الأحد، 28 فبراير 2016

من ليليت الليلكية الى ليلى العامرية

  

  من ليليت الليلكية الى ليلى العامرية
    -----------------------------
         في ضوء العلاقة الفيلولوجية بين تلك الكلمات، صار من الضرورة، عدم فصل التراث العربي عن التراث المشرقي ككلّ، فنحن امام حضارات متفاعلة، على مستويات متعدّدة.. تبدو اللغة من أبرز عناصرها المشتركة، عدا عن تداول الحكايات إذا قصت، والمسطورات (إذا سطّرت) والأساطير إذا رويت..
     ولا بدّ من محاولة الاستعانة باللغة، وخاصة بلهجاتهاالمختلفة، من أجل التحقّق من بعض المرويات أو المدونات، فإذا كنا في العصر الراهن نُدخل على لغاتنا الكثير من التعديلات اللهجية.. فلا يمكن اغفال التعديلات الطارئة على لغات الاقدمين، بالإضافة الى الاسقاطات الشخصية الممكنة على الأحاديث المتناقلة.. لغايات في نفوس الرواة، وحاجات المجتمع والبيئة الاخلاقية..
     نذكر ذلك، للإشارة الى تلك العلاقة المتجليّة بين الحدث الليلكي وليليت البابلية، والتراث الشعبي العربي.. الذي رسخ اسم ليلى في الوجدان الروائي والغنائي الى أبعد مدى..             
    من هنا يمكن تناول الحدث على اساس الموروثات الثقافية..
    من هنا يجب فهم العلاقة الغنائية التي تربط بين "ليلى" والعراق.. فهل في التراث العراقي أبرز وأوضح من بابل وحكاياتها واسطوراتها المسطّرة.. طبعًا لم يعشق قيس ليلى البابلية بل ان الاسم هو المتداول في الوعي القبلي العربي العريق.. من جهة انتشار التسمية أو انتشار الحدث والرواية.. من هنا نرى أن ليلى ليست سوى ليليلت العراقية التي اعتبرت رمز الانثى المعشوقة والتي مرّت بعشقها على معظم مراهقي تلك الحقبة قبل اطلاق اسم آخر على سيدة الاحلام الليلكية.. زائرة المراهقين في مناماتهم.. والاسم الاكثر تداولًا هو اسم الجنية "ميمونة" على سبيل المثال..
   كل ذلك ما هو إلّا دليل على صحة المنهج الجاري..
   فماذا تقول القصيدة الغنائية المشهورة؟
   تقول هذه القصيدة التي يعتبرها البعض من أجمل قصائد قيس بمحبوبته ليلى: (ننقلها على ذمة الناشر كما يلي)

[يقولون ليلى في العراق مريضة 
فيا ليتني كنت الطبيب المداوي

فشاب بنو ليلى وشاب ابن بنتها
وحرقة ليلى في الفؤاد كما هيا

على لئن لاقيت ليلى بخلوة 
زيارة بيت الله رجلان حافيا

فيارب قد صيرت ليلى هي المنى
فزني بعينيها كما زينتها ليا

والا فبغضها الي واهلها
فاني بليلى قد لقيت الدواهيا

يلومون قيسا بعدما شفه الهوى
وبات يراعي النجم حيران باكيا

فيا عجبا ممن يلوم على الهوى 
فتى دنيفا امسى من الصبر عاريا

ينادي الذي فوق السموات عرشه
ليكشف وجدا بين جنبيه ثاويا

بساحرة العينين كالشمس وجهها
يضيء سناها في الدجى متساميا]
------------------------------
  بعد العشق العظيم لهذا القيس لا بد من ايراد فصول من سيرته قبل الجزم بحقيقة الحدث، كما وردت لدى البعض:

   قصّة قيس وليلى
   كم كانت أيّاماً جميلة تمرّ في ذاكرة قيس بن الملوّح، تلك الأيّام الخوالي الّتي كان يرعى فيها أغنام والده مع ابنة عمّه الحبيبة ليلى العامريّة، فكانت البراءة تغزوهما في لحظات لعبٍ وضحك ومسامرة يتشاركان بها، ومع نموّهما نما الحبّ في قلبيهما، ولكن قيس يظهر هذا الحبّ، وليلى تخفيه في أغلب الأحيان.

   عُرف الحب العذريّ بين قيس وليلى وكان واضحاً في القصائد الّتي كتبها قيس لمحبوبته، وكان حلم قيس أن يتزوّج منها، فبدأ يجمع المهر لغاليته فجمع لها الخمسين من النوق الحمر: وهي أغلى أنواعِ النوق عند العرب، وكانت تسمى حمر النّعم. وتقدّم قيس إلى ليلى وطلب يدها من عمّه، ولكنّه فُجع بالرّفض؛ لأنّ أهل البادية لا يزوّجون شابين ذاع الحب بينهما وانتشر حتّى وإن كان عذريّاً؛ فهم يعتبرون هذا الأمر عاراً وفضيحة.

   وبعد مدّة تزوّجت ليلى من ورد بن محمّد العقيلي، الشّخص الّّذي سلب قيس حبيبته، وحطّم قلبه كما يتحطّم الزّجاج، وتناثرت أشلاؤه شعراً ينوح به ويصف فيه ليلى.

   انتقلت ليلى مع زوجها إلى الطّائف، وهام قيس على وجهه في الأرض لا يعلم له مسكن، فشهراً يكون في الشام، وشهرًا يكون في البادية، ويتنقّل بينهما وهو يتغنّى بأيّام ليلى، ويرجو لقاءها، فما عادت تطلّ عليه بسمتها، وما عاد يسمع ضحكتها، وما يلوح في أفقٍ يراه ثوبها، وما مسّها في حياته كلّها، فبقيت حلماً وشهوة تسري في عروقه إلى أن مات بها؛ حيث وُجد ملقيّاً بين الحصى في الصّحراء وعند رأسه بيتان من الشّعر يقولان:

[توسّد أحجار المهامة والقفر
ومات جريح القلب مندمل الصدر
فيا ليت هذا الحبّ يعشق مرّةً
فيعلم ما يلقى المحبّ من الهجر]

   وَلَهُ قيس وحبّهُ لليلى
   ممّا يذكر من قصص حبّ قيس لليلى وولهه بها أنّ قيس قد ذهب إلى ورد زوج ليلى في يومٍ شديد البرودة والأمطار تنهمر فيه، وكان جالسًا مع كبار قومه حيث أوقدوا النّار للتّدفئة، فأنشده قيس قائلاً:

   بربّك هل ضممت إليك ليلى قبيل الصبح أو قبّلت فاها
وهل رفّت عليك قرون ليلى رفيف الأقحوانة في نداها
كأنّ قرنفلاً وسحيقَ مِسك وصوب الغانيات قد شملن فاها

