الأحد، 18 ديسمبر 2016

البيغ بنغ

الاسهم النارية والبيغ بنغ
---------------------
  في الليل كانت الأرض تحتفل، وعام يفلّ...
  وكان الكون يطوي زمنًا كوانتوميّـًا مستذكرًا لحظةً من لحظات البدء حيث انفجر انفجارًا عظيمًا فكان ..
  في الليل.. كنا نمتّع العيون برؤية الأسهم النارية.. كلّنا دون استثناء، الكبار قبل الصغار.. لأنّهم أكثر حرصًا على حسن سير المشهد.. وربما لأنهم صاروا أكثر رسوخًا في الرموز.. ربما لأنهم استزادوا وتزوّدوا انسانية.. بل ربما وعَـوا ما لدى الصغار من ترميز.. كمن يتعامل مع الجينات الأشدّ رسوخًا بشريّـًا..
  والقضية قضاء وقدر.. شئنا أم أبينا..
  والمسألة.. بين الإنفصال والإتصال.. بعيدة عن أي ترابط بعلوم البيئة.. إذ ان الأسهم النارية ليست معنية بحاستَي الشم والسمع، اللتين يجب العناية بعدم التعدّي عليهما،  بل هي معنية بالمشهد المنظور الممتع المؤتلف من ملايين الألوان الفوتونية.. التي تسرّ الذاكرة الجينية العميقة للانسان الأرضي..
    فالأسهم في لغتنا العربية نيازك نيازك شهبٌ شهبٌ..
    والنار.. أنوار وأضواء.. وكل نور وليد انفجار..
    أليس الفجر إنفجارًا؟
    ألا تنفجر المياه من المنابع؟
    أليست الولادة إنفجارًا عاطفيّـًا؟
    ألسنا نرى في تشظّي الأنوار ولادةً جديدةً؟
    ألسنا نرى في انتشار الأسهم النيزكية جنينًا ينمو؟
    ألا نرى فيها زمنًا يتنامى ويتقدّم ويتقادم؟
    بل إن الأسهم مساهمة ومشاركة في عملية الخلق..
    بل هي ذكرى فطرت فيها كلتا السماء والأرض..
    بل هي ذِكرى أنفجار عظيم.. 
    بل انها ذكرى البيغ بانغ..
    ذكرى قرّر فيها الكون مجدّدًا أن يكون..
    فكان الكائنُ وكان الكونُ..
    وانفجر عند ذلك الزمن..
    فتراكمت السنونَ.. فصار للسنة رأسٌ..
    ففي الأعراس نفجّر الأنوار..
    وفي الولادة نفجّر الأضواء..
    في العماد نفجّر المياه والأنوار..
    في الختان.. في الأنتصار.. في التحرير.. في كلّ الأفراح..
    ففي الأنوار حياة جديدة..
    لأنّه عندما وجدت العيون والآذان صار الكون يسمع ويرى..

الجمعة، 2 ديسمبر 2016

البربارة. الفيلولوجيا تكشف السرّ

"البربارة" حدث فيلولوجيّ بامتياز
    *********************************
   عيد البربارة أو عيد القديسة "بربارة" أو عيد الشهيدة بربارة هو عيد مسيحيّ يُحتفل فيه بشكل خاص بين المسيحيّين العرب في لبنان، سوريا، فلسطين والأردن. يحتفل به المسيحيّون الغربيّون يوم 4 ديسمبر، والشرقيّون في السابع عشر منه.
    يحتفلون بالعيد مساء يومَي 3-4 كانون الأوّل من كل سنة بتقاليد خاصة. إذ يخرج الأطفال والشباب مساءً في أزياء تنكريّة ويطوفون على بيوت الجيران والأقارب والأصدقاء ويعايدونهم، فيتمّ إعطاؤهم بعض الحلويات اي ما يشبه (العيديّة). ويرافق احتفالات البربارة أغان وأناشيدُ، حيث يخرج الناس إلى ساحات القرى وينشدون الأناشيد الدينيّة والأهازيج.
   وفي يوم العيد يتمّ سلقُ القمح والذرة التي يتم تقديمها مع السكّر والرمّان أو إضافات من حلوى أخرى ...
 و يعرف باسم "البربارة" طبق تقليديّ لهذا اليوم يقدم كنوع من تحلية،  وليس كطعام.
  يُقال انَّها اعتنقت المسيحيّة وغضب أبوها وهمّ بذبحها ولكن هربت من النافذة واختبأت في حقول القمح؛ ويبدو احتفال التنكّر الذي يمارس في العيد ترميزًا للتخفّي عن الأعين. 
  وتقول المصادر انَّها من مواليد بعلبك في القرن الثالث الميلادي ابنة ديوسقوروس وثنيّ متعصّب وغنيّ.. نصحوها بمراسلة المعلم أوريجانس أستاذ مدرسة الإسكندريّة الكبير.. كتبت بربارة إلى أوريجانس بما يدور في رأسها من أفكار دينيّة فلسفيّة وطلبت إليه أن يتنازل ليكون معلمًا لهاّ، فابتهج بذلك وأجابها على رسالتها، موضّحًا حقائق الإيمان المسيحيّ وأرسل لها كتابًا بيد تلميذه فالنتيانس، ولما قرأت رسالته امتلأت من الروح القدس، وأدخلت فالنتيانس الى قصرها ليكون أحد أساتذتها فلقّنها أصول الإيمان المسيحي.  
   آمنت وتعمّدت وتأملت وصلّت وحطّمت التماثيل، واحتشمت وسجنت في برج وهربت من أبيها الظالم، وطلب مساعدة الوالي مركيانوس اعتقلت وعذّبت وقُطع ثدياها إلى أنْ قطع الأبُ رأسَها بيديه ٢٣٥م، فحدثت معجزات، اما هو فعوقب حرقًا بصاعقة...
   موقع سانت تقلا  الرقميّ يقول: وُلدت في قرية جاميس التابعة لمدينة ليئوبوليس بنيقوميديا، في أوائل القرن الثالث في عهد الملك مكسيمانوس الذي تولّى الملكَ سنة 236م. تختلف المصادر في تحديد هويتها، فمن قائل انَّها وُلدت في نيقوديميا (في آسيا الصغرى) الى قائل انَّها وُلدت في لبنان، في مدينة بعلبك، الى قائل انَّها ولدت في فلسطين، وحتى في مصر(حسب الأقباط).

