الثلاثاء، 13 نوفمبر 2018
الجمعة، 13 أبريل 2018
بين الاسرة والأسر
الأسرة والاسر
مما يثير التفكير تلك العلاقة الفيلولوجية واللهجية بين الكلمتين العربييتين "الأسرة والأسر"، لإن هذه العلاقة لا يمكن أن تكون عفوية أو عرضية، بل لا بد من أن تكون أصيلة في تراثنا العربي، أسوة بتأسيل كل الكلام الذي يحمل الأبعاد الحضارية أو التراثية أو الميتولوجية او الأسطورية، وتبقى حيّةً في الوجدان الشرقي العربي طويلًا، الى أن تصل إلينا في العصر الراهن لتكشف أسرار تاريخنا الانسروبولوجي، أي الانساني...
ويستمرّ هذا الهمّ يتفاعل كلما قرأت قولًا له علاقة بالأسرة، على سبيل المثال ما ذكره جبران في كتاب "النبي": (أبناؤكم ليسوا لكم، أبناؤكم أبناء الحياة)؛ بل أكثر من ذلك تلك الآية (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(14)إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(15)...
ومن المعروف، أن الأزواج والأولاد هم العناصر الأساسية التي تتألّف منهم الأسرة... والتحذير القرآني يصبّ بالتراث البشري المكتشف لدى كثير من الشعوب القديمة والقبائل البدائية، التي طالما تحدّث عنها المكتشفون كالجزر البولينيزية وغيرها من القبائل العريقة في التاريخ، التي أتى على ذكرها كثيرٌ من البحاثة نذكر منهم مورغان وانجلز وفرويد ويونغ وغيرهم.. الخ.
فلماذا هذا التشكيك بأعضاء الاسرة؟ بل ما هي تلك العلاقة بالأسر؟
لعلّ الأمرَ مرتبط بالأسر، حيث أن العائلة تأسر الأبناء والأزواج، فيسعَون للتحرر منها... وبالتالي يجب الحذر منه، كي لا تتحقق النبؤة ويمارس العداء ونتائجه الكارثية المتوقّعة؛ وكلنا ندرك أن التحرر من الأسر دلالة لوجود سلطة حاكمة ومتحكمة، بل سلطة متسلطة، تفرض إرادتها وقوانينها على الجماعة والأعضاء؛ طبعًا نحن ندرك انها علاقة ذكورية، وصلت الى مرحلة باتت هي المالكة المطلقة على العائلة، والمتملكة للبشر من أزواج "زوجات"، وأولاد "ابناء"، ومتملكة للأرض وما عليها من نبات وحياة وحيوانات، وكل ذلك بحاجة لأيادٍ عاملة، وخاصة أيادي الأولاد، بالاضافة الى حصار الأنثى الولّادة، منعًا لخسارة الابناء العاملين والعاملات..
إذًا، فإنّ الإسرة أي العائلة، عبر التاريخ البشري، هي حقًّا أسرٌ وسجنٌ ، وأعضاؤه هم أسرى في تلك الاسرة... ويخشى من أعضائها العمل على التحرّر... عبر اللجوء الى العنف أي الخطر على الآباء الحكام، كما كان يحصل في الماضي ولا يزال يحصل في الحاضر...
وتمضي الأيام وينجلي لغز العلاقة بين الكلمتين، من الناحية اللهجية التي تهمّنا، لدى مطالعة كتاب "الأنثى هي الأصل"، للدكتورة "نوال السعداوي" التي لفتت النظر الى اللغة المحفوظة في طيات قواميس اللغات العالمية لاسيما اللاتينية، فتكتب ما اكتشفته بخبرتها: "كان من حق الرجل أن يقتل كما يقتل عبيده في العهد الأوّل لإنشاء الأسرة الأبوية، ولم يكن أحد يسأل عن السبب، وكان من حق الرجل أيضًا أن يقتل أطفاله، فقد كان هؤلاء ملكًا خاصًا للرجل كقطعة الأرض، التي يملكها، وله حرية التصرف بها، وكانوا جميعًا يسمَون بالعبيد (الأطفال والنساء الذين يملكهم الأب)...
