الاثنين، 22 فبراير 2016

قصة بكتريا الحب

بكتريا الحب

قصة قصيرة:
    بكتريا الحبّ
   **************
   لم يقلْ أحدٌ أن للحبّ  نوعًا من أنواع البكتريا السائدة في الكرة الأرضية..سابقًا، قيل.. منه المفيد ومنه الضارّ..
  قيل لا يمكن للإنسان الإستغناء عن بعضٍ منه ..
  قيل هو المسبب لانتشار الامراض والأوبئة..
  قيل من أنواعه ما يعيش في جوف الحرارة العالية..
  في فوهات البراكين قريبًا من الحمم المنصهرة..
  قيل من أنواعه ما يتكاثر حتّى في جليدالمحيط المتجمّد..
  قيل من أنواعه ما يعيش على الاوكسيجين، أو بدون أوكسيجين
  يعيش في طبقة الاتموسفير وفي الفضاء الخارجي..
  قيل يحيط بنا يرافقنا طوال حياتنا لا يفارقنا نتنفسه نأكله
  قد ندري أو لا ندري.. ينام معنا وبيننا
  قيل نرضع أول بكترياتنا مع حليب الأم.. ويرافقنا اينما ذهبنا
  يرافقنا كيفما توجّهنا رفيقًا رفيقًا غير ثقيلٍ
  إذًا هو الذي ينسج علاقةً وثيقةً بين الأم ووليدها
  تبدأ العلاقة البكتيرية من رحم الرحمة الى جدث الرحمة
  ينسج هذا المخلوق راحةً بينهما فور التقارب بينهما
  كأنما جينات هذا المخلوق مشتركة بين الكائنين الوالدين والوليد...

  ...قيل حياة هذا المخلوق قصيرة.. ولكن..!
  قيل وهبته الطبيعة قدرة عظيمة على البقاء
  قيل وهبته الطبيعة قدرة عظيمة على التكيّف
  قيل يتكاثر بسرعة هائلة وبكميّات هائلة
  قيل يقفز قفزات نوعية وجينية سريعة
  قيل أكثر كائن يكتسب المواصفات الجديدة
  قيل في لحظات قليلة ينسل انسالًا جديدة
  قيل حسب البيئة يستولد أجيالًا لهذه البيئة
  قيل ما التقى اثنان إلّا وكانت البكتريا بينهما..!

  قال لذلك أحبّ أمي بل استريح الى جانبها
  قال أحبّ أصدقائي استريح الى جانبهم
  وتوقّف صاحبنا مفكّرًا.. همسَ  لذاته  (ايه)
  ضرب كفّــًا بكفٍّ !؟
  اذًا هذا ما نشعره كلما تقاربنا
  اذًا لا نشعر نفس الشعور مع غريب
  اذًا يحيط بنا دافع يحول دون التنائي
  اذًايحفّزنا للتلاقي
  اذًا يدفعنا للشوق واللهفة
  اذًا البعاد حارقٌ وجرعةُ بكتريا ملطّفةٌ
  قالت لاارتضي النأيَ عنك
  استريح بين يديك على صدرك
  اجهل الأسباب التي توثّقني بك
  اشتاق بسرعة للقياكَ
  ما لي عاجزة عن استبدالكَ
  اعتدتُ عليكَ حبيبي
  قال لا شفاء لي من هذا الداء
  قال لا علاج في البيْن
  أحبك حتى الوفاة
  انتِ دائي ودوائي
  أنتِ الحيوي والمضاد الحيويّ
  هذا ما لا مناعة مكتسبة منه..!

  حالت الظروف بينهما.. عاشقان منذ الطفولة
  تربّيا معًا.. الأيّام قاسية.. والأهل تحوّلوا عن الجيرة
  ناحا كعاشقين بل هما عاشقان حقّــًا
  توادعا.. انفصلا بعد لأيٍ وطول ابطاء
  انهما ديما وديموس
  سُمّيا نفس التسمية
  أتراب جيران أهل وأصحاب
  بكاء وسهر الليالي وقلق الفراق
  رسائل واتصالات
  أوراق من أثر الحبيب..
  ضعف وهنٌ وهذالٌ
  ارضاء واسترضاء
  اغراءات واجراءات
  ترغيب وترهيب
  اقناع وتشجيع
  ما بقي الّا طبيب وحكيم
  أحدهما للوصفات والثاني للحكمة
  قال لا شيء يستدعي الاستئصال
  قال الآخر لا علاج للعشق
  وداوها بالتي كانت هي الداء
  عُرِضا على مشايخ
  منهم من قال ما التقى اثنان إلٌا وكان بينها
  لم ينبث باسمه
  والعلاج بالصلاة والصوم..!
 
  ..قيل اسأل مجرّب ولا تسأل حكيم
  قال المجرّب: لا علاج لهذين الاّ على قاعدة..
  وداوِها بالتي كانت هي الداء
  سُئل كيف.. أجاب نحن السابقين وهما اللاحقَين
  سُئل كيف أصبنا كلّنا بما أُصيبا
  يا اخوتي تلك البكتريا تتكيف بسرعة
  كلّ الأدوية تصبح من الماضي بعد اول جرعة
  سُئل والحلّ
  ابتسم كمن حقّق انجازًا عظيمًا
  ابتسم كعاشقٍ يستعد للقاء الحبيب
  كادت تدمع عيناه من فرط السنين َ
  لكليهما جرعة من حبّ الحبيب
  كيف؟ والجواب حاضر:
  الحاجة سريعًا لبكتريا الحبّ
  اعملوا على تبادل الألبسة
  دون غسيل دون كوي..
  دمعت عيناه مد ّيديه تأبّط قميصًا معلّقًا
  قرّبه الى صدره الى وجهه
  مرغه بالكفين تنشق وتنشق وتنشق
  مسح دموعًا حارّةً بذاك القميص
  وقال وصفتَه: في البداية ثلات جرعات في اليوم
  تتناقص الى أن يقضيَ أمرًا كان مفعولا..