الفيلولوجيا تكشف سر "بربارة":
******************************         
    ما الحدث الحقيقيّ الملازم  لمناسبة  "البربارة"؟
   ضاع الرواة في تأكيد مكان ولادة بربارة رغم أن الحدث لم يتغيّر عبر الزمن، من بعلبك إلى جاميس الى نيقوديميا الى لبنان إلى فلسطين إلى مصر القبطيّة، فكيف حفظ الرواة الحدث؟ ولم يحفظوا المكان؟
   ثم تكرّر وجود القمح كحدث محوريّ لدى الرواة دون مبرّر ...
   ثم التعذيب وخاصة قطع الثديين، الأمر الذي  تكرّر مع القديسة "أغاثا" بعد قليل من السنين أي في ٢٥١ حتى سمّيت شفيعة الأثداء، وانتشرت اللوحات التي تتناولها، وكأنَّ السيناريو لازم للراوي (أو هو تعبيرعن حالة عنفيّة بسيكولوجيّة).
   لذلك ندرس الاحتمالات الفيلولوجيّة لعلّها تكشف السرّ باختصار شديد:
   أولاً: الاسم يتألّف من الجذر "بر"  و"بار".
   ومن السهولة الإشارة الى أن "البرّ" وهو القمح...
   مما يفسّر وجوده المحوريّ وسط الحدث...
  لذلك يتناول المحتفلون في هذه المناسبة القمح المسلوق المزيّن بالسكاكر والمكسرات والألوان لزيادة عامل التغذيّة.
  والبرّ، هو البريّة والفلاة  المزروعة بالبرس.
  ونكتشف أنَّ البربارة هي شفيعة بلدة "برسا" المجاورة لطرابلس لبنان،  دون أن يدريَ أبناءُ البلدة ان القضيّة فيلولوجيّة فالاسمان من الجذراللغويّ (بر).
  وكذلك فإنَّ "البرَّ" هو الابن.
  والبارُّ، هوالابن الوفيّ... وهو الباريء الشافي والبريء من التهم.
  إذًا،  هو عيدُ البرّ أي القمح،  والحنطة، والخير والرزق والخصب.
  إذًا، هو عيد "الابن البار" الوفيّ والباريء والبريء.
  إذًا، هو عيد يتطابق مع ولادة الابن البارّ الذي أبرأ المرضى والبريء من التهم... لعلّه المسيح نفسه.
  أمّا لماذا ذكر المناطق المذكورة أعلاه؟؟ نرجّح  أنَّها غنيّة بحقول القمح...
  وهنا نلفت الى أن "براباس" الذي هُتف باسمه لدى محاكمة المسيح ما هو إلاّ المسيح نفسه (لأنَّه هو البر + راب + س)  أي "ابن الربّ الآب" الأمر الذي لا يدركُه القاضي الرومانيّ، ولن يكتشف اللعبة اليهوديّة في المحاكمة...
  هذا باختصار لأنَّ الموضوع طويل..!