وتأتي د. السعداوي الى اللغة لتقول عنها: "ان كلمة أسرة family في أصلها اللاتيني جاءت من كلمة familia ومعناها عدد العبيد الذين يملكهم رجل واحدٌ. وفي العصور الوسطى لم يكن حال الزوجات بأحسن من هذا، وكانت مخالفة الزوجة في اي شيء تعتبر نوعًا من الجنون أو السحر والاتصال بالشياطين...الخ".
واستنتاجنا ان اللغة العربية، كانت ولا تزال لافظة حافظة الحق التاريخي والتراث البشري على حقيقته، وليست اللغة اللاتينية فقط، وعلى الأقلّ، علينا ان نقر ونستنتج، أن العقل البشري واحد، من الشرق الى الغرب وصولًا الى الجزر البولينيزية...
وهنا لا بد من التوقّف عند العلاقة بين الألفاظ التالية:
الملك، والتملّك، والملكية (ضم الميم) والملكيّة (فتح الميم)..
أي أن الرجل الذي تملّك الأملاك (الأرض وما عليها) هو الذي تمكن من تملك البشر وملك عليهم..
أكثر من ذلك، لم يبقَ الرجل الذكر ملكًا على الاسرة فحسب، بل أصبح هو نفسه "الملاك" في السماء... وهذا الأمر له قصة يلزمها البحث المعمق بها... كما يجب البحث بالعلاقة الميثولوجية بين الأم والأرض... إذ طالما أطلقنا على الأرض تعبير (الأرض الأم، والوطن الأم واللغة الأم، وأمنا الأرض..) مما يعني أن الأم المملوكة كما هي الأرض المملوكة.
الخميس، 8 مارس 2018
المرأة والتغيير والأيديولوجيا
المرأة والتغيير والأيديولوجيا
لعلّ قلة من الناس وخاصّة الذكور منهم، يؤمنون أن العالم يسير في هذا العصر باتجاه مخالف كليّـًا لما سبق حلوله في الماضي السحيق، عندما سيطرت الأيديولوجيا الذكورية على المفاهيم البشريّة... وتحوّلت الأنثى من موقعها المقدّس الذي كانت تحتلّه الى مكانتها الأخرى الملحقة بالرجل، خلافًا للواقع الطبيعي الذي يجب أن تكونه، ذلك لأنها البطن الحاضن للبقاء واستمرارية الجنس البشري، كقانون طبيعيّ لا يمكن اسقاطه في خدمة الفردية أو الآحادية الذكورية مطلقًا... فالذكور كلّهم من بطون الأمهات شاؤوا أم أبَوا... والبشرية بكاملها من نسل الجنسَين معًا.
ما الغاية من هذا الكلام؟
الغاية، هو أنّ هذا التحوّل الذي فرضه التطوّر التاريخيّ البشريّ، لأسباب اجتماعية واقتصادية، هل يمكن له أن يخدم مستقبل البشرية في هذا العالم المتطوّر الراهن؟...
ذلك، لأنني أرى أن التحوّلات التاريخية الاجتماعية عبر الزمن، والتي كانت في الماضي ضرورة فرضها تطوّر نمط الانتاج المشاعيّ، وما رافقه من اكتشافات في الزراعة والرعي والصيد، أدّى كل ذلك الى سيطرة الذكورية على الاسرة والمجتمع، والحدّ من الحرية الانثوية لتحقيق هدف تملّك الأبناء والأخلاف، وتوظيفهم في العملية الانتاجية، والدفاع عن النفس في مواجهة عوامل الصراعات العشائرية بالاضافة لعوامل الطبيعة التي تتطلّب، الجهود والقوى اللازمة... على كل حال لسنا بصدد البحث الانثروبولوجي الكامل عن الاسباب التي أدت الى فرض الذكر سلطته على المجتمع...
