الثلاثاء، 26 سبتمبر 2017

الفردوس. بالفيلولوجيا العربية

الفردوس

في هذا الطقس الحار المديد، نستذكر البرود لا البرد.. ونحاول ان نرى كيف تعاملت اللغة العربية الصحراوية مع الموضوع!!
البرد من الجذر "برد" الذي يوصل ويتواصل مع "البردايس" وهو لهجة من الفردوس والفردايس.. مما يجعلنا نستنتج ان "الجنة"  في الثقافة المشرقية هي باردة.. وانتشرت في العالم الغربي.. رغم كون مناخه باردًا عامة واعتمد المفهوم الفردوسي  المشرقي الصحراوي..
والبردوس والبردايس كلاهما يؤشّران الى كلمة من قسمين:
البر+ دو + س. من المعروف ان السين هنا لاصقة للتعظيم، و"البر" معروف هو البرية المكشوفة، وكذلك تتواصل مع البر واليابسة، عكس البحر، والتي تظهر للبحارة القادمين.. لذلك اطلق على المرافيء كلمة بر وبور وبورت..
كما تواصلت مع برّا وبرات أي (خارج نطاق القبيلة) ولكن اللفظ يوصل الى البرّ والبار والبرء.. أي الأبن والوفي والشفاء.. أي كلها صفات حميدة..
اما القسم الثاني هو "دَوّ" وهو قاموسيّـًا مرادف لبرّ وبرية..  ويتواصل الجذر مع الدواء أي الشفاء والبرء.. وكذلك هو لهجة من الضو أي الضوء والنور والنهار.. طبعًا لان "برات" كهف القبيلة مضيء.. وانتقلت الكلمة الى الغرب صارت ( داي)..أي النهار.. الذي صار اليوم..
والجذر الثلاثي هو " برد".. وبالتالي فان الفردوس بارد حتى لدى الشعوب الباردة..
ونستذكر القرآن" قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على ابراهيم.."
ولا يسعنا الّا الأخذ باللفظة الفرنسية " بردون"  التي تتواصل مع البرد..
هنا، رب سائلٍ، ما علاقة البر بالفر؟  نعم هناك علاقة وثيقة، لهجية وتاريخية.. ليس مجالها هنا..
في النهاية، وباختصار، يبدو الاتفاق العام على ان الجنة باردة، وجهنم حارة.. لعل فيما نلاحظ ان الشرقيين يقصدون الغرب البارد هربًا من الشرق الحار..