الثلاثاء، 22 نوفمبر 2016

بين القلم والورقة
--------------
   عاشقان.. منذ وجدا.. ما استطاعا ان يفترقا.. عندما كان القلم وحيدًا طمر رأسه بالطين.. فرأسه عاجزٌ عن العيش دون أن يعمل.. البطالة عدوّته.. بقي هكذا مقطوعًا من شجرة.. الى أن وجدها.. بردية.. برّدت حرارته.. امتصّت هياجه.. تلاصقا عشقًا أبديّـًا.. وترافقا وتزاوجا.. والزواج جوازٌ..  والحبّ مبدع.. ولاّدٌ.. ولا يحول بينهما حائلٌ..  ووثاق الحبّ لا ينفصم..  
   ولان غريزة البقاء راسخة في الكائنات.. عبّرت عن نفسها وتجلّت بالولادة.. تناسلت لأجيالٍ وأجيالٍ .. خلقت واصطَفَت..  وورّثت  خير صفاتها.. هكذا الحب.. تراكم الجمال، تراكم الحسن، تراكم العلم، تراكم الفهم.. وأجيال تجمّلت وأخرى تعلّمت.. ولفظت الدنيا عنها الغريب وأورثت السليم وتحسّن النسلُ.. قفزت أجيال الأقلام والأوراق قفزات نوعية نحو التطوّر.. 
   عمّرا طويلًا وعمّرا حضاراتٍ  ورفعت عمدًا وجداراتٍ.. حمت شعوبًا ودُمّرت أخرى.. وهما أحباب متزاوجان لا يفترقان بينهما حبّ ومداد وحبرٌ خلّاقٌ  متنوّع  الالوان ..
   أيّ إبداعٍ هذا!
   ذاك الإبداع الذي لم يتوقّف.. أراحهما.. والمواليد يريحون الأهل في آخرتهم.. 
   وها هو الزمن الذي حلّ اليوم ليمهّد الراحةَ للعاشقين ، الأبديين المتقدّمين بالعمر وباتا أحوج الكائنات لان يركنا الى مخدعما.. ولأوّل مرّةٍ سيعودان الى مخدعهما دون أن ينسجا حروبًا جديدةً.. أو سلامًا جديدًا.. فقد إطمأناعلى انتشار العلم الذي أسّساه معًا.. وصار بين أيدي التاريخ أجيال مدركة واعية.. فلتتحمل مسؤليتها كاملة.. وإذا أخفقت أحيانًا فقد أورثاها إرثًا عظيمًا فليعودا الى مراجعته..
   وبعد عمرٍ طويلٍ  ستجدون عند أحد الأضرحة شاهدًا صخريّـًا يشهد على تاريخ مديد لن ينكره أحدٌ مهما تقدم الزمن..
   قفوا أمامه وترحمّوا على دورٍ عظيم انجزاه.. واحرصوا على ميراثٍ باهظٍ ولا تضيعوه.. ففي أيديكم اليوم وغدًا مُكاتِبٌ دافيءٌ  وحافظة متنوّعة الاشكال والخدمات.. فما عليكم إلاّ أن  تعيشوا سلامًا.. هذه وصيّةُ الإقلام والورق وسيل من مداد ملوّن حبّر حقباتٍ مديدةً من السنين!!
   
بقلمي٢٠١٤

النور المتسلل

...هناك، كان النور يغفو في كوخ صغير؛ كان يتمتّع بالراحة المديدة، كل شيءٍ مغلق، يحجب عنه العالم، كلّ العالم  الخارجي،  كان يحلم، يحلّق في فضاءٍ فسيحٍ عميقٍ عميمٍ، كان يحلم بطيورٍ مجنّحة في زرقة سماء، تحت بياض غيومٍ، تسبح على ريش ريحٍ رطبٍ.. هاهو من روؤس أمواج الى قمم جبال، يندّي الزهورَ وأفناناً غضّـةً، وبراعمَ وأوراقًا..
   كان النور يحلم.. والأحلام جميلة، ترفرف.. تعلو الحجر والبشر والحيوان والغاب.. يحلم بنسيم.. يقفز من عطر زهرة فواحٍ الى أنف صبية.. النور يرغب، النور يحبّ، النور يشمّ..

   عندما تفتّحت أكمام زهرةٍ عن وريقاتٍ حمراءَ قانيةٍ..
   عندما هبّ بعض النسيم يحملُ  عطرَها،  ويحرّك بعض منافذ الكوخ،  وما أن قدر النور أن يتثاءب، راح يطلّ برأسه عبر شقوق وثغور على الحقول والبساتين.. منتشرًا بسرعةٍ هائلةٍ.. يلوّن كلّ شيءٍ بألوانٍ بديعةٍ ملائمةٍ.. لوّن  رقيق أوراق الشجر بالأخضر.. لوّن الغصونَ.. لوّن الجذوع.. لوّن التربةَ.. وحلٌق يلوّن السماءَ بالأزرق.. فنانٌ أفلت من عقاله يختار لعناصر العالم ما تستحق من مشاهد وتعابير..

   ...فيما كان أخونا النور.. يشتم العطور..  والريحان.. والعبق.. كانت فرشاته تتراقص مع حفيفٍ  مع خريرٍ مع زقزقةٍ  مع رفرفةٍ مع تنهيدةٍ .. مزج لتلك الزهرة خيارًا جاذبًا.. بعض الأحمر.. بعض الأخضر.. مع بعض الطل.. وندّى خدودَ شذاها بالليلكي الليليّ المتلأليء حالمـًا كما النجوم الغافلة.. في ليل الأحلام..
   ..وهكذا همّ ينشرُ الفجرَ.. فجر الأنوار.. تسلّل عبر زجاج تلك النافذة، عبر ستائر مخرّمة..  وحطّ على خدين..
   ..الخداّن والوجنتان.. كلاهما مباركان.. بالأبيض بالقرمزيّ..  واستغرق زمنًا يخطّ  ويضيف ويصبغ ما شاء له تلك الشفتين.. والنور يكحّل كما ينير!.. فتسلق الى الجفنين يكحّلهما بسوادٍ حالكٍ.. وذاك الشعرُ.. فيه من النور ما يكفي.. بل فيه من النسيم ما يرفّ ويفرح..

   حدّق النور بها.. فتية.. صبية.. هنية.. أيقظها حلم الصباح.. وانتصبت تتحقّق من ذاتها.. وذواتنا في المرايا.. ومرآتها الى جانب نافذة.. وحطّ  طائر النور على ثوب النوم.. ملاصق.. تقاسيم.. تضاريس.. صناعة الأنوثة إيّاها..
  النور متسلّل.. عبر الثنايا.. من خروم الأبر.. خارقٌ للنسيج.. حتّى كاد يظهر.. جسد غضّ يطلّ من الشفافية .. من الحياكة..
   أدركنا.. النور يتنشّق.. والجيد معّطر ناعمّ.. والجيد حريريّ..  والفتيات اناث مراهقات.. والمراهقات جاذبات نور الذكورة.. والنور كما يبدو ذكر ذكر.. وهنّ يحببنه، يرغبنه، يردْنه!