   فقال له ورد : أمّا إذا حلّفتني فَنَعَم.
   فقبض المجنون بكلتا يديه على النار، ولم يتركها حتّى سقط مغشيّاً عليه.
------------------
     تعقّب فيلولوجي  للحدث:
-------------------------
    إذا سلّمنا بالأمر، نرى أن الراوي لم يذكر العراق أبدًا بل ذكر أن الحبيبة انتقلت مع بعلها الى الطائف.. وقيس قد تجوّل في  البادية وفي الشام.. ( قد تشمل بادية العراق) ولكن دون أي علاقة بعنوان سكن الحبيبة ليلى المذكورة بالحدث.. فلماذا الاصرار على عراقيتها لو لم يكن القصد ليلى العراقية ذات البعد الاسطوريّ..؟. الأمر الذي يثير الشك حول غاية الراوي، واسقاطاته الشخصية..
     طيب، من هو (قيس) بتعقبه الفيلولوجيّ؟
     قيس:  هو القي  التقي ، والسين حرف زائد للتعظيم او الكثرة.. ومنه اشتق اسم  رجل الدين الذي ندعوه (قِسًّا) مما يكشف اسباب خفض حرف القاف..
    ومن المعروف، أن القس ينذر العذرية عادةً، ولكن لا يستطيع بسهولة التخلّص من رجوليته او ذكوريته.. وقد يتعرّّض لكثير من الاحلام الجنسية والعاطفية المباغتة، التي قد تتركه في حالة من الصراع الذاتي والنفسي، بين الرغبات وبين الواجبات العقائدية.. فكيف يعشق وهو القس التقي، وهي تزوره في الاحلام وترميه بسحرها وجمالها الفتّان؟؟
      وطبعًا؟ سيعشق ويتلوّع كثيرًا، وينشد القصائد التي تعبّر عن مكنونات صدره، ويبقى في حالته الروحية الباطنية غير الجسدية..
    لعلّ تلك الحالة هي التي  البسته الاسم الذي يحمله، وغير مستبعد ان  تطلق عليه صفة من الصفات التي تناسبه، وتعبر به التاريخ حتى عصرنا، لذلك نرى ان الكنية (ابن الملوّح) ما هي في الأصل إلّا (الابن الملوّع) وهي لهجة مطابقة جدًّا للواقع.
    باختصار انه القس الملوّع بليلى العامريّة..
   فمن هي هذه الفتية الفاتنة؟
    انها ليليت الليلية الليلكية العربية التي اعتدل اسمها الى ليلى.. ولا شك انها سحرت الفتيان بجمالها اذ انها تحمل في اسمها معنى اللؤلؤ.. واللألأ واللألاء أي النور الذي كان يتلألأ في ظلمة الليالي..
    فاذا كان هو الملوّع فهي العامرية.. لماذا؟؟
    من المعروف ان البيت العامر بلغة  عربية فصحى هو البيت المأهول أي  المسكون ، ولقد  لجأ الراوي الى هذه المعاني من أجل ان يعمل على اضفاء التعبير اللازم الذي يوحي بان هذا الشخص مسكون بهذه الفتية الصبية، ونفس التعبير يعتمد   لسكن الجنيات أو الجان.. حتى ان الضبع أو ابن الضبع الذي قد يكون مخيفًا كالجن، فلم يطلق عليه تسمية (ام عامر) عبثــًا في القاموس العربي..
   
     وليس صدفة ان يكون معنى عمار هو الكثير الصلاة والصيام..  مما يشجعنا اكثر للتنقيب عن جذور الحدث..
    ولن يستغرق الامر طويلًا لان المعنى الموثّق بالقاموس  ان :  العُمّارُ : هم سكان البيوت من الجن..
   والعمار ايضًا قلنسوة توضع على الرأس .. مما يعني ان قيسًا القِسّ التقيّ كان يعتمر عمامة، امّّا هي الجنية، قد تكون إستظلت بغطاء الرأس او المظلة.. ومعنى العربي لكلمة (العامر) يشير الى واحدة من العوامر أي الحيّات، مع التوقف عند ما تحتمله أسباب إيراد واختيار الراوي لهذا الاسم.. لانه يذكّر بالانثى الاولى أي "حواء" هي التي استمعت الى اغراء الشيطان المطل من شجرة المعرفة واطعمت آدم من  ثمارها.. وهذا ما يورده سارد اسطورة ليليث الجنية.. ومحاولة ربطها بالحدث الآدمي..
  بل ان الحديث عن الحية يؤكد على صحة الترابط بين الحدث الآدمي و شخصية ليلى العامريّة..
   بعد كل ما ورد ذكره فلم نعد نفتقر الى الدلائل التي تؤكّد على أن الحدث يتوافق مع الاسطورة البابلية..
    أوّلها ان ليلى من الجنسية العراقية، وليست مريضة بل انها (ماردةٌ) من نفس اللهجة، ( اذ ان الحرفين الضاد والدال متقاربان)، وكلمة الماردة ما هي الّا من اسماء الجان.. والتمرّد ينسب الى نمرود البابلي.. فهل كان الشاعر العاشق يلمح ام أنه حقّــًا كان يعرّب الحدث، ام انه كان يقصد "ليليت" نفسها كما وصلته الحكاية وسمعها بلهجته العربية؟ هذا ما تستطيع ان تكشفه اللهجات العربية..
  وبالتالي، فان أعتمار الغطاء على الرأس والوجه هو تقليد بابلي، كما هو معروف تاريخيًا، ويختص بتلك النوعية من النسوة اللواتي ذكرتهن المسطورات.. 
    ولا بد من التوقّف عند اسم زوج ليلى، انه ورد بن محمد العقيلي، اذ أننا نلاحظ وجود اسم (العقيلي) قد أدرج في الحدث كمرادف لكلمة ( العقيل) أي الزوج.. الامر الذي لا نزال نعتمده حتى الآن كتعبير عن الزوج ( الذي يحتمل التذكير والتأنيث)، مما يجعلنا نزيد الشكوك بالحدث وواقعيته..
   بالاضافة الى ذلك، نرى ان اسم (ورد) يؤشّر الى أحد اسماء الاسد.. ولكن هو تعبير يطلق على من يرد الماء.. ولا ننسى مطلقًا انه النبات المزهر الجميل الذي يقدم في الأعراس وعقد القران وعقل الرباط، فهو اذًا لم يطلق الراوي عليه هذا الاسم عبثًا، لانه يخدم السيناريو المطلوب.. من هنا نقول ان اسمه يعبّر عن باقة (ورود الزواج)..
   ومن المعروف انه ليس القيس الوحيد في التاريخ، لانه هو أحد القيسين الشاعرين المتيمين والآخر هو "قيس بن ذريح" الذي اُطلق عليه لقبٌ قريبٌ وهو "مجنون لبنى" الذي يتوفّر ملفٌّ كامل عن حياته وعن نسبه وهو من سلالة على بن ابي طالب..الخ بعكس صاحبنا قيس العذري الذي لم يجد كاتب الحدث في الويكيبيديا غضاضة في قوله (المحتوى هنا ينقصه الاستشهاد بمصادر. يرجى إيراد مصادر موثوق بها. أي معلومات غير موثقة يمكن التشكيك بها وإزالتها).. مما يزيدنا شكًا بحقيقته الواقعية..
   وإذا اردنا التطرف، نذكر ابياته المذكورة عندما ساءل وردًا عن علاقته بليلي، كما يلي:
  "بربّك هل ضممت إليك ليلى
  قبيل الصبح أو قبلت فاها
  وهل رفّت عليك قرون ليلى
  رفيف الأقحوانة في نداها
  كأن قرنفلاً وسحيقَ مِسك
  وصوب الغانيات قد شملن فاها"
  في ضوء ذلك، فانّ تطرّفنا يجرّنا الى الانتباه الى سؤاله الذي يحدّد فيه فترة "قبل الصبح" وهي فترة الأحلام، (الليلكية حيث تقبل ليليت) مرفرفةً كرفيف الاقحوان (الاقتحام) بقرون (لهجة من قران واقتران) والقرنفل (ماهو إلّا تعبير عن قرن بعل أو قران بعل) مما يذكر بالتراث البعلي البابلي والمشرقي عمومًا.. و(المسك) هو أحد أفعال الاتصال.. وما هي غايته من إيراد صوب (الغانيات)؟ أليس ذلك تذكيرًا بالعاهرات؟ طبعًا، فهو لا يقصد المطربات المغنيات اللواتي كنّ في الماضي على غير ما هنّ في الحاضر..
                    الاستنتاج
                   """""""""
    ان كل ما مرّ معنا يؤكّد ان الحدث ما هو إلّا سيناريو عربي لاسطورة ليليت البابلية القديمة، التي تزور المراهقين في أحلامهم التي تتلوّن بألوان ليلكية أو وردية ( ورد بن العقيلي)، سيما وان الكتبة والابحاث لم تستطع ايجاد المعلومات الكافية حول حقيقة العاشقين، وما أسباب رفض تزويجهما إلّا محاولة لادخال عناصر درامية تتجنّب ذكر صفة بطلنا كأحد القساوسة الذين نذروا العفة وصارعوا رغباتهم المكبوتة التي ترجمتها الاحلام الباطنية بعشق ليلى (ليليت، ليلية)، حيث يقف القس في الطرف نقيض من الجنية، المخالفة للثقافة الدينية والأخلاقية..
   عدا ما بدا، فإنّ الاخبار التي سردت على لسان الرواة لم تورد مطلقًا ذكر مرض ليلى في العراق التي قد تحتاج الى طبيب مداوٍ.. فما ذلك الّا عملية رمزية ملفتة للنظر في ذاك العصر..