ولكن نستطيع الجزم، انّ كل سلطة بحاجة الى سلاح فكريّ أي "أيديولوجيا" يفرض من خلالها توجيه المجتمع، ويحدد العدو والصديق... وبالتالي يقمع الآخرين، وفق محاكمات وافتاءات تنطلق من واقع المصلحة الاجتماعية، وتطوّر المجتمع، والانتاج، وبالتالي انماط الإنتاج الاقتصادي.
وهذه الأيديولوجيا، وكل أيديولوجيا، ليست سوى سلاح ضد الآخرين، وهؤلاء الآخرون ليسوا سوى السابقين، أو السلطة السابقة، أو أصحاب الأيديولوجية السابقة التي رافقت الواقع الاجتماعي السالف... من هنا وضع الرجل كل السلطات بين يديه، وتملّك كل ما توّفر له، من الأرض والماء والماشية والزراعة وخاصّة المواليد، وسائر الأنسال، بالإضافة الى المرأة حاضنة النسل والخلف... لأنّه غير ذلك سيؤدّي به الى خسارة أهمّ وسيلة انتاجية ألا وهي اليد العاملة البشرية...
من هنا، وجد الذكر نفسه مضطرًّا لحجز المرأة حاضنة المواليد، وحجز الأرض حاضنة الزراعة والمرعى... ووضع القيود على حريتها حرصًا على تحديد ملكية النسل... وبدّل الديانات أو العبادات التي قامت في المراحل السابقة، على أساس وحدة الجنسين الأنثى والذكر... الأمر الذي خدم طويلاً، وسائل العيش واستمرار المجتمع قبل أن يقع في أزمته العامّة، مما دفع الانسان باتجاه تعديل وتغيير المفاهيم والفلسفات والأيديولوجيا، بما يناسب التطورات الحاصلة؛ وباعتقاد الأقدمين انهم حمَوا المجتمع البشري من شرور كثيرةٍ، وخاصة التناقض بين التطوّرات والوقائع الموضوعية، وذلك ليس بعيدًا عن القوانين العامة للتاريخ المادي...
وأضفى "الذكر" على فلسفات المجتمع، أيديولوجيته التي تصب باتجاه الالوهية المطلقة... فعوضًا عن الإلٓهة الأنثى ، صار المعبود ذكرًا بامتياز؛ دون أي مبرّر واقعي سوى حركة قوانين التاريخ الموضوعية التي لا تنتظر من أحدٍ فردٍ أن يوجهها...
واذا كان هذا التوجّه قد خدم (أو لم يخدم)، مسيرة أنماط الانتاج القديمة إلّا انّه كان يصطدم بواقع التطور الذي لا يتوقف... فالحركة الفكرية تتبدّل مع تبدّل حركة المجتمع المتنقّل من المشاعية البدائية الى الاقطاعية فالرأسمالية... ثم الامبريالية كما يرغب أن يسميها البعض...
واذا كانت هذه الايديولوجيا التي رافقت العملية التطوّرية قد تسببت بأضرار فادحة كانت محمولة أو محتملة، إلّا أنّها مع الزمن، صارت تسبب الأضرار الكارثية، على البشر والحجر... من الحروب على أنواعها حتى الحروب النووية والابادات الجماعية والتصفيات العرقية، وسقوط الملايين من البشر وخاصة الرجال، بالاضافة الى الأناث والاطفال والمواليد، عدا الأضرار البيئية والأوبئة والأمراض الوبائية، كلّ ذلك يؤشّر الى أزمة الآيديولوجيا التي رافقت السيطرة الاجتماعية للذكور لحقبات طويلة من الدهور، وهذه الأزمة باتت تتسبّب بأذى وجودي للمجتمع، فهي لم تعد تحمي الذكور ولا الأناث ولا النسل المستقبلي، ولم تعد هذه الأيديولوجيا وسائر الفلسفات التي قامت على أكتافها هي الضمانة الكافية لاستمرار المجتمع بصيغته المعروفة، ولم يعد المعبود موثوقًا وقادرًا على الايحاء بالخير العميم والسلام والأمن للجميع ولا بتأمين الحياة الجماعية للبشر ولا لحسن مستقبلهم الانساني...