الاثنين، 20 فبراير 2017

المدرســــة التهذيبيّــــة
        في 
يوبيـلــها     الماســي
-------------------------------------------------------
  فيما يلي القصيدة التي أعدّها الشاعر:  "د. ميشــال جحـــا" بمناسبة الإحتفال باليوبيل الماسيّ للمدرسة التهذيبية  للصبيان الرسمية في الميناء والتي تلقّـــى فيها علومه،  وذلك بتاريخ ٢٣تشرين الأوّل سنة١٩٩٦
   علمــًا انّها تأسست سنة ١٨٩٦ميلادية..
  والقصيدة التي أعدّها شاعرنا في حينها نظّم مطالع أبياتها وفـقــًا للأحرف التي تؤلّف إسمها " المدرسة التهذيبية".. وننشر ماجاء فيها كمــا كان قد كتبها صاحبها بخطّ يده..
--------------------------------------------------------
     أ-   أَعدْني.. ولــو  يومـًا  إلَـيْهــا  زمانيـا
          وخذْ أشهرًا من صرحِ عمري.. وماليا
    ل -  لهـا.. مثلَمـا أُمّي.. عــليَّ فـضــائــلٌ
          سقتني السَّـنا صرْفــًا فنلتُ المـعاليـا
    م -  منـــارةُ علـمٍ عــزّ للـحــْرفِ أن تـــرى
          نظـيرتَـها مثـلى.. تــفـــوق المعانـيـــا
    د -  دمـــاثــةُ أخـلاقٍ بـهـيـئــتِهــا كـمــــا
          طيـوبُ   ورودٍ  مـازجـتهــا الأضالـيا
    ر -  رعَــْوها بصدْقٍ .. قلَّ عنــد معــلّــــمٍ
          ســـواهم.. فكانوا للتلامـيـذ أوْلـــيــا
    س- سعيـدٌ وعـبدُ الله.. بـكـرٌ  و رأفـــــتٌ
         وعازارُ، مفدي.. باسمٌ كلُّهُمْ    حَيــَــا
    ة -  هُـمُ غـيـثُ تهـذيبيـتي  ورفــاقـهـــم!!
          بماسيّـةِ التأسيس.. زيدوا التهـانيــا
               --------------
     ا- أيـا دُرّةَ  الميــناءِ  والأهــلُ  خـلّـــصٌ
        علـيكم  سـلامٌ  من صمـيم  فـؤاديــا
    ل- لحـقـتُ بقـلـبي وهـو قبـلي عنــدكـم
        يلـملم ذكرى الأمس، ينشـد ما بيـــا
    ت- تهافتَ كلّي، مذ دُعيتُ، على الوفـــا
        وما كنتُ يومًـا غيرَ مثــل  ابن عاديــا
    ه ـ هرقتُ دمي حِبرًا، وضعتُ قصيدتي
       ولـيس كـثـيرًا أن نـُفــدّيَ الـغـوالــيــا
    ذ- ذوو الفضْل لا تغـلـو الحيـاة علـيهـمُ
       ولا سيّــما أُمٌّ    تــذوبُ     تفــانيــــا
   ي- يضـيءُ  الوفــا الأعمارَ.. ينصرُ أُمّةً
        فأَجْملْ  بنــا نبـقى للـبنــانَ  أوفيـــا
   ب- بني أُمّتي!ما أعظمَ الشعبَ إنْ سَما
        وفــاءً لأرضٍ  واســتبـاح الأعاديــــا
   ي- يــدُ اللهِ يــا أمَّ الـينـبـوع  تشــدّنــــا
        إلى  بعضنــا حتّى نُعلــي المبانـــيا
   هـ- هنيئًـا لـكِ الـيوبيـل  والعــزُّ شـــارقٌ
        وبيـرقُ أهــلِ العـلـم يخـفـق عاليـــا.

                   ٢٣تشرين الأوّل   ١٩٩٦

الأحد، 18 ديسمبر 2016

البيغ بنغ

الاسهم النارية والبيغ بنغ
---------------------
  في الليل كانت الأرض تحتفل، وعام يفلّ...
  وكان الكون يطوي زمنًا كوانتوميّـًا مستذكرًا لحظةً من لحظات البدء حيث انفجر انفجارًا عظيمًا فكان ..
  في الليل.. كنا نمتّع العيون برؤية الأسهم النارية.. كلّنا دون استثناء، الكبار قبل الصغار.. لأنّهم أكثر حرصًا على حسن سير المشهد.. وربما لأنهم صاروا أكثر رسوخًا في الرموز.. ربما لأنهم استزادوا وتزوّدوا انسانية.. بل ربما وعَـوا ما لدى الصغار من ترميز.. كمن يتعامل مع الجينات الأشدّ رسوخًا بشريّـًا..
  والقضية قضاء وقدر.. شئنا أم أبينا..
  والمسألة.. بين الإنفصال والإتصال.. بعيدة عن أي ترابط بعلوم البيئة.. إذ ان الأسهم النارية ليست معنية بحاستَي الشم والسمع، اللتين يجب العناية بعدم التعدّي عليهما،  بل هي معنية بالمشهد المنظور الممتع المؤتلف من ملايين الألوان الفوتونية.. التي تسرّ الذاكرة الجينية العميقة للانسان الأرضي..
    فالأسهم في لغتنا العربية نيازك نيازك شهبٌ شهبٌ..
    والنار.. أنوار وأضواء.. وكل نور وليد انفجار..
    أليس الفجر إنفجارًا؟
    ألا تنفجر المياه من المنابع؟
    أليست الولادة إنفجارًا عاطفيّـًا؟
    ألسنا نرى في تشظّي الأنوار ولادةً جديدةً؟
    ألسنا نرى في انتشار الأسهم النيزكية جنينًا ينمو؟
    ألا نرى فيها زمنًا يتنامى ويتقدّم ويتقادم؟
    بل إن الأسهم مساهمة ومشاركة في عملية الخلق..
    بل هي ذكرى فطرت فيها كلتا السماء والأرض..
    بل هي ذِكرى أنفجار عظيم.. 
    بل انها ذكرى البيغ بانغ..
    ذكرى قرّر فيها الكون مجدّدًا أن يكون..
    فكان الكائنُ وكان الكونُ..
    وانفجر عند ذلك الزمن..
    فتراكمت السنونَ.. فصار للسنة رأسٌ..
    ففي الأعراس نفجّر الأنوار..
    وفي الولادة نفجّر الأضواء..
    في العماد نفجّر المياه والأنوار..
    في الختان.. في الأنتصار.. في التحرير.. في كلّ الأفراح..
    ففي الأنوار حياة جديدة..
    لأنّه عندما وجدت العيون والآذان صار الكون يسمع ويرى..