    الأسباب السياسية:
   من هنا يجب ان تذهب الشكوك باتجاهات أكثر وضوحًا، إذا اعتبرنا ان ليلى العراقية ما هي إلّا رمزٌ للشعب العراقي والأمة العراقية، والانثى عادةً هي الرمز.. فاذا وجد الشاعر علّة مرضية في جسد هذا الشعب، فلأنّه يحاول التورية والترميز حول الأوضاع الاجتماعية، ضد الخلافة آنذاك.. مما يعني ان الحديث يجرنا لتسديد الاتهام للحركات الباطنية المعارضة والتي أغلبها كانت حركاتٍ فارسية مناهضة للسلطات.. تلجأ للتخّفي خلف الرموز هربًا من عيون وآذان أعيان الحكم القائم، وتضليل اركانه..
   واذا، أقبلنا نحو عصرنا الراهن، نجد في الرمز شرعية حقيقية، لانّه فعلًا صارت ليلى رمز الأمة العراقية العريقة، مريضةً حقًا، على يد من تمنى في الماضي ان يكون طبيبها المداويَ..
   
   ومن جهة أخرى، فمهما زادت القصائد التي تتغنّى بليلى لا يدلّ ذلك إلّا على تراث عريق (من جذر العراق الراقي) ولا يجوز حصره بشاعر واحد، بل قد يلجأ كل  واحد منهم على التغزّل بليلى كرمزٍ راسخ في الوجدان الشعبي والشبابي، وقد يستمر الى عصرنا الراهن دون منازع، فليس كل من ذكر ليلى هو عاشقها الحقيقي.. رغم كونه عاشقًا ملوّعًا (ملوحًا) لاحت على محيّاه تقاسيم الشغف والحبّ..
  ازاء ذلك،
  لن تكون ليليت هي الفريدة 
  لن تكون ليلى هي الوحيدة
  لن تكون عشتار، واناة و عناة، وفينوس..
  لن تكون أفروديت هي الفريدة
  فلكلّ شعب جنيته
  ولكل مراهق أحلامه
  ومن الواضح لم تكن ليلى هي المريضة بل ان عشاقها هم المرضى الحقيقيون..
  فهل ننسى "ميمونة" ككنية أخرى لتلك الجنية العربية الباقية  بامتياز في ثقافة بعض الشرقيين؟!؟!؟

      دلائل أخرى
     ----------
    قد نجد في تراثنا الأدبي، دلائل أخرى على استخدام الرمز الليليّ، في اتجاهات متنوّعة، مما يدلّ على عدم واقعيته، ذلك لانّ ليلى لم تكن عراقية، بل كانت في احدى القصائد حبشية سوداء.. مما يؤشّر الى تعدّد هؤلاء الشعراء العشاق، الذين وجدوا في ليلى رمزهم المناسب.. مثال تلك الأبيات الغنائية التالية:
    [عشقتك يا ليلى وأنت صغيرة ... 
    وأنا ابن سبع ما بلغت الثمانيا 
    يقولون ليلى في العراق مريضة ... 
    ألا ليتني كنت الطبيب المداويا 
    و قالوا عنك سوداء حبشية .... 
    ولولا سواد المسك ما انباع غاليا 
    وفي السمر معنى لو علمت بيانه .... 
    لما نظرت عيناك بيضاً ولا حمرا]

   ولم يغفل الطرب الأصيل المعاصر تلك الأبيات الايقاعية الغنائية، فراحت تحلّق في أجواء المسارح بأجمل الأصوات والألحان، تصدح بها حنجرة فيروز بصوتها الخالد، كما يلي:
 [أعد الليالي ليلة بعد ليلة .. 
 وقد عشت دهرا لا أعد اللياليا
 وأخرج من بين البيوت لعلني .. 
 أحدث عنك النفس بالليل خاليا
 تراني إذا صليت يممت نحوها .. 
 بوجهي وإن كان المصلى ورائيا
 أصلي فلا أدري إذا ما ذكرتها .. 
 أإثنين صليت العشا أم ثمانيا
 وما بي إشراك ٌ ولكن أحبها .. 
 وعظم الهوى اعيا الطبيب المداويا 
 أحب من الأسماء ما وافق آسمها .. 
 وأشبهه أو كان منه مدانيا]
   ونلاحظ بوضوح تلك العلاقة بين ليلى والليل، وبوضوح أكثر أن المرض الحقيقي هو لدى الشاعر العاشق وليس لدى المعشوقة.. لان ليلى التاريخية، إذا صحّ الحدث، كانت معقولة مع "العقيلي" تطوف في الطائف، بعيدًا عن العراق..
   لذلك، نرى بكثير من التأكيد أن الحدث أيّاه ما هو إلّا حدثٌ افتراضي، وان قيس هو رمزٌ يشمل كل القساوسة الذين نذروا العذرية وعانوا ما عانوا وصارعوا عذريتهم، وضحّوا بغريزتهم الجنسية وقاوموها في سبيل الحرص على نذورهم..
   وبالمقابل، ان ليلى ما هي إلّا الرمز الانثوي الذي يغري الذكور، ويدخلهم بالخطيئة، ولم يجد الراوي أفضل من الاستعانة بالرمز المناسب وهي الجنية (ليليت) التي تعمل على اغراء المراهقين وتجرّهم الى الدعارة التي كانت (مقدّسةً) في التراث البابلي، والفينيقي، وانتشر في كل الشرق، قبل وضع القيود على العلاقة الجنسية، وتقنينها ضمن شروط أخلاقية جديدة وفروض دينية محكمة، مع انتقال المجتمع الرعوي الى العلاقات الزراعية، حرصًا على الملكيات.. ( ذلك على سبيل المثال لا الحصر).. من هنا أنفي ان تكون القصائد المنسوبة الى قيس الملوّع تعود الى شخصٍ واحد..
   ولان ليليت هي الرمز، فقد صارت موضع اهتمام العشاق والشعراء، وصار كلٌ منهم ينسب عواطفه الجياشة الى (ليلى) العامرية (التي تعني جنية) بلهجة عربية كما قلنا.. ولكن كان احدهم يقصد انثاه وحبيبته.. وتوارثنا جميعًا الحدث عبر الزمن، وصار أبرز هتافاتنا لدى التعبير عن الطرب والاعجاب: يا ليل يا عين..  والليل ما هو إلّا لهجة من ليليت كما قلنا هي اللألأ الليلي في ظلمة الليالي.. 
    *** وهكذا، نشير الى الامكانيات التي تستطيع ان تقدّمها الفيلولوجيا العربية..
   وهكذا، أيضًا يجب أن نقرأ كتاب المفكّر "صادق جلال العظم" عن " الحب والحبّ العذري"..
     

الجمعة، 26 فبراير 2016

الورق ذلك الاقنوم

1@@
الورق ذاك الأقنوم
يمضي..
فهل يعود؟
يترك خلفه ذكرياتٍ  ذكرياتٍ
بل تواريخ.. بل عقود.. بل عهود..
والقلم.. ذاك الأقنوم
شذّب وهذّب من غصن خصبٍ
اقنوم مقدّسٌ
تحطّم وأصبح ذكرى
أخلى المكان للمس والنقر
أخلى.. للرقم والضوء والظلّ
كان قد تنوّع وتلوّن واحتلَّ الجيوب
وبيّض الهدايا والهادي..
تحجّم وتوازن واعتدلَ وركن في المحافظ
لم يكن محافظًا.. بل كان ثورة وتغييرًا. 