لذلك، عندما تصل أزمة الأيديولوجيا الى هذا المستوى من التأزّم... يصير الحاكم ، صاحب السيطرة غير قادر على الاستمرار بسيطرته، ولا المحكوم قادرًا على الاستمرار بتحمّل سيطرته، مهما حاول تغليفها بعوامل الترغيب والترهيب، او عوامل التقديس والتأليه والتابو، الأمر الذي صار يتناقض مع الوقائع اليومية الموضوعية للمجتمع...
وأبرز عناصر أزمة الأيديولوجيا اليوم هي الأيديولوجيا الذكورية... التي من الواضح أن الذكور يقعون ضحيتها بالملايين، بل لم تعد تستطيع أن تحفظ الذكورية للذكور، وأكبر مثال الأزمات الصحية والنفسية بالاضافة الى الأمراض الجنسية والقصور الجنسي وحتى المثلية الجنسية والعجز في الاصطفاء الطبيعي للجنس البشري... وليس ذلك فحسب، بل أن الملايين من الضحايا الأنثوية والولادات والتدمير التي باتت تتحقق تحت سيطرة الفكر الأيديولوجي الذكوري المتخلّف... دون ان ننسى العنف والبؤس والجرائم الممارسة خلافًا حتى للأيديولوجيا الذكورية الأصلية... ولا ننسيَنَّ التشوّهات الخلقية والعنف الأسري والتشريد العائلي وتزايد أعداد الأيتام، وتفاقم نتائج الحروب الذكورية الدامية التي أدّت وتؤدّي الى ازمات عالمية من جرّاء ارتفاع أرقام المهجرين قسرًا والمهاجرين رغمًا، والنازحين عن بلادهم وأرضهم هربًا... كل تلك المآسي تفتح باب الولوج الى عالم جديد يختلف كلّيًا عن العالم الكارثي الذي تعيشه البشرية حاليّـًا على مختلف المستويات الانسانية في كوكب الأرض التعيسة...!
وعندما تستعرض الأزمات التي واكبت ظهور الأيديولوجيا الذكوريّة، أي السلاح الفكري المدمّر؛ نجد إنفسنا حتمًا أمام واقع تغيير حتميّ لا يمكن تجاهله، وإلّا ستقع الكارثة على رأس مدبّريها لا محالة... مما يؤسّس ويمهّد السبيل نحو ظهور حلول اجتماعية تطيح بكلّ الواقع الأليم الذي عانته الإنسانية جمعاء؛ وهو الدرس الذي علّمتنا أياه قوانين المجتمع...
هذا الدرس يتضمّن ظهور حلول جدّيّة وثورية لم تشهدها البشرية السالفة في كل تاريخها السابق... وهذه الحلول ستقضي على أهم سلاح مدمّر، وهو السلاح الفكريّ السالف ذكره، وهو تلك الايديولوجيا التي تحكّمت بالمصير والمسار من الماضي السحيق الى الآن، وقدمّت الذكورية على الأنثويّة، وبالتالي كانت قد قدّمت الأسباب والمبرّرات وأقامت ولا تزال تقيم، الشرخ العميق، والسور العظيم بين الجنسين الآدميَين، اللذين توالدت البشريّة منهما...
ولقد علمتنا قوانين الطبيعة الاجتماعية عدم امكانية استمرار الأزمات الى ما لا نهاية، وعلى كافة المستويات، وليس على مستوى الجنسَين فحسب، بل على المستوى السياسي والاقتصادي اللذين أدّيا الى هذا المصير المأسويّ، السيّء الذكر...