  .. بعد فشل كل التعاويذ
  بعد سقوط كل محاولات السحرة
  بعد كلّ الرُقى  والصلوات
  أزعن أولياء الأمر لتجربةِ وصفة المجرّب
  إذ لا حلّ بالعودةح للتقارب
  حيث الظروف قاهرة..
  وجدوا الطريقة والقناعة بتبادل القمصان
  غير مغسولة وغير مكوية
  وأقسم أولياء الأمر على تزويجهما في حينه
  اطمأنّ الاثنان  واتفقا على النجاح
  راحت ديما تتخصّص بالبيولوجيا
  راح ديموس يتخصّص بالمعلوماتية
  وضعا نصب أعينهما هدفًا قلّ نظيره
  وما يزالان يعملان على تحقيقه
  هو ( أيجاد بكتريا الحبّ رقميّــًا عبر الانترنيت)
  قالا: بكتريا الحبّ سيقضي على الفيروس الالكتروني..
  ***********************************************

بكتريا الحب

قصة قصيرة:
    بكتريا الحبّ
   **************
   لم يقلْ أحدٌ أن للحبّ  نوعًا من أنواع البكتريا السائدة في الكرة الأرضية..سابقًا، قيل.. منه المفيد ومنه الضارّ..
  قيل لا يمكن للإنسان الإستغناء عن بعضٍ منه ..
  قيل هو المسبب لانتشار الامراض والأوبئة..
  قيل من أنواعه ما يعيش في جوف الحرارة العالية..
  في فوهات البراكين قريبًا من الحمم المنصهرة..
  قيل من أنواعه ما يتكاثر حتّى في جليدالمحيط المتجمّد..
  قيل من أنواعه ما يعيش على الاوكسيجين، أو بدون أوكسيجين
  يعيش في طبقة الاتموسفير وفي الفضاء الخارجي..
  قيل يحيط بنا يرافقنا طوال حياتنا لا يفارقنا نتنفسه نأكله
  قد ندري أو لا ندري.. ينام معنا وبيننا
  قيل نرضع أول بكترياتنا مع حليب الأم.. ويرافقنا اينما ذهبنا
  يرافقنا كيفما توجّهنا رفيقًا رفيقًا غير ثقيلٍ
  إذًا هو الذي ينسج علاقةً وثيقةً بين الأم ووليدها
  تبدأ العلاقة البكتيرية من رحم الرحمة الى جدث الرحمة
  ينسج هذا المخلوق راحةً بينهما فور التقارب بينهما
  كأنما جينات هذا المخلوق مشتركة بين الكائنين الوالدين والوليد...

  ...قيل حياة هذا المخلوق قصيرة.. ولكن..!
  قيل وهبته الطبيعة قدرة عظيمة على البقاء
  قيل وهبته الطبيعة قدرة عظيمة على التكيّف
  قيل يتكاثر بسرعة هائلة وبكميّات هائلة
  قيل يقفز قفزات نوعية وجينية سريعة
  قيل أكثر كائن يكتسب المواصفات الجديدة
  قيل في لحظات قليلة ينسل انسالًا جديدة
  قيل حسب البيئة يستولد أجيالًا لهذه البيئة
  قيل ما التقى اثنان إلّا وكانت البكتريا بينهما..!

  قال لذلك أحبّ أمي بل استريح الى جانبها
  قال أحبّ أصدقائي استريح الى جانبهم
  وتوقّف صاحبنا مفكّرًا.. همسَ  لذاته  (ايه)
  ضرب كفّــًا بكفٍّ !؟
  اذًا هذا ما نشعره كلما تقاربنا
  اذًا لا نشعر نفس الشعور مع غريب
  اذًا يحيط بنا دافع يحول دون التنائي
  اذًايحفّزنا للتلاقي
  اذًا يدفعنا للشوق واللهفة
  اذًا البعاد حارقٌ وجرعةُ بكتريا ملطّفةٌ
  قالت لاارتضي النأيَ عنك
  استريح بين يديك على صدرك
  اجهل الأسباب التي توثّقني بك
  اشتاق بسرعة للقياكَ
  ما لي عاجزة عن استبدالكَ
  اعتدتُ عليكَ حبيبي
  قال لا شفاء لي من هذا الداء
  قال لا علاج في البيْن
  أحبك حتى الوفاة
  انتِ دائي ودوائي
  أنتِ الحيوي والمضاد الحيويّ
  هذا ما لا مناعة مكتسبة منه..!

  حالت الظروف بينهما.. عاشقان منذ الطفولة
  تربّيا معًا.. الأيّام قاسية.. والأهل تحوّلوا عن الجيرة
  ناحا كعاشقين بل هما عاشقان حقّــًا
  توادعا.. انفصلا بعد لأيٍ وطول ابطاء
  انهما ديما وديموس
  سُمّيا نفس التسمية
  أتراب جيران أهل وأصحاب
  بكاء وسهر الليالي وقلق الفراق
  رسائل واتصالات
  أوراق من أثر الحبيب..
  ضعف وهنٌ وهذالٌ
  ارضاء واسترضاء
  اغراءات واجراءات
  ترغيب وترهيب
  اقناع وتشجيع
  ما بقي الّا طبيب وحكيم
  أحدهما للوصفات والثاني للحكمة
  قال لا شيء يستدعي الاستئصال
  قال الآخر لا علاج للعشق
  وداوها بالتي كانت هي الداء
  عُرِضا على مشايخ
  منهم من قال ما التقى اثنان إلٌا وكان بينها
  لم ينبث باسمه
  والعلاج بالصلاة والصوم..!
 
  ..قيل اسأل مجرّب ولا تسأل حكيم
  قال المجرّب: لا علاج لهذين الاّ على قاعدة..
  وداوِها بالتي كانت هي الداء
  سُئل كيف.. أجاب نحن السابقين وهما اللاحقَين
  سُئل كيف أصبنا كلّنا بما أُصيبا
  يا اخوتي تلك البكتريا تتكيف بسرعة
  كلّ الأدوية تصبح من الماضي بعد اول جرعة
  سُئل والحلّ
  ابتسم كمن حقّق انجازًا عظيمًا
  ابتسم كعاشقٍ يستعد للقاء الحبيب
  كادت تدمع عيناه من فرط السنين َ
  لكليهما جرعة من حبّ الحبيب
  كيف؟ والجواب حاضر:
  الحاجة سريعًا لبكتريا الحبّ
  اعملوا على تبادل الألبسة
  دون غسيل دون كوي..
  دمعت عيناه مد ّيديه تأبّط قميصًا معلّقًا
  قرّبه الى صدره الى وجهه
  مرغه بالكفين تنشق وتنشق وتنشق
  مسح دموعًا حارّةً بذاك القميص
  وقال وصفتَه: في البداية ثلات جرعات في اليوم
  تتناقص الى أن يقضيَ أمرًا كان مفعولا..

