠٠٩

الجمعة، 18 مارس 2016

فصل جديد من رمز البنطلون الممزق وفيلولوجيته

الوضع الرمزي للبنطلون الممزّق:    

      بعد عرض ومعرفة الأسباب الإجتماعية والتاريخية والاقتصادية، لا بد من ايراد الجانب الرمزي في عملية التمزيق، قبل اللجوء الى الجانب الفيلولوجي لكشف المزيد من العناصر المؤثّرة، في الثقافة الباطنية للبشر، ومدى تأثيرها ععلى العادات والتقليد وليس التقاليد..
   لا شك أن التمزيق هو عملية عنفية، تدل على حالة عصبية يلجأ اليها البشر للتخلّص من وضع مرفوض، يدعوه الى تغييره، وأكثر الحالات عصبيةً هي حالات التهييج وابرزها الجنسية، بل هي تعبير عن اعلان وكشف واقع نفسي يسعى الفرد الى ابرازه أمام الجمهور عسى أن يجد من يستجيب ويشارك في المعالجة أوالسير في التيار لتحقيق هدف يصبّ في الاتجاه ذاته..
   من هنا، يجب فهم العلاقة بين التمزيق واللباس.. ذلك لأنّ اللباس هولبسٌ والتباس.. واخفاء وستر.. للجوانب الجسدية، أو الجوانب النفسية.. 
   فمن الجهة الجسدية يلجأ الانسان الى اللباس لاخفاء عيب وتشويه وقباحة.. أو للتحصن لمواجهة التعديات على انواعها، وخاصة الجنسية منها.. ولكن، طالما كانت الملابس خاضعة لأحوال الطقس، فهي الوسيلة والأداة لمواجهة البرد في الأساس، وتجنب الرياح، والأمطار والغبار.. ومن جهة أخرى، ان الملابس قادرة على إظهار الحسنات واخفاء السيّئات، ففي كلّ الظروف، عمل البشر على أعتمادها وتلوينها، للتجميل وللعرض والاستعراض..لا بل يمكن اعتمادها لخداع الآخرين، أو استدراجهم لعلاقة غير متكافئة أو مرغوبة، وصولًا لاستعراض الغنى أو الثقافة أو الأخلاق المناسبة لأوضاع المجتمع، ومستوى تطلعاته..   
    ومن الناحية النفسية، فان اللباس محاولة لاظهار موقف نفسي أو اخفاء هذا الموقف.. اذ قد يتحوّل الستر باتجاه الاغراء أو الحشمة.. لانه ليس بالضرورة ان يكون الاغراء دائمًا بالتعرية.. لانها مشروطة بالتأثير على الناظر لحضّه وحثّه وحضنه،  أو لصدّه، وللحدّ من جموحه ودرء خطره.. 
  وبالتالي، فإنّ اللباس هو على النقيض من التعرية، فاذا كان للاخفاء والمخادعة والاستعراض، فذلك للعرض والكشف والاعلان والصراحة، فاحتلت التعرية مكانتها المناسبة في ثقافة الشعوب وفنونها باعتبارها تعبيرًا عن الحقيقة العارية، بغض النظر عن اللف والدوران الذي سارت فيه البشرية، عبر الأزمنة، لتغليف الحقائق بغلافات متعددة، حرصًا على التملك، كما تمتلك الأرض.. ولطالما كانت المرأة هي رمز الأرض وصارت تمتلك مثلها، كما في عصر الإقطاع..
   والجدير ذكره، ان اللوحات الفنية عبر الزمن قد عبّرت عن حقيقة الأمة برسومات للأنثى العارية، وشمل الأمر كل الفنون والآداب وصولًا الى المسرح، والاخراج السينمائيّ..
   من هنا علينا ان نفهم، أن تمزيق اللباس يرمز في جانب منه الى تمزيقٍ للستر والرغبة بإظهار الحقائق.. وتظهير المشاعر الباطنة، ونزع الحواجز بين البشر.. ودعوة لإزالة ما يحول دون التواصل والصلة بين الجنسين.. رغم  استمرار وجود البنطلون الممزّق بينهما..
   والجدير بالذكر، أن الجذر "لبس" من الناحية اللهجية، يؤدّي الى الاسم المشتقّ "ملبوس" كأنما الجسد هو ملبوس من قبل اللابس، ان كان جنيّـًا ام عفريتًا ام روحًا ام وسواسًا خنّاسًا، الأمر الذي يكشف جانبًا ميتولوجيًا تجلّى عندنا في اللغة العربية.. ولكن اذا اردنا تناول الموضوع بلغة علمية، فان الشخص الملبوس يتحرّك تحت تأثير رغبات باطنية بسيكولوجية، كان البشرعبر التاريخ يحاولون تجنبها، بايجاد سيناريوهات لمنعها او لتضليلها أو ترميزها، وفق التقاليد العامة ومستوى التطورالاجتماعي والديني.