2@@
.. والحبر ذلك الحَبر الأعظم
الحبر المقدّس..
أوحى لنا باللون والشكل
حطّ على الصفحات والغلافات والأنسجة
واكتُفيَ بما قدّم وخدم..
مشكورًا ميمونًا..
فقد ساد الضوء.. أحتلّ مكانه ومكانتَه..
..ذلك لإنّ لاشيءَ تقدّسَ أبدًا ولا شيء تنجّس أبدًا..
وهذا الثالوث
قرطاس.. قلم.. حبرٌ
طالما كان في موضع القداسة
بل هو الذي قدّس.. وهو الذي نجّس
هو الذي نجّى.. ونجحَ.. ورجحَ
ها هو يمضي..
سيبقى أثرًا عميقًا..
لن يزول بهوانٍ
لانّ صورةً ضوئيةً رقميةً 
غير جاحدة صارت الحافظة
إنه الديجيتال..!


3@@
انه الديجيتال
يخوض.. بدوره ثورته..
ثورة.. كان قد أنجزها الثالوث ايّاه..
ورق وأقلام ومداد حبرٍ
الآن.. ثورة الازاحة..
ألم يزح الورقُ الحجر؟؟
تلك حال الدنيا
بين السابقين واللاحقين
هؤلاء يخلون المكان لأولئك..
والأجداد يجدّون طويلاً
يغرسون بذورهم وجذورهم
والأبناء يبنون ويستجدّون..
وتركةُ الورقِ لمسٌ ونقرٌ
وقد كثر الكافرون به..
والجاحدون كفروا وتكاثروا..
واللافظون زاد لفظهم
واللاغون ألغوه..
وصدحت لغة الإلغاء..
وأسرع الصغار في دفن الكبار
والدفن إكرامٌ
ولا يبقى سوى ذكرى وفاء ووفاة.!!

الورقة.. ما هذا الإختراع العظيم! 
كأنّنا أمام خير إختراع قاطبة
تمسح بها.. وترمى مع المهملات
تجفّف يديك
تمسح فمك
تلفّ طعامك
تغلّف هداياك
الرخيصة والثمينة
حتى الماس والذهب
ثمّ تلملم نفاياتك
تودعها في عهدة المنظّف..

وتلك التي تسمى ورقة هي نفسها التي كتبت عليها كلّ ما أحببت.. وكلّ ما كرهت.. هي فروضك المدرسية.. رسوماتك الحميمة.. هي مواضيعك الإنشائية.. هي إبداعاتك ومهاراتك..وذكريات مراهقتك.. وشهادتك.. مسابقات واختبارات ونجاحاتك..
هي كتابك.. وكتبك في كلّ اللغات.. ورسوماتها.. وتمارينها في كلّ المواد الدراسية.. هي قصصك التي أحببت.. وأطلعت.. هي مكتبتك إذا عشقت الكتاب.. ودفترك الحافظ أرقامك وأرقام أحبابك.. 

أتدري؟ إن كتابك المقدّس أوراق.. وكتاب صلواتك وتفسيراتها ملفّات ورقية.. أتدري؟ أن عقودك أوراق.. وأملاكك.. وأموالك.. وعملتك الوطنية.. والصعبة.. المحفوظة.. المحجوزة والمصروفة..
 أتدري أيها الانسان أن إختراعاتك صممّت على الورق.. وآلاتك.. والسيارات والطيارات والقطارات والصواريخ وضعت على صفحاتها أوّلًا..
كم عظيم أيّها الورق!!
بورك صانعك
بورك إملاؤك
نستودعك بأمان
 انجزت ما عليك
واكتفت البشرية من خدماتك
لقد خلّفت.. ومن خلّف ما مات!!

الورق اقنوم

1@@
الورق ذاك الأقنوم
يمضي..
فهل يعود؟
يترك خلفه ذكرياتٍ  ذكرياتٍ
بل تواريخ.. بل عقود.. بل عهود..
والقلم.. ذاك الأقنوم
شذّب وهذّب من غصن خصبٍ
اقنوم مقدّسٌ
تحطّم وأصبح ذكرى
أخلى المكان للمس والنقر
أخلى.. للرقم والضوء والظلّ
كان قد تنوّع وتلوّن واحتلَّ الجيوب
وبيّض الهدايا والهادي..
تحجّم وتوازن واعتدلَ وركن في المحافظ
لم يكن محافظًا.. بل كان ثورة وتغييرًا.


2@@
.. والحبر ذلك الحَبر الأعظم
الحبر المقدّس..
أوحى لنا باللون والشكل
حطّ على الصفحات والغلافات والأنسجة
واكتُفيَ بما قدّم وخدم..
مشكورًا ميمونًا..
فقد ساد الضوء.. أحتلّ مكانه ومكانتَه..
..ذلك لإنّ لاشيءَ تقدّسَ أبدًا ولا شيء تنجّس أبدًا..
وهذا الثالوث
قرطاس.. قلم.. حبرٌ
طالما كان في موضع القداسة
بل هو الذي قدّس.. وهو الذي نجّس
هو الذي نجّى.. ونجحَ.. ورجحَ
ها هو يمضي..
سيبقى أثرًا عميقًا..
لن يزول بهوانٍ
لانّ صورةً ضوئيةً رقميةً
غير جاحدة صارت الحافظة
إنه الديجيتال..!


3@@
انه الديجيتال
يخوض.. بدوره ثورته..
ثورة.. كان قد أنجزها الثالوث ايّاه..
ورق وأقلام ومداد حبرٍ
الآن.. ثورة الازاحة..
ألم يزح الورقُ الحجر؟؟
تلك حال الدنيا
بين السابقين واللاحقين
هؤلاء يخلون المكان لأولئك..
والأجداد يجدّون طويلاً
يغرسون بذورهم وجذورهم
والأبناء يبنون ويستجدّون..
وتركةُ الورقِ لمسٌ ونقرٌ
وقد كثر الكافرون به..
والجاحدون كفروا وتكاثروا..
واللافظون زاد لفظهم
واللاغون ألغوه..
وصدحت لغة الإلغاء..
وأسرع الصغار في دفن الكبار
والدفن إكرامٌ
ولا يبقى سوى ذكرى وفاء ووفاة.!!

الورقة.. ما هذا الإختراع العظيم!
كأنّنا أمام خير إختراع قاطبة
تمسح بها.. وترمى مع المهملات
تجفّف يديك
تمسح فمك
تلفّ طعامك
تغلّف هداياك
الرخيصة والثمينة
حتى الماس والذهب
ثمّ تلملم نفاياتك
تودعها في عهدة المنظّف..

وتلك التي تسمى ورقة هي نفسها التي كتبت عليها كلّ ما أحببت.. وكلّ ما كرهت.. هي فروضك المدرسية.. رسوماتك الحميمة.. هي مواضيعك الإنشائية.. هي إبداعاتك ومهاراتك..وذكريات مراهقتك.. وشهادتك.. مسابقات واختبارات ونجاحاتك..
هي كتابك.. وكتبك في كلّ اللغات.. ورسوماتها.. وتمارينها في كلّ المواد الدراسية.. هي قصصك التي أحببت.. وأطلعت.. هي مكتبتك إذا عشقت الكتاب.. ودفترك الحافظ أرقامك وأرقام أحبابك..

أتدري؟ إن كتابك المقدّس أوراق.. وكتاب صلواتك وتفسيراتها ملفّات ورقية.. أتدري؟ أن عقودك أوراق.. وأملاكك.. وأموالك.. وعملتك الوطنية.. والصعبة.. المحفوظة.. المحجوزة والمصروفة..
 أتدري أيها الانسان أن إختراعاتك صممّت على الورق.. وآلاتك.. والسيارات والطيارات والقطارات والصواريخ وضعت على صفحاتها أوّلًا..
كم عظيم أيّها الورق!!
بورك صانعك
بورك إملاؤك
نستودعك بأمان
 انجزت ما عليك
واكتفت البشرية من خدماتك
لقد خلّفت.. ومن خلّف ما مات!!