الأحد، 20 نوفمبر 2016

بين القمر والقمار

ما العلاقة بين القمر والقمار؟  
لطالما تساءلنا عن تلك العلاقة اللهجية في لغتنا العربيّة؟ سيما وان لغتنا تمجّ المقامر بكلّ أشكالها، منذ عهود المقامرة على ثياب المسيح المصلوب، مما يعني ان هناك سببًا لا تستطيع كشفه إلّا الفيلولوجيا، بالذات المشرقيّة، بالاضافة الى التراث الميتولوجي والحضاري!!
   من المعروف أن للقمر علاقةً وثيقة بالشهر...
   من المعروف أن القمر كان موضع تكريم، فهو النور اللطيف في الشرق بالمقارنة مع أشعة الشمس الحارقة...
     من المعروف، أنَّ الشهر سمّي شهرًا من الجذر "شهر" يشهر، أي أعلن يعلن، ولا يمكن إعلان الشهر إلّا من كان ذا قدرة ونفوذ، كالملك والكهنوت.... 
   وكان العامّة يراهنون على ظهور القمر، كلٌّ منهم حسب حساباته الخاصة ورؤيته، وتنجيمه (من نجم)، وكان لهذا الأمر، علاقة اجتماعية واقتصادية.. إذ يكون لصاحب الدين علاقة باسترداد دينه في أقرب وقت، والمديون له علاقة بتأخير الدفع.. وكلُّ ذلك مرتبط بمزاج الملك والكاهن المكلّف برصد ظهور الهلال المنتظر...
   والعامّة من جهتهم، قد يراهنون على ظهور القمر واعلان الشهر، مما يسبّب ربحًا أو خسارةً..
  من هنا حفظت اللغة العربية المضمون المنقول عبر ألفيات وأزمنة طويلة.. منذ بابل العظيمة.

الاثنين، 5 سبتمبر 2016

القلم والورقة

بين القلم والورقة
--------------
   عاشقان، منذ وجدا، ما استطاعا ان يفترقا، عندما كان القلم وحيدًا طمر رأسه بالطين، فرأسه عاجزٌ عن العيش دون أن يعمل، البطالة عدوّته، بقي هكذا مقطوعًا من شجرة، الى أن وجدها، بردية، برّدت حرارته، امتصّت هياجه، تلاصقا عشقًا أبديّـًا، وترافقا وتزاوجا، والزواج جوازٌ،  والحبّ مبدع، ولاّدٌ، ولا يحول بينهما حائلٌ،  ووثاق الحبّ لا ينفصم.  
   ولان غريزة البقاء راسخة في الكائنات، عبّرت عن نفسها وتجلّت بالولادة، تناسلت لأجيالٍ وأجيالٍ، خلقت واصطَفَت، وورّثت  خير صفاتها، هكذا الحب؛ فتراكم الجمال، تراكم الحسن، تراكم العلم، تراكم الفهم، وأجيال تجمّلت وأخرى تعلّمت، ولفظت الدنيا عنها الغريب وأورثت السليم وتحسّن النسلُ، قفزت أجيال الأقلام والأوراق قفزات نوعيّة نحو التطوّر. 
    عمرا طويلًا وعمّرا حضاراتٍ رفعت عمدًا وجداراتٍ،  حمت شعوبًا ودُمّرت أخرى، وهما حبيبان متزاوجان لا يفترقان، بينهما حبّ ومداد وحبرٌ خلّاقٌ  متنوّع  الالوان.
   أيّ إبداعٍ هذا!
   ذاك الإبداع الذي لم يتوقّف، أراحهما، والمواليد يريحون الأهل في آخرتهم. 
   وها هو الزمن الذي حلّ اليوم ليمهّد الراحةَ للعاشقين الأبديَّين المتقدّمين بالعمر وباتا أحوج الكائنات لان يركنا الى مخدعما، ولأوّل مرّةٍ سيعودان الى مخدعهما دون أن ينسجا حروبًا جديدةً، أو سلامًا جديدًا؛  فقد إطمأنّاعلى انتشار العلم الذي أسّساه معًا، وصار بين أيدي التاريخ أجيالٌ مدركةٌ واعيةٌ، فلتتحمل مسؤليتها كاملة، وإذا أخفقت أحيانًا فقد أورثاها إرثًا عظيمًا فليعودا الى مراجعته.
   وبعد عمرٍ طويلٍ  ستجدون عند أحد الأضرحة شاهدًا صخريّـًا يشهد على تاريخ مديد لن ينكره أحدٌ مهما تقدم الزمن.
   قفوا أمامه وترحمّوا على دورٍ عظيم انجزاه، واحرصوا على ميراثٍ باهظٍ ولا تضيعوه؛ ففي أيديكم اليوم وغدًا كاتِبٌ دافيءٌ  وحافظةٌ متنوّعةُ الاشكال والخدمات، فما عليكم إلاّ أن  تعيشوا سلامًا... هذه وصيّةُ الإقلام والورق وسيل من مداد ملوّن حبّر حقباتٍ مديدةً من السنين!!
   