الجمعة، 2 ديسمبر 2016

البربارة. الفيلولوجيا تكشف السرّ

"البربارة" حدث فيلولوجيّ بامتياز
    *********************************
   عيد البربارة أو عيد القديسة "بربارة" أو عيد الشهيدة بربارة هو عيد مسيحيّ يُحتفل فيه بشكل خاص بين المسيحيّين العرب في لبنان، سوريا، فلسطين والأردن. يحتفل به المسيحيّون الغربيّون يوم 4 ديسمبر، والشرقيّون في السابع عشر منه.
    يحتفلون بالعيد مساء يومَي 3-4 كانون الأوّل من كل سنة بتقاليد خاصة. إذ يخرج الأطفال والشباب مساءً في أزياء تنكريّة ويطوفون على بيوت الجيران والأقارب والأصدقاء ويعايدونهم، فيتمّ إعطاؤهم بعض الحلويات اي ما يشبه (العيديّة). ويرافق احتفالات البربارة أغان وأناشيدُ، حيث يخرج الناس إلى ساحات القرى وينشدون الأناشيد الدينيّة والأهازيج.
   وفي يوم العيد يتمّ سلقُ القمح والذرة التي يتم تقديمها مع السكّر والرمّان أو إضافات من حلوى أخرى ...
 و يعرف باسم "البربارة" طبق تقليديّ لهذا اليوم يقدم كنوع من تحلية،  وليس كطعام.
  يُقال انَّها اعتنقت المسيحيّة وغضب أبوها وهمّ بذبحها ولكن هربت من النافذة واختبأت في حقول القمح؛ ويبدو احتفال التنكّر الذي يمارس في العيد ترميزًا للتخفّي عن الأعين. 
  وتقول المصادر انَّها من مواليد بعلبك في القرن الثالث الميلادي ابنة ديوسقوروس وثنيّ متعصّب وغنيّ.. نصحوها بمراسلة المعلم أوريجانس أستاذ مدرسة الإسكندريّة الكبير.. كتبت بربارة إلى أوريجانس بما يدور في رأسها من أفكار دينيّة فلسفيّة وطلبت إليه أن يتنازل ليكون معلمًا لهاّ، فابتهج بذلك وأجابها على رسالتها، موضّحًا حقائق الإيمان المسيحيّ وأرسل لها كتابًا بيد تلميذه فالنتيانس، ولما قرأت رسالته امتلأت من الروح القدس، وأدخلت فالنتيانس الى قصرها ليكون أحد أساتذتها فلقّنها أصول الإيمان المسيحي.  
   آمنت وتعمّدت وتأملت وصلّت وحطّمت التماثيل، واحتشمت وسجنت في برج وهربت من أبيها الظالم، وطلب مساعدة الوالي مركيانوس اعتقلت وعذّبت وقُطع ثدياها إلى أنْ قطع الأبُ رأسَها بيديه ٢٣٥م، فحدثت معجزات، اما هو فعوقب حرقًا بصاعقة...
   موقع سانت تقلا  الرقميّ يقول: وُلدت في قرية جاميس التابعة لمدينة ليئوبوليس بنيقوميديا، في أوائل القرن الثالث في عهد الملك مكسيمانوس الذي تولّى الملكَ سنة 236م. تختلف المصادر في تحديد هويتها، فمن قائل انَّها وُلدت في نيقوديميا (في آسيا الصغرى) الى قائل انَّها وُلدت في لبنان، في مدينة بعلبك، الى قائل انَّها ولدت في فلسطين، وحتى في مصر(حسب الأقباط).