   الفيلولوجيا والتمزيق
  والسؤال الذي يراود المرء، هل تستطيع الفيلولوجيا العربية  ان تقدم بعض المفاهيم المناسبة للأمر؟ فلنحاول..
  الجذر الثلاثي "مزق" يتضمن معنى خرق وشقّ، ليس للباس فحسب، بل قد يعتمد في العملية الجنسيّة.. لذلك نجد في قاموس المعاني تعبير (مزق عرضه) يعني شتمه واغتابه، وطعن فيه.. فالتعبير هوإشارةعنفية واضحة.. ولا نغفلنَ الكلام القاسي الذي يلجأ اليه الذكور، عند الحديث عن نجاحهم في العملية الجنسية (مزقها تمزيقًا)..
   ولا يغيب عن البال ان الحزن يمزّق القلوب بتعبير مجازي لدى الشعراء، أي أصابه الأسى العميق.. من هنا نفهم أن هؤلاء الذين لجأوا الى التمزيق قد أعلنوا عن حالتهم المأسوية وأحزانهم، وقد يلجأ المنتصر لاعلان تمزيق قوات العدوأو الطغاة للتعبير عن تشتيتهم وتفريقهم في البلاد، وبالمقابل يعلن المرء عن تمزيق المُلْك للإشارة الى إزالة أثرالمملكة العدوّة.. وما تمزيق البنطلون إلّا محاولة لإبداء الاستعداد والتمهيد لإلغائه وإزالة وجوده.. وربّما هوتعبير عن  تمزّق الذات، والاشارة هنا الى النفسية الممزّقة والمحطّمة، أو الحزينة، لانه قد يلجأ المفجوع  بشكل عفوي الى تمزيق ثيابه عند الحزن الشديد والمفاجئ، والى تخريب تسريحة الشعرأو حتى نتفه..
   وفي حالات الوفاة والفاجعة، وتقديم واجب العزاء،  تعبّر النساء  وحتى الرجال أيضًا، عن حالاتهم النفسية البائسة بارتداء اللباس الأسود.. أو تجنّب الألبسة ذات الألوان الفاقعة.. وبالعكس يحتل اللون الأبيض أجساد العرسان في الأعراس والمناسبات السعيدة.. وذلك له شأن آخر في الأبحاث الفيلولوجية..         

   لهجات  الجذر "مزّق" المناسبة
   يبرز قاموس المعاني أوّل مرادف ثلاثي "مزع"، والتعبير الشعبي "مزع حنكه" يعني مزّق حنكه.. كمن يمزّق حنك حيوان مفترس.. وذلك الكلام يناسب الذكور في صراعاتهم  وابراز بطولاتهم.. ويخشى من ان تكون خروق البنطلون دعوة باطنية لتشجيع الذكور أو الآخرين عمومًا لمزع الجسد.. ونزع طبيعته وتغيير طبعه وطباعه.. ونذكر في هذا الصدد التحوّل من الطبيعة العذرية الى الزوجية، سيما وان فض البكارة توحي بتمزيق الغشاء، ومزع البكارة، مع ما يرافقه من نزيف يوحي بنزاع ومعركة.. لا نزال نعتمد  الكلمة (نزع) للاشارة الى اقتلاع الشيء وجذبه من موضعه وازالته (حسب القاموس) بل عمومًا للتخريب وخاصة الألبسة.. والمنزوع، في العامية، هو الذي فسدت أخلاقه.. لعل نزع البنطلون يهدف الى الاعلان عن فساد اخلاق لابسه.. أو الايحاء.. أو تعويض اخلاقي عن رغبات مكبوتة.. علمًا ان "النزال" هو حقّـًا معركة.. والطريف أنه يتألّف من (نز+ زل)، فهو انزال واذلال.. وهذا ما نجده في التاريخ.. فعملية نزع الشيء من الآخرين هوسلبهم.. بل ان النزع الى الشيء هو شوق اليه.. فالبنطلون المنزوع بسبب معركة أي نزاع.. بل هو في نفس الوقت يدل على الشوق.. والحنين للرجوع أو العودة الى (الى الوطن مثلًا).. وكما كل عمليات التخريب التي تنسب الى قوى شريرة فان العربية ترى ان النازع هو الشيطان.. فهل لابس البنطلون الممزّق والمنزوع يعلن عن شيطنته؟ نعم، أليس اللابسُ ملبوسًا؟! هنا تواصل بين هذا الامر وبين الموت، لان بعض النزع وصول الى موتٌ..
  لعلّ في الامر (نزقًا)، فالنزق هولهجة قريبة من مزق، فبعد كل ما سبق ايراده قد وثقته اللغة العربية بامتياز.. والذكاء البشري يعرف كيف يرمّز بظواهر الأمور.. لان النزق خفةٌ وطيش في كل أمرٍ، وعجلة في جهل وحمق، وحدّة طبع وسرعة غضب، وايحاء بالخفة والوثب والتقدّم بالسير   كالأولاد وكالفرس، وكذلك كمن وصلت حالته حتى الفوّهة عندما يمتليء الإناء.. وغالبًا ما يعتمد هذا التعبير للإشارة الى الغضب الشديد..
    وفي ظاهر الامور، إنّ البنطلون الممزّق هو كلّ ما تقدّم من معانٍ في اللغة العربية، بامتياز، رغم أن الاختراع (الاختراق والخرقة) هو اميركي  تاريخيـّـًا واقتصاديـًا واجتماعيـًّا..