وتبدو الحلول التي سينتجها المجتمع، قادرة على خلق نمط جديد من "الانتاج"، يعيد اللحمة الى الجسدين المتباعدين مرغمين، عبر اسقاط ثوري أو سقوط تلقائي، للفكر المتخلف مع كل ما رافقه من فلسفات وعلوم وأوهام وسخافات معادية للعلم والمعرفة الحقّة والتجريبية الحاسمة... ولا يتطلّب الأمر ابتداع أيديولوجيا بديلة مطلقًا، تقوم على السيطرة "الانثوية" على المجتمع، لأنّ كل أيديولوجيا - كما قلنا - هي سلاح مدمّر، سيؤدّي الى إعادة العبودية مجدّدًا الى جسم الانسانية... ويحول دون تلاحم بيولوجي وفطري بين الجنسين الآدميين؛ لذلك، المطلوب سقوط الايديولوجيا المميّزة، واعتماد التدقيق بالعلوم المرنة، والتجارب البشرية، والانثروبولوجيا التاريخية، بعيد ا عن الفرض و الارغام لأي طرف اوجهة على أخرى... وبالتالي تستعيد المرأة دورها الخلّاق في خدمة الأجيال المستقبليّة، لأنّ لها الدور الأساس في تنشئة المواليد الجدد على قاعدة النمو الذكوري الحرّ والقويّ، وحماية الذكورية البيولوجية، من الانحطاط والضعف، والإنحلال الأخلاقي، لا بل من بدعة المثليين الجنسيين المعاصرة التي يسعى نحوها حَمَلة الأيديولوجيا الذكورية المنحلّون والمتحلّلون والشاذون، الذين يفتشون عن تشريع الصيغ القانونية لسيطرتهم السخيفة المؤقّتة...
نذكر ذلك، لأننا على قناعة أن النسوة هنّ ذوات المصلحة بالحفاظ على النوع، وتربية ذكور أقوياء غير منحلّين... وهذه المصلحة ذات أبعاد متعددة الوجوه، تبدأ بالتناسل لأيجاد نسل متفوّق، وبالتالي يفسح المجال لحصول الإصطفاء الطبيعي الييولوجي لا يشوّهه ولا يحول بينه وبين تحقيق القوانين البيولوجية حائل آيديولوجي...
هذا الأمر، طالما كانت المرأة الأم تمارسه، وتقوم بدورها الرائد في تنميته، بالتربية والأخلاق والدفع باتجاه البطولة والمغامرة والفروسية، وحماية صغارها وكبارها من عوامل الطبيعة والمجتمع، ومن العوز والضيق، عبر التضحية بالنفس وبالوقت والجهد، ونكران الذات... وعندما كانت المرأة تقصّر، فلأنها كانت خاضعة لنتائج الفكر الآيديولوجي الافتائي الخاضع للمصلحة الذكورية، السياسية والاقتصادية...الخ.
والتغيير، المشار اليه، ليس عملية تعبوية ثورية مفتعلة بل هو فعل اجتماعي سيفرضه قانون التطور الاجتماعي، ولا يتطلّب منها النضال والكفاح والصراع "الطبقي"، ذلك لان المجتمع سينحني أمام الأنثى ويطلب بإلحاح واذعان للتسليم بالدور المستقبلي للمرأة.. بعد تساقط أوراق وسجلّات الفكر الذكوري وملفاته ارضًا عند أقدام الأنثى.. بعدما يستجير من تفاقم الأزمة العامة لمواقفه التاريخية العتيقة البالية...
آي سيأتي الخلاص على أيدي النسوة حتمًا... مما سيحرّر الرجل المكبّل اليدين، مما صنعته يداه عبر الزمن، وما كتبته أصابعه من قوانين واجتهادات ودساتير وملفّات باطلة بالأطنان ولم تستطع تقديم الحلول الناجعة التي تمهّد الطريق للانسجام مع التطوّرالتكنولوجي والعلمي الذي يحوّل الأرض الى قرية كبيرة تعيش فيها عشيرة الانسانية جمعاء، دون سلاح الايديولوجيات ولا سلاح الحديد والنار والنووي والذرٌي والنانوي.
ومن الآن والى أن يتحقّق ما ذكر أعلاه لا بد للبشرية من المعاناة الدامية المتوقعة، كما كان يحصل غالبًا عند كل عملية تغيير اجتماعي، او عند الانتقال من نمط انتاجي قديم الى نمط انتاجي جديد بديل مناسب للظروف الاجتماعية المستجدّة...