بقلمي٢٠١٤

الأربعاء، 13 أبريل 2016

قصة الورقة الشافية

     قصًّة: الورقة الشافية  
    *************
       كان ماكان.. 
       إمرأة عجوز.. تقدّمت كثيرًا بالسن.. وليس كل العجائز يبقون دائمًا بصحةٍ جيّدةٍ .. فهم مضطرون للشعور بالمرض.. منهم من يتألّم.. والألم دافعٌ لزيارة طبيب.. مهما حاولوا تجنّبه...
       لم تحظَ بالعلم أيّام الأتراك ولا أيام الفرنسيين.. وفشلت كلّ المحاولات بتعليمها.. وبجهد جهيد تمكّنت من معرفة أسماء بعض الأبناء.. وأكتفت بمعارفها الموروثة.. بعض المعارف موروثة من الريف وبعضها موروثة من الحياة المتنقّلة التي عاشتها.. 
      وبعض المشاكل حلّتها بالايمان والصلاة والصوم.. وبعض الأمراض حلّت ربّانيةً.. وكلّ الآلام المحمولة ليست أمراضًا هي تجارب دنيوية ودروس وخبرات تراكمية..هكذا يفكّرالكثيرون من الناس، ولا يزال منهم الأغلبية يعتمدون هذا الموقف الى ان يصل الموسى الى الرقبة.. لذلك، أن بعض الأوجاع  لا تنفع معها العلاجات التقليدية.. ربما بحاجة لخبرات طبيب أو حكمة حكيم ..

     .. قد تختلط الأمور على الكبار.. سيما إذا اتيحت لهم الرغبة بالتعرّف الى عيادة طبيب.. وخاصّة إذا إلتصقت بالذاكرة بعض الشفاءات المستعصية بنظر العجائز رافقتها كثافة أقاويل النسوة في زمن غابر استنهضتها الذاكرة المتأخرة من عمق العقل البشري..
    هكذا جرى.. بعد آلام مبرحة لم تبرح بسهولة.. ولم تنفع بعلاجها أساليبها النمطية..  لم يكن همّها الموت وهي المتقّدمة بالسن وعافت الرغبة بالاستمرار.. ولكن من يحقّق لها الشفاء..
فالموت أشرف لها وقد أشرف عليها.. 
  
*****************
    جرجرت جسدها بصعوبة.. سنّدت ساعديهامندفعة الى الأمام..  ونظرها الضعيف يلتفت يمينًا فشمالًا يتفحص حقلًا قريبًا طالما حضن صبحياتها وودّع لياليها.. شرب معها القهوة.. واحتسى الى جانبها الشاي.. متسائلة عن مصير الورود المهملة لأوّل مرة منذ زمنٍ بعيد.. والدجاجة لاتزال تحتفظ بحبوبها لأيام قادمة حاضنة فراخًا واعدةً..  والزيتونات زيتيّات هذا العام.. لا يمكن إهمالها.. رافقها الزيتون منذ الصغر.. وورثت عدّة شجرات الأرملة.. رعتها بيديها وروحها.. وخاطبتها همسًا وجهارًا.. وطالما حكت لها نوادر وأقاصيص..  وشجّعتها على النمو وكانت شجراتها تستجيب.. وأقسمت لمن كان الى جانبها أن في الزيتون ملاكًا حاميًا يخاطبها  متى شاءت وشفيعًا شافيًا .. لذلك كانت حريصة على الزيوت المستخرجة.. قائلة ان في الزيت قداسة لا تهملوه.. وكانت بقناعةٍ تقول أن الزيت رمز للذات.. 
   كلّ ذلك.. وكلّ اهتماماتها اليوم تصبّ على معالجة هذا الداء المستعصي.. الذي يمتنع عن المغادرة حتّى انه زادها رغبةً بالمغادرة ان لم يفارقها.. لعلّ هذا الحكيم عنده الحكمة في ايجاد الحلّ.. وإلّا فلتحلّ وتفسح  مجال الحياة لهؤلاء        الأصحاء.. وكفى..

*****************
واصلت المسير.. بذلت الجهد.. جلودة، لايضنيها تعبّ، عنيدة الإرادة، أعتادت الشقاء.. والمستوصف ما كان بعيدًا لولا آلام الليل، وهي التي قطعت المسافات الطوال وتسلقت المرتفعات وتدرّجت الصخور.. ولان هذه البلاد لا تقطع ولا ينقطع المرء فيها أبدًا.. تتوقف سيارة تقلها خلال دقائق الى باب الحكيم.. ومن الباب وجدت من يسعف في اسنادها ويخاطبها يا جدّتي.. ولم يتوانَ الموجودون عن افساح المجال لتتقدّمهم.. والدكتور جاهز..
وراح الدكتور يجري طقوسه المعروفة.. إلّا ان المشهد الخارجي كافٍ لكشف حالتها.. استجابت واستلقت وتنفست وتنهّدت حسب التعليمات.. أجابت بما تعرف عن أسئلته.. بدت بشاشته مريحة في مواجهتها.. وأخفى عنها قناعته.. 
وراح يسأل الممرّضة عن وضعها علّها تعلم..
طمأنها.. كلاميّـًا.. والمخفي أعظم..
كان مقتنعًا ان الكلام معها لن ينفع..
والأمراض الخبيثة لا علاج لها في حالة هذه العجوز..
لعلّه قادرٌ على وقف الآلام.. والموت رحمة..
ومن الآن والى أن يسمح العمر لا بد من وصفة..
طمأنته يا حكيم معي المال اللازم لشراء مايلزم..
وكلّ مال الأرض لن يشفيها..
وما تملكه من مال تجاوزته الأيام..
ولكن الحكيم حكيم والوصفة وصفة..
لا عليكِ يا ستّي ان شاء الله ستشفين..
كتب على ورقته الوصفة السحرية التي غالبًا ما ينتظر نتائجها المرضى .. أنه موضع ثقة.. وكلامه لا يتكرٌر مرتين.. وورقته مقدّسة.. هكذا قالوا عنه.. والرب الشافي..