  الميثولوجيا وايجابيات الممزّق
  الالتزام بالجذر الثلاثي لكلمة (مزق) كما هو، لا يفيدنا، وهو أمرٌ من غير منهجيّتنا دائمًا.. لذلك نعتمد اللهجة المناسبة (مزك ومسك) وهي (الموسيقى) وهي فنٌّ من الفنون الراقية جدًّا، ولغة عالمية، تقدّرها كل الشعوب عمومًا، وهي ليست غريبة عن اللغة العربية، ربما انها ذات جذور عربية أصيلة، لانّ الجذر الثنائي (مسّ) والمسُّ هو اتصال بالآخرين، وخاصةً بالجنس الآخر، وطالما كان هذا الشأن أمرًا مقدّسًا،وميتولوجيّـًا، وكذلك هو مسّ أرواح الجدود، أو أرواح الموتى، أو المعبودات، أو الجان (جني ملاك أو جن شرير) وليست صدفة أن يكون المس والممسوس مرادفين للبس والملبوس..  والمسك من مسك يمسك، وهو أحد أفعال الاتصال، ولا نغفلنَّ أن الفنون جنون، سيما وان الموسيقى أحد أساليب الاتصال الباطني اسوة بالطرب والأصوات الايقاعية.. وطالما اعتمدت أدوات  الايقاع كالطبل والدفوف في معظم حضارات العالم القديم لغاية الوصول الى حالات الاتصال الميثولوجي..  مع العلم أن كلمة الميثولوجيا تتضمّن معنى المس والمتّ والاتصال كأحد الأسـس الدينية عبر التاريخ..
  من هنا من حقنا أن ننسب الكلمة الى جذورها العربية أو المشرقية عمومًا، انها المزّيكا.. اذن نهنّيء هؤلاءالذين ارتدوا البنطلون الممزّق الذي يسهّل الاتصال بالآخرين، ويسهّل المسّ، كأنّه دعوة للاتصال، لأنّه كالموسيقى، كالفنّ.. بل انه تماسك وركوز، في معانيه الأخرى..
   ماذا في الجذر الثنائي (مزّ+ق)؟  رغم كون علاقته بالطعم "المزّ" بين الحلو والحامض..يعني ان التمزيق هو حالة وسط بين الحالتين.. إلّا أن "المِزّ" هو الفضل أوالفاضل ~في القاموس~ ، ويبدو انه بسبب الجذر (مزّى) الذي يفيد التفضيل والتقريظ.. بل مما يناسب أكثرهو الجذر (ماز) لأنه يفيد التمييز، وحقّـًا ان الممزّق هو مميّز والتمزيق تمييز.. ولكن برأينا لو بقي محدودًا بعدد قليل ولم يتحوّل الى زيٍّ منتشر دارج لدى الجميع مما يفقده تميّزه.. ومن المعروف أن المزّ هوتعبير مائيّ له علاقة بمصّ الماء فالإرتواء.. وارتشاف الشراب (ويعتمد التعبير للكحول عادةً).. والامر المزّ هو أمر صعب، فكم من الصعوبات التي قد تواجه المرء لو حاول الوصول الى ممزًقي وممزّقات الثياب؟؟ حتى هذا الأمر لم تغفله اللغة!!
   إمّا اذا اعتبرنا أن في الأمر "رقيةً شافيةً"، فلأن التعبير العربي (ماز الأذى عن الطريق) يعني أزاله ونحّاه.. فهل ذلك في أذهان مرتدي اللباس الممزّق يا ترى.. كما في الرقعة والترقيع؟؟
  