  .. بعد فشل كل التعاويذ
  بعد سقوط كل محاولات السحرة
  بعد كلّ الرُقى  والصلوات
  أزعن أولياء الأمر لتجربةِ وصفة المجرّب
  إذ لا حلّ بالعودةح للتقارب
  حيث الظروف قاهرة..
  وجدوا الطريقة والقناعة بتبادل القمصان
  غير مغسولة وغير مكوية
  وأقسم أولياء الأمر على تزويجهما في حينه
  اطمأنّ الاثنان  واتفقا على النجاح
  راحت ديما تتخصّص بالبيولوجيا
  راح ديموس يتخصّص بالمعلوماتية
  وضعا نصب أعينهما هدفًا قلّ نظيره
  وما يزالان يعملان على تحقيقه
  هو ( أيجاد بكتريا الحبّ رقميّــًا عبر الانترنيت)
  قالا: بكتريا الحبّ سيقضي على الفيروس الالكتروني..
  ********************************************************

الأحد، 21 فبراير 2016

أول الغيث


أوّل الغيث



   قبضت الغيوم الغربية كفّيها واعتصرت الغيث المغيث، على حقول وبساتين فغرت افواهها مبتسمة  متلهّفة لخيوط الخير، منتظرة ارتواء.. 

   وهناك يدنو طائريحمل في منقاره قبسًا نورانيًّا، حطّ على كتف صنم آلهة الجمال فينوس، مرفرفًا مغردًا منشدًا قصيدة الفصول،  داعيًا للرقص والاقبال السريع على الغناء الغنّاء، والغناء غنى..
  ويلوح في الأفق شراع، شرّع جناحيه لطاقة الريح، يكاد يحلّّق على سواعد المويجات.. مقبل مبادر الى مرفأ الأمان.. وسابح يسبّح الآلهة يغطس ثلاثًا ويعوم ثلاثًا.. في عماد موسميّ إبّان تناول القطرات النبيذية الأولى من ملعقة الطقس والطقوس..
   انه مسّ مقدّس لا يفوّت..
  وهناك اجتمع الجمع يرقص، على انغام طرقات الأمطار السخية.. وأطفال عراة يغتسلون .. ونسوة تتراقص .. وحناجر تصرخ " الخير الخير.. البركة البركة".. وكاهن عند باب هيكله، نزع عمرته وراح يبخّر، وينشد اناشيد عتيقة، ويمسح على جباه الأولاد زيوتًا شافية مقوية.. وتعبق في المكان رائحتا اللبان والتربة الرياّن.. فتنفرج الصدور على شوق منتظر، أقبل في موعده الموثّق بأصابع الجدود..
    ما ان أفرغت أولى السحابات حبَّها على الطبيعة والناس ، تسللت من ثغراتها اشعاعات ملوّنة راحت تقترب متمايلة حينًا خجولة أحيانًا..
  ورفعت أكف البشر بفخر وفخار  الأوعية الفخارية، في بعضها جمرات وبخور.. وفي بعضها شموع منيرة.. وفي بعضها الآخر مياه طازجة وعطور..
  فرحوا وفرحن.. تبادلوا القبلات جميعًا.. وهناك خلف الدوح بعيدًا عن الأنظار كمن صبي وصبية يتواعدان سرًا.. لتنفيذ خطة ظنّاها مجهولة

الجمعة، 19 فبراير 2016

قصة قصيرة : شانوحة

قصة قصيرة: الصورة الليلكية..
   هذه القصّة الاسطورية قصيرة جدًّا

   عند "شانوحا"* كان العاشقان الفتيّان يتنزّهان عصر ذاك اليوم.. كانت الشمس تضفي على الخط الساحلي دفأها.. كانا يطلقان أبصارهما بعيدًا الى الأفق.. حيث توافق الأزرقان.. كانا يتمتعان بالمجاورة والترافق والمكان والزمان.. كل العناصر كانت تلائم العواطف والمشاعر الشبابية.. والمئات من المتنزهين يتريّضون على رصيف الكورنيش البحري.. واليمّ على مد عينك والبصر..
   كان يخاطبها عن حلم.. حلم المراهقين.. كان في تلك الليلة، يجلس الى مقود مركبة غريبة الشكل والتجهيزات.. والسرعة.. في البداية كان كلّ شيء معتمًا والظلام حالكًا.. وجد نفسه يدير مفتاحًا الكترونيّـًا معاصرًا ومتطورًا جدًا.. وما أن تواصلت المركبة بالبرمجة المعقّدة حتى أقلعت بسرعة ضوئية فاقت أي سرعة مرت على ذهنٍ خيّال.. ولم يستطع إلاّ رؤية ما في المركبة فقط..

    قال لها: المفاجأة العظيمة كانت بظهورك الى جانبي.. جلنا في أجواز الفضاء والأكوان.. رأينا مجرات تمرّ ذات اليمين وذات الشمال.. لم يستقر مشهد عند بصيرة.. كنت وكنّا  في عز الفرح والسعادة.. والأنوار متنوعة منها ملايين الإحتمالات والمشاهد والمناظر..  حبيبتي.. آهٍ  لو لم ينتهِ هذا الحلم وهذه الرؤية..

   كانت الفتية تستمع وتحلل.. شاردة الذهن سابرة أعماق المشاعر.. فرحة كادت أن تحلّق بها الى الغيوم.. قالت: الفرح يفرفر ويطيّر ويرفرف.. كما الحمامات والعصافير والأرواح..

   وفي لحظة من اللحظات الغامرة الحالمة.. وجدا الأنوار تتغيّر.. لم يعد النور الأبيض أبيضَ.. ولا الأصفر أصفرَ..  ولا الأزرق أزرقَ.. البحر والجسر وبرّ شانوحة.. وجبل تربل وجبال لبنان الشاهقة.. والسحابات والأفق الأفق..  حثّا الخطى الى أعلى الجسر.. أطلقا الأعين بكلّ الاتجاهات.. تغيّرت الألوان.. تداخل الأحمر بالأزرق..