*****************
      سلّمها الورقةَ.. قال لها تأخذين منها ثلاث حبّات، صباحًا وظهرًا ومساءً.. حفظها الناس جميعًا.. حتى هي التي ما تناولت الأدوية في حياتها باستثناء تلك الأبر الفرنسية التي اعتمدوها لمكافحة الأوبئة.. ولم تكن تستطيع رفضها.. كانت بعمر قادر على استيعاب المطلوب والاقتناع بالكلام العلمي..
     ولم يخلُ الأمر من  مؤاذر يوصلها على الباب ومن ثمّ الى  أي سيارة مارّةٍ.. الحياة لا تخلو من الأوادم..
     غادرت تاركةً خلفها الحكيم في حيرته.. ما الحلّ يا ترى؟ 
     راح يستعين ويستجير بالمحيطين به.. ويقول غاضبًا انها على شفير ان تغادرنا قريبًا.. يعني وضعها الصحّي خطر لا نعرف متى يتوفاها الله..  في اسبوع  اسبوعين.. بلّغوا من يهمه الأمر.. وعسى ان يخفّف العلاج عنها آلامها.. فالآلام هي الأهمّ ..
    ولم تفارق تفكيره ولا مرة منذ معاينتها..
    ومضت ايّامٌ وأيّامٌ..  ولم يسترح فكرُ حكيمنا .. وبعض الأطباء حكماء.. والحكيم أهم من الدكتور.. منهم من يشفي بكلمة ومنهم من يشفي بنصيحة ومنهم من يشفي بالماء ومنهم من يشفي باللمس.. ومنهم من يشفي بابتسامةٍ... هكذا كانت تقول تلك الصبية الجميلة التي سردت على الطبيب وشردت بين يديه لانه كان يشفيها بطلّته فقط..
   
  ****************
    .. والحياة لا تتوقّف.. الأيام تمرّ سريعة.. والطبيب على نار.. 
نار الشعور بضرورة ايجاد حلّ لتلك المسكينة.. ولأوّل مرة كان اهتمامه يفوق العادة.. يسأل الممرضة المساعدة بطريقة عرضية مفتعلة تجنبّـًا للوضوح في أعلان المواقف.. ولكن الشيء الوحيد الذي لم يستطع اخفاءه هو ما سمعه المحيطون به أن هذه العجوز تشعّ بالقداسة.. وتضفي على الأجواء شعورًا شبيهًا بالأحاسيس اللذيذة التي تلفّ الانسان الزائر في حضرة الأديرة القديمة أو المعابد التراثية..  وكان هناك من يلاحظ لجوءه عدّة مراتٍ الى الملفّ للاطلاع والتحقق من اسم تلك المرأة..  
    لم يتوانَ أخونا عن ابداء الاهتمام العلني،  سائلًا موظّفي المستوصف عن مصير التي احتلّت حيزًا بارزًا من تفكيره دون معرفة الأسباب.. ولكن لم يحظَ بالجواب الشافي.. وراح يستفسر عن امكانية معرفة عنوان السكن، فأفادوه بمكان الحيّ دون تحديد.. وما اكتشفه انه لم يسجّل وجود وفاة والّا كان الأمر قد ظهر للعيان..

******************
    ذاك اليوم..ما ان انجز وقت العمل، صمّم تحويل سيره باتجاه عنوان الحيّ الذي أشاروا اليه.. مصطحبًا إحدى العاملات كالعادة، وما أن أشارت المرافقة إليه بالتوقّف للسؤال عن العجوز، أوقف سيّارته وأركنها جانبًا وترجّلا وسارا بين خطين من أشجار الزيتون، وتمتّعا ببيئة نظيفة بعيدة عن التلوث.. صحيح هو طبيب ولكن كم يتمتّع المرء بالشعور بفسحة ريفية.. مما أثار الرغبة بالمشي الرياضي.. ألا انهماأطلّا على ثلاثة أطفال يبدو عليهم الراحة والفرح يلعبون  في مساحة من الارض.. امام بيت قديم جدًا مفتوح الدرفتين، اقتربا منهم يسألانهم عن هذه القديسة التي شغلت اهتمامه.. "وين التايتا عمو؟" أشاروا الى البيت قائلين أن "هذا بيتها وهي هناك بالحقلة"..
   بدت الدهشة على وجه الدكتور الحكيم بل الصدمة الإيجابية.. دون أن ينبث ببنت شفةٍ.. ودون أن يظهر ما يعتمل في ذهنه.. والسبب لهذه الحالة التي وقع بها هو ان المرأة حية ترزق.. وكيف تكون حيةً.. وهي كانت في وضع يرثى له صحّيّـًا..
  