الأربعاء، 24 فبراير 2016

البنطلون الممزّق

                   قصة البنطلون الممزّق
                 
   ما يلفت النظر والانتباه في هذا العصر، انتشارالسراويل الممزقة والخلفية الهابطة، دون أي عامل من عوامل الذوق والفن، خروجًا عن اللياقة والأناقة والاحترام للبصر والنظر لمن عنده نظر.. وخلافًا للمعهود وحتى للراحة في ارتداء الملابس المسهّلة للحركة والليونة.. وصولًا لتشويه الشكل وتقاسيم الجسم اللازمة  لابراز الحسن  والجمال اللذين اعتاد الناظر على تقويم المشهد الجسدي والتمييز بين التناسق والتضارب.. بين القباحة والملاحة..
 
   فالخلفية البارزة صارت كالخلفية الثقافية ساقطة هابطة تخرّب المؤخّرات واشكالها المفترضة وتكشف اللحوم والشحوم المتدلاة نافرة تحت قمصان منحرفة.. وبطون بارزة فوق أحزمة تتحدى توجيهات زاعمي ازالة الكروش من الواجهات..

   ليس ذلك فحسب.. جينزات فقدت ألوانها تمزّقت بعنف الرفض الأبدي الذي يهيج المراهق المرهق لاسقاط كل نسيج في وجهه، حتى اذا ما وجد شيئـًا يسقطه اسقط ذاته بذاته.. والخروق ليست للسترة بل لاسقاط الاتساق.. والدرزات ليست للَدْمِ التفاصيل، بل لفتق العقل والعقد وفك الربط والرباط.. واسدال النطاق.. وافلات الأزرار.. وافتعال التمرّد والتسيّب.. بدون غاية ولا هدف.. كمن يناطح العجول والعجول تأبى النطاح..
   ليس التحدي لهؤلاء الذين صنعوا الأزياء.. لأن المصممين هم من ابدعوا هذه البدعات.. هم صنعوا التمزيق والخرق.. هم من قاموا سابقًا بتلطيخ السراويل بدهانات والوان ليست منها.. بدا لابسها ملبوسًا بعمل المصانع والزيوت حيث لا علاقة له بها..

                 الاسباب غير ملائمة
                 -----------------
   نعم كل ما تقدم ليس من شيم لابسي الملابس الملبوسين.. لان الزيّ الأصلي  لم يكن للعامة انه لفئة محدّدة من الناس..
   ان هذه الأزياء قام بإفتعالها عمال المصانع الضخمة ذات الأعداد الكبيرة من الأيدي العاملة المسحوقة تحت نير الحاجة للعمل ومواجهة البطالة ومواجهة مجتمع الاستهلاك الذي كان يتطلّب منهم مجاراة انماط عيش الطبقة العليا من المجتمع.. التي تحتقر وسائل الانتاج وتتمركز بأياديها الرساميل الضخمة.. وتتحكّم بمصائر البشر والثقافة والفنون والعلوم والتكنولوجيا والتربية والقضاء والسياسة والاقتصاد والمستقبل واتجاهات التطور..

   كل ذلك دفع بالفئات العمالية المسحوقة الى التمرّد على انماط العيش التي تفرض عليها من فوق.. وتكلّفها انفاق المبالغ الطائلة من مداخيلها المحدودة في عملية التجاوب مع متطلبات مجاراة الدعايات والاعلانات والثقافة التضليلية التي تطبخ لدى الأئمّة من عتاة الطبقة الحاكمة.. حتى وصل الأمر بالعمال على رفض أزيائهاوأطقمها وياقاتها ولياقاتها وألوانها وتصاميمها واكتفوا بما ارتدوه من سراويل العمل وقمصان الشغل.. بكلّ ما تحمله  من  زيوت ودهان وخروق وتمزق وتفتّق..

   ليس ذلك فقط، بل أخذ الرفض يتجه ضد فنون الطبقة المتحكمة فراح عمال المؤسسات الصناعية يسقطون أغانيها ويؤلّفون ألحانهم الشعبية المناسبة.. أعتمدوا على آلاتهم الموسيقية المحمولة من غيتار وهرمونيكا واستغنوا عن الآلات الالكترونية الضخمة والفرق الموسيقية المتخصصة ورقص الصالونات.. وتجنّبوا المسارح وأقاموا تجمعاتهم في الحدائق والهايد بارك وأطلقوا العنان لثقافة جديدة حرّة وحطموا الكثير من التقاليد.. وكسّروا الاسطوانات المنتجة في كبرى استديوهات التسجيل.. كما حطّموا كادرات اللوحات الفنية ورسموا على الألواح الخشبية وعلى الجدران والصفائح المعدنية المجعّدة وعلى كلّ ما تطال أيديهم.. وتناولوا المواضيع المحدثة المخالفة للنمطية المنتشرة عبر الزمن..

   ولم يكتفوا بذلك، ولان للانسان شعرًا ومشاعر.. فقدنفشوه ورفعوه وأسدلوه وقصّوه دون تنسيق.. أطالوه دون ترتيب.. بل نزعوه وحلقوه من جذوره.. الخ.. متخلّين عن المزينين وصالاتهم الفاخرة الغالية.. وأطلقوا اللحى والشنبات..

   ولعل تلك الحركات الشبابية والطلابية، وفي الاساس العمالية.. كانت وراء أطلاق مجموعات الهيبيز والبيتيليز.. ورفعوا شعارات السلام، والحبّ، والغاء التمييز العنصري بين البيض والسود وسائر القوميّات الأخرى من مختلف الشعوب المهاجرة النازحة باتجاه دول المركز.. سيما بعد اكتشافهم المصلحة الطبقية الواحدة التي تجمعهم بمواجهة طبقة مستثمرة واضعة يدها على مقدرا ت البلاد من مختلف الجوانب.. فاستفادوا من ثقافة ابناء الشعوب المهاجرين المقيمين، مزيلين الحواجز المفتعلة التي كانت تقيّد تواصلهم.. وتقسمهم خلف متاريس عنصرية وهمية..

           ماذا جرى بعد ذلك؟؟
           
    الٌا ان الاحتكارات التي وجدت  نفسها خاسرة من تلك الاجراءات التي اتخذتها الطبقة العاملة الاميريكية  وفي سائر الدول الصناعية الكبرى.. والتي كانت عاجزة عن رفع شعارات الاشتراكية بسبب الصراع العالمي بين القطبين .. فلقد لجأت الاحتكارات الى اتهام الحركات الشبابية والطلابية بالشيوعية.. وباليسار الدولي أوّل الأمر.. وبالمقابل لم يجد المتمرّدون إلّا اللجوء الى الاتجاهات السلمية واللاعنفية مثل المهاتما غاندي.. بالاضافة الى رفع صور تشي غيفارا.. حت وصلت الى التوباماروس..

    ساهم بهذه الحركات في الماضي الأزمات التي عانت منها الولايات المتحدة من جراء استمرارها بالحرب ضد الفييتنام .. مما عزز النهج الرافض بالانخراط بالاعمال العسكرية..  وسجّل التاريخ هروب اعداد كبيرة من التجنيد العسكري وانضمامهم الى فئات المتمرّدين الرافضين لكل أساليب السلطة وسياستها التوسعية العسكرية ولسياستها الاقتصادية..
     
                    الذكاء الرأسمالي
                      
    لأن البورجوازية لا ينقصها الذكاء( عفوًا من اعتماد التسمية القديمة البورجوازية) فقد لجأت الى أساليب أكثر تطوّرًا في استعادة ارباحها المهدورة من جراء تحطيم الانماط السابقة.. طالما ان كلّ الحركات الشبابية والطلابية والعمالية غير قادرة على التأثير في بنية النظام الأميركي الأساسية فعمدت الى ايقاعهم في فخاخها..عندما لم تستطع ان تواجهها.. فلجأت الى امتصاص الثقافة الجديدة التي باتت أوسع انتشارًا..
   راحت كبرى الاستديوهات تسجّل وتنشر أغاني الشبيبة والطلاب ومؤلّفاتهم الموسيقية كما هي.. بل تشجعها وتدعمها ماليًا وتغري بالشهرة والغنى والشعبية والحشود عبر مدراء ورجال أعمال هامين راحوا يوظفون الأموال الطائلة قي مشاريع استثمارية ناجحة توفّرت لها الأرضية الدعائية الواقعية السهلة..