الفيلولوجيا تكشف سر "بربارة":
******************************         
    ما الحدث الحقيقيّ الملازم  لمناسبة  "البربارة"؟
   ضاع الرواة في تأكيد مكان ولادة بربارة رغم أن الحدث لم يتغيّر عبر الزمن، من بعلبك إلى جاميس الى نيقوديميا الى لبنان إلى فلسطين إلى مصر القبطيّة، فكيف حفظ الرواة الحدث؟ ولم يحفظوا المكان؟
   ثم تكرّر وجود القمح كحدث محوريّ لدى الرواة دون مبرّر ...
   ثم التعذيب وخاصة قطع الثديين، الأمر الذي  تكرّر مع القديسة "أغاثا" بعد قليل من السنين أي في ٢٥١ حتى سمّيت شفيعة الأثداء، وانتشرت اللوحات التي تتناولها، وكأنَّ السيناريو لازم للراوي (أو هو تعبيرعن حالة عنفيّة بسيكولوجيّة).
   لذلك ندرس الاحتمالات الفيلولوجيّة لعلّها تكشف السرّ باختصار شديد:
   أولاً: الاسم يتألّف من الجذر "بر"  و"بار".
   ومن السهولة الإشارة الى أن "البرّ" وهو القمح...
   مما يفسّر وجوده المحوريّ وسط الحدث...
  لذلك يتناول المحتفلون في هذه المناسبة القمح المسلوق المزيّن بالسكاكر والمكسرات والألوان لزيادة عامل التغذيّة.
  والبرّ، هو البريّة والفلاة  المزروعة بالبرس.
  ونكتشف أنَّ البربارة هي شفيعة بلدة "برسا" المجاورة لطرابلس لبنان،  دون أن يدريَ أبناءُ البلدة ان القضيّة فيلولوجيّة فالاسمان من الجذراللغويّ (بر).
  وكذلك فإنَّ "البرَّ" هو الابن.
  والبارُّ، هوالابن الوفيّ... وهو الباريء الشافي والبريء من التهم.
  إذًا،  هو عيدُ البرّ أي القمح،  والحنطة، والخير والرزق والخصب.
  إذًا، هو عيد "الابن البار" الوفيّ والباريء والبريء.
  إذًا، هو عيد يتطابق مع ولادة الابن البارّ الذي أبرأ المرضى والبريء من التهم... لعلّه المسيح نفسه.
  أمّا لماذا ذكر المناطق المذكورة أعلاه؟؟ نرجّح  أنَّها غنيّة بحقول القمح...
  وهنا نلفت الى أن "براباس" الذي هُتف باسمه لدى محاكمة المسيح ما هو إلاّ المسيح نفسه (لأنَّه هو البر + راب + س)  أي "ابن الربّ الآب" الأمر الذي لا يدركُه القاضي الرومانيّ، ولن يكتشف اللعبة اليهوديّة في المحاكمة...
  هذا باختصار لأنَّ الموضوع طويل..!