الخميس، 10 مارس 2016

مقالي بمناسبة فوز لين الحايك نشر في جريدة اللواء

احببنا (لين) كليونة الماء الحي، والشفافية المتموّجة، التي طالما عزفت ألحان الفصول، على أوتار صخور  شطآن التاريخ العريق، الذي رماه الزمان في جعبة النسيان..
   لم تُقبل لين من سواحل الميناء الطرابلسي الذي اوّل من وزّع الحضارة في العالم القديم.. وليس من الجبل الطرابلسي الشامخ في العلالي يخاطب الزمان والمكان.. وليس من جنوب الفتى  "غدي" الذي خاطب العالم بلغته وبصوته الرنّان، وليس من الشمال الحزين خازن كل الشمائل.. 
   لم تُقبل "لين" بصباغها الشمسي من لبنان المسكين على حد السكين.. ولا من شرق المتوسط الذي توسّط حضارات القارات.. 
   لقد أقبلت لين من زمانٍ وليس من مكان.. من زمنٍ سقطت فيه العاطفة والمقدّسات، وحللت المحرمات، في زمنٍ يتوالى فيه القتل، والفساد والهبوط نحو منحدرات الغش والزيف، واشتدت المنازعات لحد اختنقت فيها الاصوات..
   في زمانٍ علا فيه أزيز الرصاص.. واخترق صراخ الصواريخ جدار السكون الأزرق، و حلقت طائرات دول في فضاء دول.. في زمن تألّمت فيه الطفولة والانوثة والرجولة من عصف شديد التمزّق ودوّامات عنيفة الأعصار..
   اتت "لين" بليونتها الغضة، مع  خدَّي زين عبيد الشامي المتوردتين بحنجرة صباح وأوتار الفخري، أتت مع أمير العاموري عاشق الأمل الشرقي العريق، مع غنى حمدان الطامحة لحماية الطفولة، مع ميرنا حنا الرقيقة جدًا والصارخة في وجه المعتدي على العراق العريق تنادي ليلى المريضة.. جاءت تستظلّ لواء الفلسطينية ميرنا عيّاض، مع جويرية المصرية.. هي "لين" الصوت التونسي من المشرق العربي الى المغرب العربي..
    هم جميعًا مداميك اهرامنا الناطحة السحاب، الصارخة في وجوه التخلف والتردّي، يقولون "نحن الشباب.. ولنا الغدُ"..
     هي الابنة التي دلّلتها أزقة حي سلوى القطريب،  و زقاق الطاحون حيث قطنت نور الهدى قبلها.. هي المصغية بشغف لآل بندلي من طفولتهم الى شبابهم والى كلّ ابداعاتهم.. هي الوريثة الشرعية لسفارة الغد، هي عروس البحر، عروس من ذلك "الميناء الطرابلسي"  الى الوطن، والى الاقليم، الى العالم.. عسى أن يدرك العالم أن صوت السلام يجب أن يعلو على صوت السلاح،  وأن يعلو صوت الحب على صليل الحرب..
    نعم، نريد حفيدة للجدّة فيروز، نريد وريثة للشحرورة صباح.. نريد بدائل لكبارنا ، بعدما حلّق الكبار بعيدًا.. 
   فلنحصّن أجيالنا ما استطعنا، لنحصّن "لين".. علّ الليونة تخنق الخشونة.. فيكفينا ما أصابنا من صلابة الدهر..
   فالى الأمام يا عروس البحر يا حلم الليالي.. الى الأمام يا سفيرة الغد المشرق.. 
   نعم، نريد أن نغني للفرح والسلام والأمان والتطور،                   والعلم والثقافة، نريد ان نذرف الدموع سخية  فرحًا وسعادة على أطفال أتقنوا الغناء والفن والرقي.. لنمنع زمان الآباء المؤلم أن يتكرّر مع  جيل آخر.. 
   نعم نريد أن تتقنوا لعبة النجاح من أجل هؤلاء الذين غنيتم لهم الى جانب  "كاظم" المحاط بلين اللبنانية وميرنا العراقية الرقيقة.. وسائر الاصوات الخارقة التي هتفت معكم:
  " الملايين تلوك الصخرَ خبزًا.. على جسر الجراح مشت وتمشي.. تلبس عزّها وتموت عزًا.. تذكّر قبل ان تغفو على أي وسادة.. أينام الليل من ذبحوا بلاده؟ أنا إن متُّ عزيزًا انما موتي ولاده.. قلبي على جرح الملائكة النوارس.. باست جبينهم  المآذن والكنائس.. كتبوا لهم هذا النداء.. وطني جريح خلف قضبان الحصار.. في كلّ يوم يسقط العشرات من أطفالنا.. الى متى هذا الدمار؟؟ جفت ضمائركم، ما هزّكم هذا النداء.. هذا النداء رقّت له حتى ملائكة السماء.. وما جفٌت دموع الأبرياء."
   يا رسل الغد.. يا أطفال بلادي.. فزتم جميعًا، وبنيتم هرمًا عظيمًا، بعد ذلك لا يهم من يقف في المقدّمة أو في الميمنة أو الميسرة.. أنتم سيروا الى الأمام، أما نحن فصرنا خلفكم..
           
              سعد ديب ٨ آذار