   وراح الرأسماليون الأميركيون وسواهم، يصنعون كل مستلزمات هذه الحركات.. فصارت تصنّع بكثافة الآلات الموسيقية من الغيتار غير الالكتروني والهرمونيكا والطبلات المتنوعة الأنغام والايقاعية المخالفة للموسيقى النمطية والتي تعتمد على الالحان الافريقية تارةً وتارةً على الانغام اللاتينية والمكسيكية..بل لم تترك مجالاً واسعًا لم تسدّه باحتضان تلك الحركات الشبابية .. بل وجدت القدرة على الاستفادة المادية من تشجيعها..

   ولم تتوقف عن توظيف أزيائهم في خدمة احتكاراتها.. فراحت مصانعها تنشر الجينزات الملطخة بألوان مختلف انواع الدهانات وزيوت المصانع التي كان العمال في الاساس يشكون منها..
   هذه كانت الاجراءات الاولية.. قبل اللجوء الى تمزيق البنطلونات وعرضها في اسواق الاستهلاك العامّة.. بل ابتدعت هي الكتابة على القمصان واطلاق الشعارات أحيانًا السلمية والثقافة الهندية وغيرها مما لا تستثير أي شغب أو فوضى أو ثورة ضد النظام.. فهي لا تتعدّى الرفض السلبي..

   بل وجدت تلك الطبقة الذكية الأرض الخصبة لغزو سلعها الاستهلاكية في اسواق العالم النامي والرأسمالي.. مستفيدة آن ذاك من حالات التململ في أوساط العامة بسبب هزائمها في الفييتنام والنقمة العالمية على استمرار سياستها العسكرية في العالم.. فاستنجدت بالفلسفات الوجودية واللاأدرية والعبثية والفوضوية والحركات الانقسامية في الفكر الفلسفي الماركسي اللينيني الذي كان بدوره يعاني من ازمته الايديولوجية. . بالاضافة الى تشجيع الفئوية مقابل الطبقية، وتشجيع الطلاب مقابل العمال، تشجيع النساء مقابل الذكور، تشجيع الحرية الفردية مقابل الحرية الاجتماعية.. كل ذلك لمسناه ولمسه جيلنا لمس اليد في حينه وخاصة في وطننا العربي الذي كان يعاني ما يعانيه في الصراع العربي الصهيوني، ونتائج الهزائم والنكسات المتتالية..


                        النتيجة
                        ------
   ان هذا التقليد الذي يسود مجتمعنا لا اساس واقعيـّـًا له  فهو له ظروفه الخارجية التي عرضناها.. ولا تخدم الجانب الجمالي البشري ويخالف ابسط قواعد التقسيم الجسدي للانثى أو الذكر.. والحديث ليس له علاقة لا بالتحرر ولا بالانفتاح ولا بالدين ولا برفض الدين أو التمرد عليه.. فالقضية ذوقية وبصرية.. فالجينز وسائر السراويل التقليدية أكثر جمالية للمرأة.. وأكثر راحة للرجل وخاصة العامل الذي بات يتفركش بسرواله كلما هم بشدّ برغي أوحمل خشبة.. أو فرشاة.. فلنتعظ!!!

    قصة البنطلون الممزّق بعد ١١أيلول
    *********************************
   .. طبعًا هناك قاسم مشتركٌ بين حالة الجينز قبل ١١أيلول وبعده.. حيث كانت المحطة الضاجّة التي أصمّت العالم والتي عبّرت عن واقع جديد يعيشه العالم وعن إنقلاب في ميزان القوى العالمي لصالح الإستثمارات الأميركية العاملة في الخارج.. طالما كانت تسعى للسيطرة على الداخل الأميركي وتوظيفه في خدمة مصالحها.. وصار من الواضح دخول البشرية في مرحلة جديدة  من تاريخها.. وبقيت آفاق التطوّر المنتظرة مجهولة المصير..

   القاسم المشترك هو تشويه هذا الزيّ التقليدي في التراث النمطي.. ولكن كان، قبل، يعبر عن نقمة شعبية واسعة ضد المجتمع الإستهلاكي الذي يخنق العاملين والعاملات كما سبق وقلنا.. ولم يتعدّ في أغلب الأحيان التلطيخ المتعمّد بالدهان.. فيما لم يجرِ  تحويله الى جينز ممزّق الاّ في العقد الأخير.. ولاقى ترحيبًا عالميّـًا من قبل أوساط واسعة من مختلف الأوساط والفئات وفي مختلف أقطار الأرض.. وليس من قبل فئة الشبيبة فحسب.. وليس من قبل العمّال فقط.. بل من قبل علية القوم وسائر الأعراق والقوميّات والأديان.. وليس صدفة أن جاء الأمر مواكبًا للتطوّرات الأمنية العالمية والتحولات السياسية..
   نذكر ذلك دون غضّ النظر عن الترويج الأعلامي للشركات الإحتكارية ومصممي الأزياء.. مع الجزم بأن هذا الزيّ  المنزلق عن المؤخرّات النسائية والرجالية لا يمكن أن يوجد أكثر منه تشويهًا للذوق البشري وللجسم الانساني وخاصةً الانثوي.. مما يفسّر أن القضية ليست لها علاقة مباشرة بالإغراء الجنسي بل لأغراض أخرى.. أبرزها:
     شعور عام وإحساس باطني بسقوط عصرٍ والدخول في عصرٍ جديدٍ  من الأنماط  والعلاقات الإقتصادية التي تسعى الى قيادته تلك الاستثمارات الخارجية وبالتالي تعمل على تمزيق الرمز النمطي العريق المتمثّل بالجينز الأزرق..
    شعور عام بأن الحفاظ على الأنماط القديمة لم يعد يجدِ نفعًا الأمر، الذي يلقى دفعًا ودعمًا من قبل الشركات المتعدّدة الجنسيّات التي تسعى للتحكّم بالداخل الأميركي الذي كان منذ أقل من عقدين هو الأقوى في إملاء سياسته على ميزان القوى العالمي..
   هذا ما نلاحظه في الفرق بين جورج بوش الأب وبوش الأبن..
   قال الأب منذ عشرين سنة وفي وسط اتحاد الدول الصناعية الأسيوية السبع الناهضة وعلنًا: إن عدوّنا الرئيسيّ في العالم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي هو اليابان..!!
   وفيما كان الصراع بين أميركان الداخل والخارج محتدمًا.. جاء التطور التكنولوجي والتحوّلات في سقوط المنظومة الاشتراكية.. ليصبّ في مصلحة الاسراع في حسم الموقف وتوحيد الجهود ضد السياسة الأميركية القديمة.. التي تجمّعت ضدّها الأحقاد المتراكمة  منذ عقود طويلة.. الى درجة أن بوش الأبن لم يفز إلاّ بشروط هذه الشركات التي عدّلت من التوازن في الأصوات الانتخابية.. وضعته على خلاف مع ما كان يريده بوش الأب.. وجرت كل تلك الحروب من جراء الانفجارات التي تردّد صداها في تفجير البرجين في ١١أيلول وفي مختلف أنحاء العالم..!!
---------------------
    فإذا كان البنطلون الممزّق في الماضي تعبيرًا عن تمرّد ضد الاحتكارات والاستهلاك .. فإنّه اليوم تعبير عن التعجيل في اسقاط  النظام القديم ولكن لمصلحة قوى أكثر إجرامًا وشراسة لقيادة العالم الذي يزداد تحوّله الى قرية صغيرة في قبضة التكنولوجية الرقمية الموضوعة في جيب بنطلون جينز ممزّق..
   فما هي المصلحة المحلية في ذلك يا ترى؟
   