الثلاثاء، 22 نوفمبر 2016

بين القلم والورقة
--------------
   عاشقان.. منذ وجدا.. ما استطاعا ان يفترقا.. عندما كان القلم وحيدًا طمر رأسه بالطين.. فرأسه عاجزٌ عن العيش دون أن يعمل.. البطالة عدوّته.. بقي هكذا مقطوعًا من شجرة.. الى أن وجدها.. بردية.. برّدت حرارته.. امتصّت هياجه.. تلاصقا عشقًا أبديّـًا.. وترافقا وتزاوجا.. والزواج جوازٌ..  والحبّ مبدع.. ولاّدٌ.. ولا يحول بينهما حائلٌ..  ووثاق الحبّ لا ينفصم..  
   ولان غريزة البقاء راسخة في الكائنات.. عبّرت عن نفسها وتجلّت بالولادة.. تناسلت لأجيالٍ وأجيالٍ .. خلقت واصطَفَت..  وورّثت  خير صفاتها.. هكذا الحب.. تراكم الجمال، تراكم الحسن، تراكم العلم، تراكم الفهم.. وأجيال تجمّلت وأخرى تعلّمت.. ولفظت الدنيا عنها الغريب وأورثت السليم وتحسّن النسلُ.. قفزت أجيال الأقلام والأوراق قفزات نوعية نحو التطوّر.. 
   عمّرا طويلًا وعمّرا حضاراتٍ  ورفعت عمدًا وجداراتٍ.. حمت شعوبًا ودُمّرت أخرى.. وهما أحباب متزاوجان لا يفترقان بينهما حبّ ومداد وحبرٌ خلّاقٌ  متنوّع  الالوان ..
   أيّ إبداعٍ هذا!
   ذاك الإبداع الذي لم يتوقّف.. أراحهما.. والمواليد يريحون الأهل في آخرتهم.. 
   وها هو الزمن الذي حلّ اليوم ليمهّد الراحةَ للعاشقين ، الأبديين المتقدّمين بالعمر وباتا أحوج الكائنات لان يركنا الى مخدعما.. ولأوّل مرّةٍ سيعودان الى مخدعهما دون أن ينسجا حروبًا جديدةً.. أو سلامًا جديدًا.. فقد إطمأناعلى انتشار العلم الذي أسّساه معًا.. وصار بين أيدي التاريخ أجيال مدركة واعية.. فلتتحمل مسؤليتها كاملة.. وإذا أخفقت أحيانًا فقد أورثاها إرثًا عظيمًا فليعودا الى مراجعته..
   وبعد عمرٍ طويلٍ  ستجدون عند أحد الأضرحة شاهدًا صخريّـًا يشهد على تاريخ مديد لن ينكره أحدٌ مهما تقدم الزمن..
   قفوا أمامه وترحمّوا على دورٍ عظيم انجزاه.. واحرصوا على ميراثٍ باهظٍ ولا تضيعوه.. ففي أيديكم اليوم وغدًا مُكاتِبٌ دافيءٌ  وحافظة متنوّعة الاشكال والخدمات.. فما عليكم إلاّ أن  تعيشوا سلامًا.. هذه وصيّةُ الإقلام والورق وسيل من مداد ملوّن حبّر حقباتٍ مديدةً من السنين!!
   
بقلمي٢٠١٤

النور المتسلل

...هناك، كان النور يغفو في كوخ صغير؛ كان يتمتّع بالراحة المديدة، كل شيءٍ مغلق، يحجب عنه العالم، كلّ العالم  الخارجي،  كان يحلم، يحلّق في فضاءٍ فسيحٍ عميقٍ عميمٍ، كان يحلم بطيورٍ مجنّحة في زرقة سماء، تحت بياض غيومٍ، تسبح على ريش ريحٍ رطبٍ.. هاهو من روؤس أمواج الى قمم جبال، يندّي الزهورَ وأفناناً غضّـةً، وبراعمَ وأوراقًا..
   كان النور يحلم.. والأحلام جميلة، ترفرف.. تعلو الحجر والبشر والحيوان والغاب.. يحلم بنسيم.. يقفز من عطر زهرة فواحٍ الى أنف صبية.. النور يرغب، النور يحبّ، النور يشمّ..

   عندما تفتّحت أكمام زهرةٍ عن وريقاتٍ حمراءَ قانيةٍ..
   عندما هبّ بعض النسيم يحملُ  عطرَها،  ويحرّك بعض منافذ الكوخ،  وما أن قدر النور أن يتثاءب، راح يطلّ برأسه عبر شقوق وثغور على الحقول والبساتين.. منتشرًا بسرعةٍ هائلةٍ.. يلوّن كلّ شيءٍ بألوانٍ بديعةٍ ملائمةٍ.. لوّن  رقيق أوراق الشجر بالأخضر.. لوّن الغصونَ.. لوّن الجذوع.. لوّن التربةَ.. وحلٌق يلوّن السماءَ بالأزرق.. فنانٌ أفلت من عقاله يختار لعناصر العالم ما تستحق من مشاهد وتعابير..