    مرغا أعينهما.. الليلكي سيطر على كلّ الاتجاهات .. على السماء والبحر والبر والطرقات والشوارع والناس..
    انّه الليلك.. صرخا معًا.. وصرخ غيرهما.. صرخ الجميع.. أنه الليلك.. أنها الليلكية أقبلت..
   انها جنية المراهقين انها جنية العشّاق.. أتت محلّقة.. نشرت لباسها الملوّن.. بسطت جناحيها.. طلت العالم بالليلكي.. سُمعت أصواتٌ تهتف.. "ليليت.. ليليت"..  أصوات تغنّي ، أصوات تصدح، أنغام، مواويل، كلّها تغني:  آه ياليل.. آه يا عين.. أبواق طرب ومطربون "ليلى يا ليلى"..  يقولون ليلى في العراق..
   تداول الناس عمّا يفعلون.. هلمّ نوثّق اللحظة.. وثقّوا اللحظة.. قد لا تتكرّر..
   راح الجميع يوجّه أجهزته في كلّ الاتجاهات.. والتقطت المشاهد الرائعة، العشاق هم أوّل المتحمّسين.. إنها جنيتهم إنها فأل الخير، وبين كلّ الحاضرين كان هناك أحد أقطاب الليلكيّن.. جاهزاً لحفظ المشهد.. لنشره في العالم ليطلع عليه الليلكيّون.. فاستأثر باهتمام الجميع، فاستغلّ العاشقان انشغال الآخرين فاسترقا قبلةً في غفلة عن الأنظار..

*شانوحا.

في الميناء،المنطقة البرّية مقابل مدخل الجسر. وهو تعبير نوحيّ لانّها كانت بالماضي تتعرض للعواصف وللأمواج التي تصل الى البيوت القريبة وتجتاح الطرقات..

الليلك اسطورة ليليت الليلكية

الليلكي    

[بسبب تزايد الليلكيين ننشر بعض النصوص]

   بمناسبة الحديث عن "الليلك"، زهرًا ونباتًا

  لا يسعني إلّا التنقيب في فيلولوجيا اللغة العربية لتبيان المضامين الاحفورية لهذه الكلمة.. وتعقّب المعاني والأسباب العريقة لهذه النبتة.. اسوة بكلّ النباتات والأشياء، التي تضفي الشعوب عليها اسقاطاتها الميتولوجية وسيناريوهات..

  من الوهلة الأولى نجد بكل سهولة تواصل الليلك مع الليل.. ويبدو أنها زهرة ليلية بامتياز شئنا أم أبينا.. مما يفتح المجال لإيجاد أسباب تلك العلاقة..

   ثانيّـًا، نواجه ذاك الحرف "الكاف"، فلمن لا يدري أقول حسب إجتهادي الذي أتابع إنجازه، أنه الحرف الذي يعود الى واحد من الثالوث الفرعوني المقدّس، أي ( كا. با. كو. ) وأبرز المعاني التي توصّل اليها البحّاثة هي أن "الكا" بالعربية تتواصل مع القرين، أي الروح..

    وبالتالي، نستطيع القول أن الليلك هو نبات الروح والباطن.. وهو لون فرعوني في خدمة ميثولوجيتهم..

اسطورة الليلك البابلية

     ربما يكون إجتهادنا في المرّة الأولى قد صبّ باتجاه الفراعنة..  لدى تحليلنا لهذا النبات المزهر الجميل.. فبأي اتجاه قد يصب لدى تعقّب اللهجات الإضافي المناسبة؟

   من المحسوم أن الجزء الأوّل هو ليليّ بامتياز..

   ومن العروف أنّ الليل للنوم والأحلام..

   ومن المعروف أن الأحلام تعبير باطني..

   ومن المعروف أن الأحلام تختلف حسب الأعمار..

   ومن المعروف أن أحلام المراهقين وفيرة مميّزة..

   ومن المعروف أن الآداب طالما أعتمدت تعبير " الأحلام الوردية أو الأحلام الليلكية" دون  معرفة مسبقة للتداعيات اللهجية..

  

    بعد هذا التمهيد.. نسلط الضوء على ليل الليلك.. المتواصل مع الليل وليلى وليلية.. وهذا اللفظ الأخير يقرأ باللغات السابقة "ليليت"..

    وطالما سمعنا اسم "ليلى" في قصائد الغزل منذ فجر التاريخ العربي.. ولا ننسينَ ّ العاشقين العريقين: قيس وليلى..

   وطالما تغنى الشعراء والمغنّون باسم ليلى.. دون أن يدركوا الأبعاد الميثولوجية والفيلولوجية االبعيدة عن وظيفتهم.. 

  وطالما تغنى المطربون "بالليل ويا ليل". مصحوبة بالآهٍ والآهاتٍ.. أيضًا دون إدراك الأسباب المتغلغلة في الوعي الشرقي..

   ذلك يجعلنا نربط بين الليلك وليليت الجنية البابلية.. وليلى العربية.. 

   فما هي قصة ليليت الموثٌقة؟!

 اسطورة ليليت الليلكية - الى ليلى 

 

   .. وفيما يلي اسطورة ليليت البابلية أو الرافدية.. حسب الموسوعة الحرّة. الويكيبيديا. وهي في الأصل ليليث أو ليليس.. وكلّها أحرف لهجية متقاربة مع حرف الكاف الذي ينقلب الى سين وهي أحرف زائدة كما في كثير من اللغات الشرقية والغربية...  فمن هي هذه الشخصية؟؟

   ليليث: 

   بعد ملاحظة الكاتب بضرورة العمل على مصادر موثوقة يقول:

   "ليليث شيطانة" عواصف من بلاد الرافدين تُرافق الريح، واعتُقِد أنها تحمل المرض والموت. ظهرت شخصية ليليث للمرة الأولى كشيطان أو روح مرتبطة بالرياح والعواصف، عُرفت باسم ليليتو في سومر، حوالي 3000 قبل الميلاد. يُرجع العديد من الباحثين التركيب الصوتي لاسم ليليث إلى العام 700 قبل الميلاد..

    تظهر ليليث في المعارف اليهودية باعتبارها شيطان الليل، وكبومة نائحة في طبعة الكتاب المقدس الملك جيمس..