الاثنين، 22 فبراير 2016

قصة بكتريا الحب

بكتريا الحب

قصة قصيرة:
    بكتريا الحبّ
   **************
   لم يقلْ أحدٌ أن للحبّ  نوعًا من أنواع البكتريا السائدة في الكرة الأرضية..سابقًا، قيل.. منه المفيد ومنه الضارّ..
  قيل لا يمكن للإنسان الإستغناء عن بعضٍ منه ..
  قيل هو المسبب لانتشار الامراض والأوبئة..
  قيل من أنواعه ما يعيش في جوف الحرارة العالية..
  في فوهات البراكين قريبًا من الحمم المنصهرة..
  قيل من أنواعه ما يتكاثر حتّى في جليدالمحيط المتجمّد..
  قيل من أنواعه ما يعيش على الاوكسيجين، أو بدون أوكسيجين
  يعيش في طبقة الاتموسفير وفي الفضاء الخارجي..
  قيل يحيط بنا يرافقنا طوال حياتنا لا يفارقنا نتنفسه نأكله
  قد ندري أو لا ندري.. ينام معنا وبيننا
  قيل نرضع أول بكترياتنا مع حليب الأم.. ويرافقنا اينما ذهبنا
  يرافقنا كيفما توجّهنا رفيقًا رفيقًا غير ثقيلٍ
  إذًا هو الذي ينسج علاقةً وثيقةً بين الأم ووليدها
  تبدأ العلاقة البكتيرية من رحم الرحمة الى جدث الرحمة
  ينسج هذا المخلوق راحةً بينهما فور التقارب بينهما
  كأنما جينات هذا المخلوق مشتركة بين الكائنين الوالدين والوليد...

  ...قيل حياة هذا المخلوق قصيرة.. ولكن..!
  قيل وهبته الطبيعة قدرة عظيمة على البقاء
  قيل وهبته الطبيعة قدرة عظيمة على التكيّف
  قيل يتكاثر بسرعة هائلة وبكميّات هائلة
  قيل يقفز قفزات نوعية وجينية سريعة
  قيل أكثر كائن يكتسب المواصفات الجديدة
  قيل في لحظات قليلة ينسل انسالًا جديدة
  قيل حسب البيئة يستولد أجيالًا لهذه البيئة
  قيل ما التقى اثنان إلّا وكانت البكتريا بينهما..!

  قال لذلك أحبّ أمي بل استريح الى جانبها
  قال أحبّ أصدقائي استريح الى جانبهم
  وتوقّف صاحبنا مفكّرًا.. همسَ  لذاته  (ايه)
  ضرب كفّــًا بكفٍّ !؟
  اذًا هذا ما نشعره كلما تقاربنا
  اذًا لا نشعر نفس الشعور مع غريب
  اذًا يحيط بنا دافع يحول دون التنائي
  اذًايحفّزنا للتلاقي
  اذًا يدفعنا للشوق واللهفة
  اذًا البعاد حارقٌ وجرعةُ بكتريا ملطّفةٌ
  قالت لاارتضي النأيَ عنك
  استريح بين يديك على صدرك
  اجهل الأسباب التي توثّقني بك
  اشتاق بسرعة للقياكَ
  ما لي عاجزة عن استبدالكَ
  اعتدتُ عليكَ حبيبي
  قال لا شفاء لي من هذا الداء
  قال لا علاج في البيْن
  أحبك حتى الوفاة
  انتِ دائي ودوائي
  أنتِ الحيوي والمضاد الحيويّ
  هذا ما لا مناعة مكتسبة منه..!

  حالت الظروف بينهما.. عاشقان منذ الطفولة
  تربّيا معًا.. الأيّام قاسية.. والأهل تحوّلوا عن الجيرة
  ناحا كعاشقين بل هما عاشقان حقّــًا
  توادعا.. انفصلا بعد لأيٍ وطول ابطاء
  انهما ديما وديموس
  سُمّيا نفس التسمية
  أتراب جيران أهل وأصحاب
  بكاء وسهر الليالي وقلق الفراق
  رسائل واتصالات
  أوراق من أثر الحبيب..
  ضعف وهنٌ وهذالٌ
  ارضاء واسترضاء
  اغراءات واجراءات
  ترغيب وترهيب
  اقناع وتشجيع
  ما بقي الّا طبيب وحكيم
  أحدهما للوصفات والثاني للحكمة
  قال لا شيء يستدعي الاستئصال
  قال الآخر لا علاج للعشق
  وداوها بالتي كانت هي الداء
  عُرِضا على مشايخ
  منهم من قال ما التقى اثنان إلٌا وكان بينها
  لم ينبث باسمه
  والعلاج بالصلاة والصوم..!
 
  ..قيل اسأل مجرّب ولا تسأل حكيم
  قال المجرّب: لا علاج لهذين الاّ على قاعدة..
  وداوِها بالتي كانت هي الداء
  سُئل كيف.. أجاب نحن السابقين وهما اللاحقَين
  سُئل كيف أصبنا كلّنا بما أُصيبا
  يا اخوتي تلك البكتريا تتكيف بسرعة
  كلّ الأدوية تصبح من الماضي بعد اول جرعة
  سُئل والحلّ
  ابتسم كمن حقّق انجازًا عظيمًا
  ابتسم كعاشقٍ يستعد للقاء الحبيب
  كادت تدمع عيناه من فرط السنين َ
  لكليهما جرعة من حبّ الحبيب
  كيف؟ والجواب حاضر:
  الحاجة سريعًا لبكتريا الحبّ
  اعملوا على تبادل الألبسة
  دون غسيل دون كوي..
  دمعت عيناه مد ّيديه تأبّط قميصًا معلّقًا
  قرّبه الى صدره الى وجهه
  مرغه بالكفين تنشق وتنشق وتنشق
  مسح دموعًا حارّةً بذاك القميص
  وقال وصفتَه: في البداية ثلات جرعات في اليوم
  تتناقص الى أن يقضيَ أمرًا كان مفعولا..

  .. بعد فشل كل التعاويذ
  بعد سقوط كل محاولات السحرة
  بعد كلّ الرُقى  والصلوات
  أزعن أولياء الأمر لتجربةِ وصفة المجرّب
  إذ لا حلّ بالعودةح للتقارب
  حيث الظروف قاهرة..
  وجدوا الطريقة والقناعة بتبادل القمصان
  غير مغسولة وغير مكوية
  وأقسم أولياء الأمر على تزويجهما في حينه
  اطمأنّ الاثنان  واتفقا على النجاح
  راحت ديما تتخصّص بالبيولوجيا
  راح ديموس يتخصّص بالمعلوماتية
  وضعا نصب أعينهما هدفًا قلّ نظيره
  وما يزالان يعملان على تحقيقه
  هو ( أيجاد بكتريا الحبّ رقميّــًا عبر الانترنيت)
  قالا: بكتريا الحبّ سيقضي على الفيروس الالكتروني..
  ***********************************************

بكتريا الحب

قصة قصيرة:
    بكتريا الحبّ
   **************
   لم يقلْ أحدٌ أن للحبّ  نوعًا من أنواع البكتريا السائدة في الكرة الأرضية..سابقًا، قيل.. منه المفيد ومنه الضارّ..
  قيل لا يمكن للإنسان الإستغناء عن بعضٍ منه ..
  قيل هو المسبب لانتشار الامراض والأوبئة..
  قيل من أنواعه ما يعيش في جوف الحرارة العالية..
  في فوهات البراكين قريبًا من الحمم المنصهرة..
  قيل من أنواعه ما يتكاثر حتّى في جليدالمحيط المتجمّد..
  قيل من أنواعه ما يعيش على الاوكسيجين، أو بدون أوكسيجين
  يعيش في طبقة الاتموسفير وفي الفضاء الخارجي..
  قيل يحيط بنا يرافقنا طوال حياتنا لا يفارقنا نتنفسه نأكله
  قد ندري أو لا ندري.. ينام معنا وبيننا
  قيل نرضع أول بكترياتنا مع حليب الأم.. ويرافقنا اينما ذهبنا
  يرافقنا كيفما توجّهنا رفيقًا رفيقًا غير ثقيلٍ
  إذًا هو الذي ينسج علاقةً وثيقةً بين الأم ووليدها
  تبدأ العلاقة البكتيرية من رحم الرحمة الى جدث الرحمة
  ينسج هذا المخلوق راحةً بينهما فور التقارب بينهما
  كأنما جينات هذا المخلوق مشتركة بين الكائنين الوالدين والوليد...