  ******************
       دفعه الفضول لان يسترق النظر الى هذا البيت العريق الصغير، أول ما بدا له ذلك السراج الفخاري الزيتي الذي تتوسطه فتيلةٌ قطنية والمضيء بأنوار متراقصة مع كل نسمةٍ.. والمقاعد العتيقة المغطاة ببسط ذات الصناعة اليدوية التقليدية المتعدّدة الألوان.. وعلى الجدران بعض الصور الفوتوغرافية التي يشغل مساحة كبرى منها شاربان منتصبين كالنسر المجنّح.. 
   حوّلا نظريهما باتجاه الحقل.. القابع تحت سماء نظيفة متجلية تحلّق في فضائها غيمات بيضاء تتهادى بطيئة من الغرب الى الشرق.. ترتفع فوق أجنحة طيور خفّاقة.. وهناك تواصل الشمس بأشعتها اللطيفة مسيرها باتجاه البحر وتلوّن زرقته بمتدرّجات متسلسلة من الأصفر والليموني والليلكي.. فيما تتجمّع الأشعة عند محطتها الأخيرة هناك عند الأفق البعيد الذي ستصله بعد ساعات.. 
    تنسّما هواءً نقيّـًا.. وسرّا بمحيط من الحنان تحت أقواس حجرية تاريخية منحنية.. وراحا يحثّان الخطى نحو المكان الذي أشار اليه الأطفال الثلاثة.. بين أشجار الزيتون وغمرات الغرسات الخضراء التي تلفّ جذوع عتيقة مجدولة لا تتشابه أبدًا.. وأدركا وجود العجوز المعجزة..

  *******************
     لم يتلكّأ حكيمنا بأناقة طقمه المكوي وقميصه الابيض المنشى وياقته الثمينة وحذائه اللماع.. من أن يطأ التربةَ الزراعيةَ ويضطرّ لان يطأطيءَ الرأس أحيانًا لتلافي غصون الزيتونات المجدولة برفقة تلك المساعدة الصبية الفتية التي لا تختارإلّا الألوان الفاتحة لملابسها.. مما يجعلها حريصة على تجنّب ما يمكن ان تسببه التربة البنيّة.. ومع حرصها على مرافقته حتى النهاية.. رغم الكعبين اللذين لا يمكن ان يسلما من رمل البساتين.. 
    وها هي تبدو لهما شيئًا فشيئًا.. بشعرها الأبيض الذي يطلّ من تحت غطاء الرأس.. ولباسها الرمادي.. تستند الى جذع شجرتها العزيزة  بين شجرات كثيرة كثيفة مستجيبة لرغبة التيتا بالخصب والخير.. 
   وكلّما اقتربا كان صوتها الذي يرندح بالعتابا والميجانا ويصدح بالمواويل البلدية الخارجة من القلب ومن شفتين وحنجرة أضعفتها الأيام.. يتسع ليغمر آذانهما بمعاني الذكريات المستدعاة من عمق الزمن.. وكلّما أطلقت الصوت بأغاني "أبو الزلف"  تبدو كأنها تخاطب الغصون الكثيفة المبشرة بموسمٍ واعدٍ..
   ها هي تحمل في يسراهاغصن الزيتون تطرد من تسوّل لها نفسها من البعوضات الاقتراب لاقلاق راحتها.. تضعه جانبًا وتتناول  كوبًا لا بد انه مملوء بالشاي.. فرشت على الأرض بساطًا ملوّنًا وضعت عليه ابريقها وصحنًا ممتلئًـا بحبوب الزيتون ووريقات شتلات النعناع ورأس بندورة بلدية من انتاج الارض إيّاها لا يشك الناظر بنكهتها الفريدة الأصيلة.. الى جانب خيارتين بلون أخضر أصلي.. والوجبة الأساس كاسة من الصعتر المحلّي والزيت البلدي الأصيل ولم تخلُ المأدبة من صحن اللبنة البلدية الناصعة البياض المغرق سطحُه برشة الزيت العزيز اللذيذ.. 
    يكفي ذلك المشهد ليشدّ الزائرين باتجاه المزيد من الفضول.. فضول الحكيم بمعرفة مصير مريضته.. والفضول لهذه الجلسة الرومانسية في أحضان الحبيب وسط بيئة زراعية فطريةٍ جاذبة لهؤلاء ممن ضيّقت عليهم أوضاع المدن أو الأحياء الكثيفة السكان بازدحامها وتلوّثها.. وامام ذلك لم يندما على المجيء بل صارا ينظران بعين الرضى الى بيئة ندر نظيرها..

  *******************
   عوامل جذب لاسلكية تسحبه سحبًا باتجاه المنحنية..
   هو النقاء أوالصفاء أو الطبيعة المعطرة برائحة التربة
   هوالعشب الغضّ ناشرًا خضرته ريحًا كالروح..
   نسيم الصعتر أو النعناع أم البخور..
   سكون هاديء.. وزقزقة تعزف حوارًا ونجوى..
   كلّ ذلك كاد يخرجه عن هدفه.. لو لم تهمس المرافقة ..
   لو لم يقترب من العتابا والميجانا..
   ووجمت العجوز متفاجئة.. حكيم حكيم يا حكيم..
   شو هالزيارة الحلوة! أهلاً يطول عمرك يا آدمي..
   قالوا لي ولمست بأيدي تسلم تسلم إيدك..
   كان صوتها لا تشوبه شائبة.. غير تواقيع السنّ..
   لم يكن بحاجة لكثير من الشرح ليدرك انها بصحّة جيدة
   فكّر.. لعلّ الدواء أعطى مفعولًا ناجحًا منجّيـًا..
   اهلًا يا بنتي.. لمّا شفتك حبيتكِ.. الله يوفقكِ من عنده..
   تفضلوا تفضلوا.. وأشارت الى كرسيين من القش منخفضين..
   وفضّلا ان يجالساها ليكونا بمستواها..
   نعم هناك ذهول مفرح.. وسرور مبهج..
   وطلع عن صمته سائلاً  كيفكِ ياست "لبنى"؟ 
   هكذا ورد اسمها في الأرشيف الأبجدي القديم..لا يعلم أكثر..
  