    وهناك صور تبين ليليث وكأنها هي حواء (حاوية الحياة) 

   ( تعليقنا الأوّل: انها تمثّل مصدر الحياة كحواء قبل الانقلاب البشري على الأنوثة، فحمّلوها وزر الشرّ والشيطنة وماتزال المواقف مستمرّة الى الآن)

 اسطورة "ليليت القوة الكونية للخلود الانثويّ" التواصل مع "ليلى" العربية

   يقول موقع "قصص وحكايات" الالكتروني :

    نشأة الاسطورة

    ظهر اسم ليليث في رقم طيني ( قرص ) سومري من مدينة (أور) يعود إلى 2000 سنة قبل الميلاد ويحكي عن أن إله السماء أمر بإنبات شجرة الصفصاف على ضفاف نهر دجلة في مدينة أورك وبعد أن كبرت الشجرة اتخذ تنين ٌ من جذورها بيتاً له بينما اتخذ طائر مخيف من أغصانها عشًّا له لكن في جذع الشجرة نفسها كانت تعيش المرأة الشيطانة ليليث، وعندما سمع (جلجامش) ملك أورك عن تلك الشجرة حمل درعه وسيفه وقتل التنين واقتلع الشجرة من جذورها فهربت ليليث إلى البرية . ويبدو أن شجرة الصفصاف بالنسبة لـ ليليث كالتابوت لمصاصي الدماء. 

    تنتمي أسطورة "ليليث" إلى أصول تاريخية قديمة جداً، فهي تتصل ببابل القديمة، حيث كان الساميون القدماء يتبنون مجموعة من المعتقدات الخاصة بأجدادهم السومريين، كما ترتبط بأكبر أساطير الخلق. هناك روابط متينة تلصقها بالثعبان الذي يدعى تيامات Tiamat، إنها بقايا ذكريات طقس قديم جداً كرّم أكبر إلهة سميت كذلك بـ " الثعبان الأكبر " و "التنين"، أو القوة الكونية للخلود الأنثوي، والتي عُبدت من خلال هذه الأسماء: عشتروت ، أو عشتار ، ميليتا ، إنيني أو إينانا. وقد كشفت نقوش في الآثار البابلية ( مكتبة آشور بانيبال ) عن أصول ليليث، البغي المقدسة لإنانا، والآلهة الأم الكبرى، التي أرسلت من قبل هذه الأخيرة كي تغوي الرجال في الطريق، وتقودهم إلى معبد الإلهة، حيث كانت تقام هناك الاحتفالات المقدسة للخصوبة، كان الاضطراب واقعاً بين " ليليث " المسماة " يد إنانا "، والإلهة التي تمثلها، والتي كانت هي نفسها توسم أحيانًا بهذا اللقب "البغي المقدسة".

   الاسم " ليليث " جذر لغوي في الفصيلة السامية والهندو أوروبية. فالاسم السومري " ليل Lil " الذي نجده ممثلاً في اسم إله الهواء " أنليل " يدلّ على: " الريح " و" الهواء " و" العاصفة " إنه الريح الحارة (بحسب المعتقد الشعبي) الذي يعطي الحرارة للنساء أثناء الولادة، ويقتلهن مع أطفالهن. عُدّت "ليليث" في البداية باعتبارها من أكبر القوى المعادية للطبيعة تتصدر مجموعة مكوّنة من ثلاثة آلهة: أحدهم ذكر والاثنتان أنثيان: " ليلو " وليليتو" و"أردات".

    ومن الواضح ان اسطورة ليليت تتواصل مع الليلك ومع ليلى العربية..

   فماذا في اسطورة ليليت أيضًا؟ 

    ما كان المرء ليتعقّب هذا الحدث الاسطوري لولا تلك العلاقة التي ظهرت بين اللون الليلكي وليليت الاسطورية.. سيما وأن الابحاث تربط بينها وبين الحدث الآدمي.. الذي ترسّخ في الثقافة الشرقية.. ولا نستغرب مصادرة هذا الحدث من جذوره البابلية.. الى الثقافة التوراتية، ( والتورات اسمها بيبل اي بابل) فماذا تقول الدراسات عنها؟؟

    آدم و ليليث

******************

    ليليث هي شخصية معروفة فى كتب اليهود (الزوهر، بن سيرا) حيث تقول الاسطورة أنها كانت الزوجة الأولى لآدم عليه السلام قبل حواء وتختلف الروايات بالحديث عن ليليث ولكن أشهر الروايات تقول أن ليليث هى المرأة الاساسية التي خلقها الله مع آدم من الأرض ولكنها لم ترضَ بسيطرة آدم عليها فهربت منه وأصبحت معشوقة الشيطان وكانت تلد له في اليوم 100 طفل. فاشتكى آدم لله لما فعلته ليليث فأرسل إليها ثلاث ملائكة لإرجاعها ولكنها رفضت الرجوع فتوعدوها بقتل 100 طفل من أطفالها كل يوم ومنذ ذلك اليوم تعهدت ليليث أن تقتل أبناء البشر.

   كما تصور ليليث أيضاً على أنها الحية التي أغوت آدم وحواء للأكل من الشجرة المحرمة . كانت أيضا توصف بأنها جميلة جداً وتمتلك صفات مغرية حيث يقال أنها كانت تتجسد ليلاً أمام الرجال لكي تغريهم ثم تقتلهم وكانت ليليث تلقب بـ (قاتلة الأطفال) لها أجنحة ومخالب وتأتي ليلاً لقتلهم .

   غالباً ما يعاد طباعة كتاب شائع حول تقاليد "الكابالا" ومنها تعويذات وصيغ سحرية كتعويذة للحماية من ليليث المأخوذة من سفر رازيل. ومن قصتين من قصص خلق الرجل والمرأة من قبل يهوه (يهوه: اسم الرب عند العبرانيين) في الإصحاح 1 و2 من سفر التكوين حيث ستولد أسطورة ليليث في العصور الحديثة: المرأة الأولى المخلوقة، التي تنطق بالـ "اسم غير المُعَبَّر عنه" والتي يزودها بأجنحة تمكّنها من الهروب من جنّة عدن لتفارق آدم إلا أنها لم تتوقع أن يقتفي أثرها ثلاثة من الملائكة هم (سينوئي) و(سنسنوئي)  و(سامينجيلوف) فيجدونها عند البحر الأحمر ويطلبون منها العودة، لكنها تأبى ذلك وترتبط بالشيطان وتلد منه فيتوعدها الملائكة بقتل أولادها، فتحقد على حواء وذريتها وتقتل أبناء حواء من البشر وهذا يرجع إلى غيرتها منها خاصة أن حواء خلقت من طين لكي تكون بديلاً عنها مع آدم.

الخميس، 18 فبراير 2016

المليارية في عيدها ( القسم الإوٌل)

               -----------------------------

   كان الإعدادٌ لإحياء ذكرى الميلاد ناشطًا في تلك البقعة الكونية الوسطية.. من الزمان والمكان.. في النقطة الأكثر قربًا من الكلّ.. المترسخّة في أعماق الفكر..ففي لحظة عظيمةٍ من لحظات  الوقت يجري الحدث المنتظر من آماد وأبعاد شاسعةٍ شاسعةٍ..