  ...قيل حياة هذا المخلوق قصيرة.. ولكن..!
  قيل وهبته الطبيعة قدرة عظيمة على البقاء
  قيل وهبته الطبيعة قدرة عظيمة على التكيّف
  قيل يتكاثر بسرعة هائلة وبكميّات هائلة
  قيل يقفز قفزات نوعية وجينية سريعة
  قيل أكثر كائن يكتسب المواصفات الجديدة
  قيل في لحظات قليلة ينسل انسالًا جديدة
  قيل حسب البيئة يستولد أجيالًا لهذه البيئة
  قيل ما التقى اثنان إلّا وكانت البكتريا بينهما..!

  قال لذلك أحبّ أمي بل استريح الى جانبها
  قال أحبّ أصدقائي استريح الى جانبهم
  وتوقّف صاحبنا مفكّرًا.. همسَ  لذاته  (ايه)
  ضرب كفّــًا بكفٍّ !؟
  اذًا هذا ما نشعره كلما تقاربنا
  اذًا لا نشعر نفس الشعور مع غريب
  اذًا يحيط بنا دافع يحول دون التنائي
  اذًايحفّزنا للتلاقي
  اذًا يدفعنا للشوق واللهفة
  اذًا البعاد حارقٌ وجرعةُ بكتريا ملطّفةٌ
  قالت لاارتضي النأيَ عنك
  استريح بين يديك على صدرك
  اجهل الأسباب التي توثّقني بك
  اشتاق بسرعة للقياكَ
  ما لي عاجزة عن استبدالكَ
  اعتدتُ عليكَ حبيبي
  قال لا شفاء لي من هذا الداء
  قال لا علاج في البيْن
  أحبك حتى الوفاة
  انتِ دائي ودوائي
  أنتِ الحيوي والمضاد الحيويّ
  هذا ما لا مناعة مكتسبة منه..!

  حالت الظروف بينهما.. عاشقان منذ الطفولة
  تربّيا معًا.. الأيّام قاسية.. والأهل تحوّلوا عن الجيرة
  ناحا كعاشقين بل هما عاشقان حقّــًا
  توادعا.. انفصلا بعد لأيٍ وطول ابطاء
  انهما ديما وديموس
  سُمّيا نفس التسمية
  أتراب جيران أهل وأصحاب
  بكاء وسهر الليالي وقلق الفراق
  رسائل واتصالات
  أوراق من أثر الحبيب..
  ضعف وهنٌ وهذالٌ
  ارضاء واسترضاء
  اغراءات واجراءات
  ترغيب وترهيب
  اقناع وتشجيع
  ما بقي الّا طبيب وحكيم
  أحدهما للوصفات والثاني للحكمة
  قال لا شيء يستدعي الاستئصال
  قال الآخر لا علاج للعشق
  وداوها بالتي كانت هي الداء
  عُرِضا على مشايخ
  منهم من قال ما التقى اثنان إلٌا وكان بينها
  لم ينبث باسمه
  والعلاج بالصلاة والصوم..!
 
  ..قيل اسأل مجرّب ولا تسأل حكيم
  قال المجرّب: لا علاج لهذين الاّ على قاعدة..
  وداوِها بالتي كانت هي الداء
  سُئل كيف.. أجاب نحن السابقين وهما اللاحقَين
  سُئل كيف أصبنا كلّنا بما أُصيبا
  يا اخوتي تلك البكتريا تتكيف بسرعة
  كلّ الأدوية تصبح من الماضي بعد اول جرعة
  سُئل والحلّ
  ابتسم كمن حقّق انجازًا عظيمًا
  ابتسم كعاشقٍ يستعد للقاء الحبيب
  كادت تدمع عيناه من فرط السنين َ
  لكليهما جرعة من حبّ الحبيب
  كيف؟ والجواب حاضر:
  الحاجة سريعًا لبكتريا الحبّ
  اعملوا على تبادل الألبسة
  دون غسيل دون كوي..
  دمعت عيناه مد ّيديه تأبّط قميصًا معلّقًا
  قرّبه الى صدره الى وجهه
  مرغه بالكفين تنشق وتنشق وتنشق
  مسح دموعًا حارّةً بذاك القميص
  وقال وصفتَه: في البداية ثلات جرعات في اليوم
  تتناقص الى أن يقضيَ أمرًا كان مفعولا..

  .. بعد فشل كل التعاويذ
  بعد سقوط كل محاولات السحرة
  بعد كلّ الرُقى  والصلوات
  أزعن أولياء الأمر لتجربةِ وصفة المجرّب
  إذ لا حلّ بالعودةح للتقارب
  حيث الظروف قاهرة..
  وجدوا الطريقة والقناعة بتبادل القمصان
  غير مغسولة وغير مكوية
  وأقسم أولياء الأمر على تزويجهما في حينه
  اطمأنّ الاثنان  واتفقا على النجاح
  راحت ديما تتخصّص بالبيولوجيا
  راح ديموس يتخصّص بالمعلوماتية
  وضعا نصب أعينهما هدفًا قلّ نظيره
  وما يزالان يعملان على تحقيقه
  هو ( أيجاد بكتريا الحبّ رقميّــًا عبر الانترنيت)
  قالا: بكتريا الحبّ سيقضي على الفيروس الالكتروني..
  ********************************************************

الأحد، 21 فبراير 2016

أول الغيث


أوّل الغيث



   قبضت الغيوم الغربية كفّيها واعتصرت الغيث المغيث، على حقول وبساتين فغرت افواهها مبتسمة  متلهّفة لخيوط الخير، منتظرة ارتواء.. 

   وهناك يدنو طائريحمل في منقاره قبسًا نورانيًّا، حطّ على كتف صنم آلهة الجمال فينوس، مرفرفًا مغردًا منشدًا قصيدة الفصول،  داعيًا للرقص والاقبال السريع على الغناء الغنّاء، والغناء غنى..
  ويلوح في الأفق شراع، شرّع جناحيه لطاقة الريح، يكاد يحلّّق على سواعد المويجات.. مقبل مبادر الى مرفأ الأمان.. وسابح يسبّح الآلهة يغطس ثلاثًا ويعوم ثلاثًا.. في عماد موسميّ إبّان تناول القطرات النبيذية الأولى من ملعقة الطقس والطقوس..
   انه مسّ مقدّس لا يفوّت..
  وهناك اجتمع الجمع يرقص، على انغام طرقات الأمطار السخية.. وأطفال عراة يغتسلون .. ونسوة تتراقص .. وحناجر تصرخ " الخير الخير.. البركة البركة".. وكاهن عند باب هيكله، نزع عمرته وراح يبخّر، وينشد اناشيد عتيقة، ويمسح على جباه الأولاد زيوتًا شافية مقوية.. وتعبق في المكان رائحتا اللبان والتربة الرياّن.. فتنفرج الصدور على شوق منتظر، أقبل في موعده الموثّق بأصابع الجدود..
    ما ان أفرغت أولى السحابات حبَّها على الطبيعة والناس ، تسللت من ثغراتها اشعاعات ملوّنة راحت تقترب متمايلة حينًا خجولة أحيانًا..
  ورفعت أكف البشر بفخر وفخار  الأوعية الفخارية، في بعضها جمرات وبخور.. وفي بعضها شموع منيرة.. وفي بعضها الآخر مياه طازجة وعطور..
  فرحوا وفرحن.. تبادلوا القبلات جميعًا.. وهناك خلف الدوح بعيدًا عن الأنظار كمن صبي وصبية يتواعدان سرًا.. لتنفيذ خطة ظنّاها مجهولة