*******************
   تنهّد صاحبنا وعبّأ صدره بشهيقٍ عميقٍ مفعمٍ بعطر الصعتر والزيتون.. وراح يتفحّصها بتأنٍّ.. صحيحة!! خير مما كانت عليه ذلك اليوم.. ولم يبق له إلاّ أن يسألها مستدرجًا: 
   -كيف الصحة يا  خالتي؟ 
   أجابت باستطراد واسهاب:
   - يرحم أمواتك الرب يكثر من أمثالك، حسيت قبل ما أقصدك أنك حكيم شاطر.. والاّ كنت استغنيت عن الطب كلّه..  ورقتك يا حكيم أصابت وخلصتني من الأوجاع.. وكما ترى نعمة من ربنا، تفضلوا كلوا معي زيتونات تمجّد الخالق..
   سألها:
   -كيف كان الدواء؟ فادك؟
   -أي دواء؟ الرب يحميك ورقتك الشافية!!
   بدا له ان سوء التفاهم طبيعي مع هؤلاء العجزة..
   -كيف شربتِ الحبوب ؟
   أجابت بتظهير الفهم والتجاوب:
   -أخذت كل ما كتبته بالورقة على الآخر.. وكما قلت حضرتك ثلاث مرّات في اليوم.. والله من أوّل يوم حسّيت بتحسن.. أوّل يوم مزقت منها قطعةً كبيرةً حتى تعطي المفعول الأكبر.. وحتى اقدر ابتلعها لفيتها بقوّة، وكتّرت من الماء.. وبعدها شربت زهورات ساخنة.. وفي اليوم الثاني صرت صغّر الورقة وتبتلع معي بسهولة وفي اليوم الثالث كدت انسى آخذ الورقة لو ما الرب نبّهني وكان في القطعة كتابة قوية نفعتني كثيرًا.. وبقيت هكذا الى ان انتهت الورقة على الآخر.. كنت أحاول ترك قطعة منها احتياط للمستقبل انما نسيت.. واتكلت عليك تكتب لي غيرها اذا اضطررت.. وانا ما قصّرت من ناحيتي ضوّيت شمعة بين يوم ويوم.. ونشكر الرب وتسلم يديك يا حكيم.. والحكيم لازم يكون عنده حكمة، ما كلّ واحد عنده ايّاها..

*******************
   اندهش صاحبنا مذهولاً ..  وشعر بنفس الشعور الذي شعره مرةً في أحد المعابد التاريخية الذي رغبت عائلته أن تزوره.. والغرابة الأكبر أنّه طبيب متعلّم مطلع على كثير من الدراسات الحديثة ولم يقصّر بمتابعة آخر اكتشافات العلماء وبكلّ الوسائل الممكنة حتى لو استدعى الأمر السفر الى أقاصي الأرض ولو في الصين.. تلفت الى الممرّضة المذهولة التي كاد شعرها يقف من شدة القداسة التي شعرت بها.. وبدت عيناها تهمّان بذرف الدمع.. وراحت تتجنّب الانكشاف بالتلفّت الى البعيد، وتتحوّل الى غيمة بيضاء تتهادى محلّقة فوق الرؤوس.. وأشعة الشمس ترسم انوارًا وتحيك أفياءً..
   وقبل أن يستيقظ من ذهوله.. بادرتهما بالقول:
   - احتفظت لك يا حكيم بزيتون مكبوس على يديّ مقطّف حبة حبة.. وقلت لن يأكله إلّا انت..
  - لكن كيف صحيّت..ي؟؟
  - بفضلك يا حكيم والاتكال على الرب.. لا يموت الانسان الّا في وقته.. أو اذا كان مقتنعًا بأنه ما عاد لازمًا في الدنيا..
  وكاد أخونا يخرج من ثيابه.. ورفع الصوت مستذكرًا ما كان قد سمعه في يوم من الأيّام: ايمانكِ شفاكِ ايمانكِ شفاكِ..
  قاطعته: الحياة قناعة يا ابني.. وانا بعدني لازمة..
  التفتت الى الأطفال.. اسمعتهم صوتها: صار وقت الدرس لا تكونوا مثلي أمّية لا أقرأ ولا أكتب..
  انتصبت وأحاطت بساعديها جذع شجرة الزيتون وقبلتها..
   
الفصل الأخير 
*******************
  "باركينا يا خالتي يا ""لبنى" باركينا انتِ "
  "مباركين مباركين موفقين موفقين.. يفرّحنا منكِ يا بنتي.."
  خرج الحكيم من المكان قبل ان يخرج من طوره.. حاملًا هديته الثمينة.. وانسحب بكثير من الهدوء والبطء بسيارته..
  مساءً.. لأول مرة كان الحكيم يتصفّح مواقع الكترونية صديقة وغريبة.. وينقّب عن تفاسير وتجارب حول العالم.. ويخطّ الملاحظات اللازمة المحيطة بالموضوع.. ويبدي تجربته المدهشة..
____________________________________________ 
   سكت الراوي.. ونزلاء السهرة الكبار قبل الصغار مذهولون بدورهم ومسحورون بحديث هذا الحكواتي وبالمضمون الذي الذي سمعوه.. ولأوّل مرة منذ فترة طويلة ارتخت سواعد الحاضرين بما تحمل من أجهزة وسائل الاتصال الالكترونية.. وقال.. اهتموا بالورق اهتموا بالورق فالورق يشفي.. ولا تغفلوا الحاسوب .. 
  
                                         ( بيد : سعد ديب)  يحيي القاريء