  في الموعدالمحدّد بدقّةٍ.. تنطلق عائدةً كلُّ الإشعاعات الى مقر الإحتفال.. فلا يبقى شعاعٌ أبيض أو أحمر أو أصفر أو.. وما بينها من ألوان.. إلّا وكان يتجّه نحو رَحَمه..  حتّى الأسود أخلى حيزَه ليشترك ويشرك، كلّ النجوم أطلقت أنوارها باتجاه الهدف ذاته.. كلّ الشموس.. غادرت أضواؤها مكانها الى زمانها.. كلّ الإنعكاسات النورانية وصلت أو كادت أن تصل.. كلٰ الإضاءات كانت تتّجه وتحلّق الى النقطة..

  في تلك اللحظة.. لا قمر أضاء.. ولا صناعة أنارت.. لا بركان شوهدت نار حممه.. ولا أفران إتّقدت..كان الكلٌ مشغولًا في الحفل وبالحفل..لا ظلال في المكان دانية ولا ظلال نائية.. لا ظلام، ولا عتمة.. كلّ شيءٍ مرئيٌّ.. وكلّ العيون تعاين المشهدَ.. لونٌ واحدٌ مجهول غطّى الشيءَ.. والشيء مشيئئةّ.. والنفوس ساكنةٌ.. ناظرةّ رقيبةٌ مندهشةٌ.. لم يدركْ أحدٌ حقيقةَ المشاعر..

  كلّ نور، كلّ نار،  كلّ مشهد هناك يرقص ويتراقص.. يوجُّ  ويرتجُّ.. موجات، موجات، أهي مرئيّةٌ أو مسموعةٌ.. لا يدري أحدٌ.. مجهول ما يجري في العالم.. ولاعالم يعلمُ.. ولا فقيه يفقهُ.. لم يقدر أحدٌ أن يفسّر أو يشرح..لا دينيّ ولا دنيويّ .. لا علميّ ولا علمانيّ.. لا ملحد ولا مؤمن.. كلّهم قد أسقط في أيديهم..

  

  سيطر الهدوء، لا الصمت.. وجومٌ أجّاجٌ.. كلّ مادّةٍ مضيئة غير مشعّة.. كل الشعاعات هناك.. كلّ الأنوار.. أضخم الحواسيب عجزت عن الحساب.. سكتت الفيزياء.. إنكتمت الكيمياء.. نشطت الرياضيّات ولم تصلْ.. كلٌّ  مستغلقٌ على الفهم.. تنطلق المراصدُ.. تلاحق مسارات الأنوار والإتجاهاتها..  واحدٌ واحدٌ.. الاتجاه واحدٌ.. نحو ذلك الذي كان مصدرًا.. يستعيد ما بثّ وما بعث.. ويسترجع ما قيل عن إنّه ماضٍ.. وللأكوان مفاهيمُ خاصّةٌ..  وما الإنسان صنيعتُهُ.. لماذا لم يعِ البشرُ ما يجري؟؟!

           المليارية في عيدها( القسم الثاني)

           ----------------------------

   احتشد الناس للصلاة.. هي مناسبة يُحيون فيها الحفلات في كلّ مرّةٍ..

   واليوم أيضًا يسعون.. لأوٌل مرّة يحتفلون على خلاف المعهود.. فلا مصباح.. ولا حطبة.. لا شمعة.. لا بصيص.. وما أن اصطلوا النارَ في الشموع.. غادر اللهب بسرعةٍ نحو ذلك المكان والزمان..

  تناظر البشر.. تناظر الأباء والأبناء.. الأمهات تفقدّن أولادهنّ.. الأزواج والزوجات متعانقون.. الكبار ملتفّون على الصغار.. البَشَرَات مرئيّةٌ غير ملوّنةٍ.. الخدود أيّاها مضيئة غير مشّعةٍ..  كلّ الألوان والأطياف غادرت.. هناك..

  الأصواتُ.. حتّى هي إحتارت وحيّرت وتغيّرت.. كيف يمكن إحياء المناسبة التي طالما ترقّبها البشرُ؟؟ هذه المرّة غير أي مرّة.. نحن على عتبات عقود ألفية جديدة.. عقدان ونصف بعد ألفيتين.. هكذا الالفيات تمضي.. وهذه الثالثة تقضم أزمنة السنوات.. وهذه النقلة تحلّ في ظروف غامضة.. وطرقت الآذان أصوات مجهولة.. أصوات الكنائس ليست ذاتها وأذان الجوامع ليست ذاتها.. الأجراس والآلات الصاخبة لم تعد كما كانت تصخب..

  تراقص الناس على ايقاعات مجهولة وأنغام غريبة.. واستُحضرت من الذاكرة ألحانٌ وكلماتٌ.. والأفواه صادحةٌ..  والأجساد ميّالة ميّادة.. لعلّنا لأوّل مرةٍ نحتفلُ  بحدثٍ نادرٍ فريدٍ.. جنسنا نحن روّاده الأوائل..

  وفي كلّ الحالات لا يبقى لك أيّها الإنسان إلٌا هذا الفرح..  والفرفحة والفرفشة.. فافرحوا.. لا يبدو أن في الأمر غيرَ الفرحِ.. لا كارثة بركانية بدا نارها.. فلا هزّات ولا إنفجارات.. إذ راحت شرارات وإضاءات المتفجّرات باتجاه المصدر باشعاعاتها وأصواتها.. ودويّها تبدّل.. فلا رعد ولا برق.. والبروق مضت الى حيث حيك النورُ..  والدفءُ فيه من الأشعة.. فلا دفء ولا برد.. قيل إذًا كنّا جيل هذا الحدث النادر فلنكن جديرين به..

   أنه رأس السنة على كوكب الأرض.. يحتفلون بعقود الألفية الثالثة..  فلنحتفلْ.. ما المشكلة؟  نحن أبناء الحدث.. كانت الأصوات تهتف.. والساعات تدقّ.. والأنوار أنجزت مَهمتها.. وعادت الشعاعات وألوانها إيّاها تشرق  وتستعيد فيزياءها وكيمياءها.. وعادت الأنوار الى الكهرباء.. والمصابيح أصبحت.. والقمر استرجع إنعكاس نورها.. كلّ شيءٍ استردّ ألوانه.. ووجنات الحبيبات  عَبَقَ احمرارُها مجدّدًا.. والشفاه تحمّرت فنضرت مجدّدًا.. وتبادل الكلُّ القبلات مع الكلّ .. وهناك في مركز الكون حيث لا مركزَ له.. كان النور يحتفلُ بذكرى انتشاره  الأولى.. بذكرى الانفجار الكبير.. ليس عن قناعة بل رغبة بالإحتفال والفرح، والأمّل بأن يحلَّ خيرُ المليارية السادسة عشرة مجدّدًا على العالم..