   ...فيما كان أخونا النور.. يشتم العطور..  والريحان.. والعبق.. كانت فرشاته تتراقص مع حفيفٍ  مع خريرٍ مع زقزقةٍ  مع رفرفةٍ مع تنهيدةٍ .. مزج لتلك الزهرة خيارًا جاذبًا.. بعض الأحمر.. بعض الأخضر.. مع بعض الطل.. وندّى خدودَ شذاها بالليلكي الليليّ المتلأليء حالمـًا كما النجوم الغافلة.. في ليل الأحلام..
   ..وهكذا همّ ينشرُ الفجرَ.. فجر الأنوار.. تسلّل عبر زجاج تلك النافذة، عبر ستائر مخرّمة..  وحطّ على خدين..
   ..الخداّن والوجنتان.. كلاهما مباركان.. بالأبيض بالقرمزيّ..  واستغرق زمنًا يخطّ  ويضيف ويصبغ ما شاء له تلك الشفتين.. والنور يكحّل كما ينير!.. فتسلق الى الجفنين يكحّلهما بسوادٍ حالكٍ.. وذاك الشعرُ.. فيه من النور ما يكفي.. بل فيه من النسيم ما يرفّ ويفرح..

   حدّق النور بها.. فتية.. صبية.. هنية.. أيقظها حلم الصباح.. وانتصبت تتحقّق من ذاتها.. وذواتنا في المرايا.. ومرآتها الى جانب نافذة.. وحطّ  طائر النور على ثوب النوم.. ملاصق.. تقاسيم.. تضاريس.. صناعة الأنوثة إيّاها..
  النور متسلّل.. عبر الثنايا.. من خروم الأبر.. خارقٌ للنسيج.. حتّى كاد يظهر.. جسد غضّ يطلّ من الشفافية .. من الحياكة..
   أدركنا.. النور يتنشّق.. والجيد معّطر ناعمّ.. والجيد حريريّ..  والفتيات اناث مراهقات.. والمراهقات جاذبات نور الذكورة.. والنور كما يبدو ذكر ذكر.. وهنّ يحببنه، يرغبنه، يردْنه!

الأحد، 20 نوفمبر 2016

بين القمر والقمار

ما العلاقة بين القمر والقمار؟  
لطالما تساءلنا عن تلك العلاقة اللهجية في لغتنا العربيّة؟ سيما وان لغتنا تمجّ المقامر بكلّ أشكالها، منذ عهود المقامرة على ثياب المسيح المصلوب، مما يعني ان هناك سببًا لا تستطيع كشفه إلّا الفيلولوجيا، بالذات المشرقيّة، بالاضافة الى التراث الميتولوجي والحضاري!!
   من المعروف أن للقمر علاقةً وثيقة بالشهر...
   من المعروف أن القمر كان موضع تكريم، فهو النور اللطيف في الشرق بالمقارنة مع أشعة الشمس الحارقة...
     من المعروف، أنَّ الشهر سمّي شهرًا من الجذر "شهر" يشهر، أي أعلن يعلن، ولا يمكن إعلان الشهر إلّا من كان ذا قدرة ونفوذ، كالملك والكهنوت.... 
   وكان العامّة يراهنون على ظهور القمر، كلٌّ منهم حسب حساباته الخاصة ورؤيته، وتنجيمه (من نجم)، وكان لهذا الأمر، علاقة اجتماعية واقتصادية.. إذ يكون لصاحب الدين علاقة باسترداد دينه في أقرب وقت، والمديون له علاقة بتأخير الدفع.. وكلُّ ذلك مرتبط بمزاج الملك والكاهن المكلّف برصد ظهور الهلال المنتظر...
   والعامّة من جهتهم، قد يراهنون على ظهور القمر واعلان الشهر، مما يسبّب ربحًا أو خسارةً..
  من هنا حفظت اللغة العربية المضمون المنقول عبر ألفيات وأزمنة طويلة.. منذ بابل العظيمة.