   منتصف الليل، هنا، جاءت باقاتٌ وحزماتٌ من الإشعاعات القريبة من كوكب الأرض تراقب وهي منفرجة الأسارير، انفجارَ الأسهم النارية في أجواء الليل التي تذكّر بالأنوار وسائر الأضواء الناظرة بـ "البيك بنغ".. وهي واحدة من البدايات، " عندما كان البدء هو الكلمة"..

قصة الكارنافال 
    
  طالما قيل أن الكارنافال مستورد، ذلك لاعتقاد البعض بأنه من جذور لاتينية أميركية.. كون التقليد أكثر نشاطًا في تلك الديار منه في أي مكان في العالم..
   ومن حقّ الإنسان الإجتهاد والتبرير.. لإثبات أنه مشرقي فينيقيّ كنعانيّ.. وإذا كان مستوردًا فمن بابل وليس من أي مكان آخر أي قبل إكتشاف البحارة الكنعانيين لأميركا.. وذلك له أسبابه الميتولوجية والفيلولوجية.. القادرة على الإدلاء برأيٍ مناسب للواقعة.. الأمر الذي سبق درسه في إحدى الأبحاث التي انجزتها وتتقاطع مع الموضوع.. وتعرض جانبًا من جوانب الكرنافال بتفاصيله ومبرّراته..

**********
.. هذه المناسبة ليس لها أي علاقة دينية أو طائفية أو فئوية معاصرة، ولا يتعاطى بها الكهنوت بكل أديانه الحالية.. لا من قريب ولا من بعيد.. بقدر ما يتعاطون معه باعتباره نشاطًا شعبيّـًا شبابيّـًا حرًّا غير منظّم.. تشارك فيه الشبيبة وسط مواكبة من الصغار والعائلات في هذه المناسبة التي تسبق الصوم.. وطالما كان الحشد المشارك يتألّف من شباب كل الطوائف الميناوية ولا يترك أي أثر سيّء على الوضع الإجتماعي.. ولم يتوقّف هذا التقليد إلّا عندما كانت تؤثّر الأحداث الأمنية على مسيرته.. واتفق أن يكون عرضيًّا في هذه الأياّم.. وذلك له ما يبرّره عبر التاريخ الذي سبق الأديان الحالية.. ويتناسب مع موسم الأمطار وتراجع الانتاج الغذائيّ الحيواني والنباتيّ.. حيث يوجب الحاجة التاريخية للانقطاع عن تناول الطعام أو التخيف منه.. عدا عن الرياضة الروحية والباطنية التي تعتمدها الشعوب عبر الصوم بكافّة أشكاله منذ ما قبل التاريخ.. فيما يتناسب أيضًا مع أنتظار عودة الخصب الى الطبيعة النباتية والحيوانية.. في فصل الربيع اللاحق لهذه الفترة من السنة...



   عندما نقول أنّه تقليدٌ فينيقي قديم يعود الى أيّام بابل.. وأنّه تتفرّد فيه مدينة الميناء الطرابلسية "التربلية" فذلك لغاية نسعى إليها ولنقول أنّ هذا المرفأ هو من أقدم المرافيء في التاريخ القديم.. فكما نصادف حجرةً منحوتةً أو عمودًا أو فخارةً فإننا أيضًا نصادف تراثًا ولهجة فيلولوجية.. يمكن دراستها والإستنباط من خلالها لإضافة المزيد من المعلومات الأركيولوجية..
   باختصار نقول إنّ هذا التراث هو قديم وأصيل وتاريخيّ ولدينا ما يبرره في لهجاتنا المشرقيّة..
   فماذا تعني كلمة كارنافال؟
  ذلك ما سنحاول الإجتهاد في التوصّل اليه انطلاقًا من عرض موجز لدراسة كنتُ أعددتها تتقاطع مع الموضوع..


  ربّ قائلٍ ما علاقة كلمة الكارنافال بالشرق؟
  نعم العلاقة وثيقة أكثر مما يتصوّر البعض.. وتؤشّر إلى التاريخ الحضاري للمنطقة.. وخاصّة لهذا الساحل المميّز..
  الكلمة "كارنافال" هي بنظري تؤدّي بنا الى تعبير " قران بعل"..
القسم الأوّل يشير بوضوح الى مكانة القرن الحيواني.. وخاصّة الثور.. الذي قد تجد فيه الشعوب القديمة مصدرًا للقوة القتالية، والخصبية، كما وجدوا في البقرة مصدرًا للغذاء الهام المتنوّع.. حتّى انّ بعض الأبحاث رأت فيه معبودًا قديمًا.. بالإضافة الى ما يرمز اليه "القرنان" من بعد ميتولوجي.. كما يفعل الهندوس المقيمون في شرق حضارتنا بل حضاراتنا العريقة.. من تكريم "البقرة" مما يفترض بنا الإستنتاج أن هذا التكريم مصدره البرّ الشرقي لبحر الروم.. وسبق لأحد البحاثة أن أشار الى أنّ الغزو الفارسي المتكرّر للمنطقة دفع بالعلماء بنقل ثقافتهم شرقًا باتجاه الهند وغربًا باتجاه اليونان هربًا من الوحشية والعنف..( ونذكر في هذا الصدد الباحث الفيلولوجي د. أحمد داود(.


..   ومما يرمز إليه القرن.. بكلّ بساطة هو " القران" أي الزواج.. وبالتالي فإن العملية الكرنافالية إرتبطت بالخصب والتناسل وبالولادة، شئنا أم أبينا..أو بالتحضير للزواج المقدّس بكلّ أشكاله المبتدعة عبر العصور.. فإذا وجدنا محاربًا ذا قرنين فلا شيء يمنعنا من إعتباره يتحصّن بالتعويذة الرمزية وكرقية مقوية عسكريّـًا وجنسيّـًا.. وهكذا كان انتشار الرمز عالميّـًا مع ذي القرنين فاتح الشرق كأنما يعود بقرنيه الى جذوره المشرقية..

   ومن المعروف أننا ورثنا عادة الإمتناع عن الزواج طوال فصل الأمطار لما تحمله من برودة وحتى الثلوج في بعض المناطق، تضيّق عليهم إمكانية اللجوء الى التناسل والولادة.. لا غرابة ذلك لأنّ هذا الوضع كان وما يزال قائمًا، الّا بمعالجته بنتائج التطور التكنولوجي الجديد وبعد اكتشاف أنواع التدفئة المتعدّدة..
   
  لذلك من حقّنا القول انّ الكرنافال بجزء منه له علاقة بالتحضير للزواج أي القران.. ولكن قران مَن يا ترى؟ هذا ما سنعلنه لاحقًا..


   من الواضح أنّ القران أي الزواج هو لشخصية "بعل" الذي يجسّد الطبيعة.. وهو الذي يرمز من جملة ما يرمز إليه "نبع البلل" لأنّ اللفظة تتواصل مع "بع" أي النبع الذي يسكب الماء بكثرة حسب القاموس العربي.. وهي نفسها تتواصل مع بال يبول وبلّ يبلّ وبلّل يبلّل.. ومن المعروف أنّ هذه الشخصية قد أضفت إسمها على بابل.. التي تعني مما تعني " باب البلّ وباب البلل".. وبالتالي هو مصدر الماء الذي منه كلّ شيء حـي ّ.. وبقي موضع تكريم لدى كل الشعوب ودخل في ثقافتها وفي قاموسها.. علمًا أن كثرة الماء أدّت الى طوفان أغرق العالم القديم.. وحلّ في فلسفاتهم..

  وهنا لا بد من الإشارة الى أنّ بعلًا قد أضفى إسمه على بيبلوس (لهجة من بابل) وهي جبيل الفينيقية.. مما يؤشّر الى التواصل بين الحضارة البابلية والحضارة الكنعانية الشمالية.. بل حتّى مع بعلبك أي بعل العظيم.. ومع طرابلس البعلية وهي "طور بعل" المتواصل مع "تربل" مما كنّا قد نشرناه سابقًا.. وغيرها الكثير..! فما المانع أن يكون مركز هذا التراث الكارنافالي هو في ميناء طرابلس أي مرفأ طرابلس.. الأمر الذي يؤكّد على عراقة هذا المرفأ التاريخي العظيم؟ ولا غرابة أن عملنا على الإستمرار به والحرص عليه حرصنا على آثارنا وتاريخنا..

   التنكّر


   يرافق تلك الاحتفالية مشاهد تنكريّة متنوّعة.. من أقنعة الجماجم وشناعة الجثث، إلى اللباس الأنثوي للرجال.. والعملية الذكورية غير مشروطة قد تشارك النسوة بسهولة بالكارنافال.. بالإضافة الى طلي الأبدان بالألوان السوداء أو البنية الداكنة أو غيرها..
التفسير الميتولوجي المعلن هو بغاية تضليل الأرواح وخاصّة الشرّيرة أو أرواح الجدود.. أو لاجتهادات أخرى..
 
ولكن التفسير الاجتماعي أنه محاولة للتخفّي عن أعين السلطات عبر الزمن.. ورفع رموز تدلّ على مواقف تتناقض مع أيديولوجية السلطة الحاكمة وتضليلها، مثال أعتمار القرون كالثيران أو الأيائل، في المرحلة البعلية، إو الإيلية.. إوإعتماد ألوانٍ ذات أهداف سياسية ( تمامًا كما هو حاصل راهنًا في القرن ٢١)
   
   بل، يمكن في ذاك الزمان، لأقامة الإتصال الجنسي دون الكشف عن الوجوه.. ولتسهيل تلك العلاقة.. أليس الكرنافال هو "قران بعل" أي الإقتران والمباعلة في لغة فصحى.؟
الى اللقاء في حلقة أخرى..

 السباحة

  طالما كانت التقاليد تحتفظ بالغطس في الماء في أعقاب التجوال في الأحياء.. وهدف الغطس طبعًا هو إزالة الألوان التي طليت بها الأجساد.. ولكنّ الماء في هذا الموسم في حالة من البرودة الشديدة، لا يتحمّلها إلّا الأقوياء، لذلك فهي عملية استعراض قوى، وربما لإكتساب مناعة في مواجهة الموسم البارد، وهذا الأمر منتشر في الدول الأكثر برودة في العالم، مثل سيبيريا..
 
  ولكنّ البشرَ عمومًا، بينهم وبين الماء قصص وحكايات.. تبدأ من الحدث النوحيّ ولا تنتهي.. فلقد أدركوا منذ فجر التاريخ أنهّا مصدر كلّ حيّ..

  ويهمّنا الناحية الفيلولوجية، طالما ربطنا بين "السباحة والتسبيح" في منشورات سابقة نذكر موجزًا منها.. فهو صلة وصلاة أو أحد عناصره اللازمة.. بالإضافة الى أن من لهجات الماء هو المسّ أي أتصال، ماح، وماد والمد، ماج من الموج، وماع، وماه، ومارَ يمور يؤدّي الى مار القدّيس والمعلّم في لغاتنا المشرقية، ومار هو البحر وهو الأم بالفرنسية.. حتى ضمير المتكلّم بالفرنسية هو "موا" وبالأنكليزية هو "مي وماي" وفي الروسية وغيرها.. مما يستحقّ دراسة مستقلّة..
   
   ويبقى أنّ الغطس بالماء هو بحد ذاته، لهجة من غطاء وتغطية وبالتالي هو حماية وتحمية.. ومن التقاليد المسيحية العماد بالتغطيس في الماء، ولقد سبقهم اليها الفراعنة المصريّون، وأحتفظ بالتراث الصابئة والتسمية تتواصل مع صبّ الماء على الصبي والصبية..الخ، ومنهم المندائيون هم لهجة مائية من الندى والنديّ.. وكلّهم من أتباع يوحنّا المعمدان.. الذي جاء يعمّد بالماء.. الى أن أتى بعده من يعمّد بالروح القدس.. وهل ننسى مناسبة الغطاس التي من أحدى ممارساتها رش الماء المقدّس الذي تليت عليه الصلوات، في البيوت.؟. كما هل ننسى التقليد الشعبي بإزالة المس على أنواعه بواسطة رش الماء وشطف المنازل لدى الكثيرين من أبناء الطوائف المختلفة