في ضوء ذلك، يمكن درس الوقائع الراهنة في لبنان والوطن العربي والعالم...
الأربعاء، 21 فبراير 2018
معنى الكارناڤال الفينيقي
الكارنافال
طالما قيل أن الكارنافال مستورد، ذلك لاعتقاد البعض بأنه من جذور لاتينية أميركية.. كون التقليد أكثر نشاطًا في تلك الديار منه في أي مكان في العالم..
ومن حقّ الإنسان الإجتهاد والتبرير.. لإثبات أنه مشرقي فينيقيّ كنعانيّ.. وإذا كان مستوردًا فمن بابل وليس من أي مكان آخر أي قبل إكتشاف البحارة الكنعانيين لأميركا.. وذلك له أسبابه الميتولوجية والفيلولوجية.. القادرة على الإدلاء برأيٍ مناسب للواقعة.. الأمر الذي سبق درسه في إحدى الأبحاث التي انجزتها وتتقاطع مع الموضوع.. وتعرض جانبًا من جوانب الكرنافال بتفاصيله ومبرّراته..
.. هذه المناسبة ليس لها أي علاقة دينية أو طائفية أو فئوية معاصرة، ولا يتعاطى بها الكهنوت بكل أديانه الحالية.. لا من قريب ولا من بعيد.. بقدر ما يتعاطون معه باعتباره نشاطًا شعبيّـًا شبابيّـًا حرًّا غير منظّم.. تشارك فيه الشبيبة وسط مواكبة من الصغار والعائلات في هذه المناسبة التي تسبق الصوم.. وطالما كان الحشد المشارك يتألّف من شباب كل الطوائف الميناوية ولا يترك أي أثر سيّء على الوضع الإجتماعي.. ولم يتوقّف هذا التقليد إلّا عندما كانت تؤثّر الأحداث الأمنية على مسيرته.. واتفق أن يكون عرضيًّا في هذه الأياّم.. وذلك له ما يبرّره عبر التاريخ الذي سبق الأديان الحالية.. ويتناسب مع موسم الأمطار وتراجع الانتاج الغذائيّ الحيواني والنباتيّ.. حيث يوجب الحاجة التاريخية للانقطاع عن تناول الطعام أو التخيف منه.. عدا عن الرياضة الروحية والباطنية التي تعتمدها الشعوب عبر الصوم بكافّة أشكاله منذ ما قبل التاريخ.. فيما يتناسب أيضًا مع أنتظار عودة
الخصب الى الطبيعة النباتية والحيوانية.. في فصل الربيع اللاحق لهذه الفترة من السنة…
..عندما نقول أنّه تقليدٌ فينيقي قديم يعود الى أيّام بابل.. وأنّه تتفرّد فيه مدينة الميناء الطرابلسية “التربلية” فذلك لغاية نسعى إليها ولنقول أنّ هذا المرفأ هو من أقدم المرافيء في التاريخ القديم.. فكما نصادف حجرةً منحوتةً أو عمودًا أو فخارةً فإننا أيضًا نصادف تراثًا ولهجة فيلولوجية.. يمكن دراستها والإستنباط من خلالها لإضافة المزيد من المعلومات الأركيولوجية..
باختصار نقول إنّ هذا التراث هو قديم وأصيل وتاريخيّ ولدينا ما يبرره في لهجاتنا المشرقيّة..
فماذا تعني كلمة كارنافال؟
ذلك ما سنحاول الإجتهاد في التوصّل اليه انطلاقًا من عرض موجز لدراسة كنتُ أعددتها تتقاطع مع الموضوع..
ربّ قائلٍ ما علاقة كلمة الكارنافال بالشرق؟
نعم العلاقة وثيقة أكثر مما يتصوّر البعض.. وتؤشّر إلى التاريخ الحضاري للمنطقة.. وخاصّة لهذا الساحل المميّز..
الكلمة “كارنافال” هي بنظري تؤدّي بنا الى تعبير ” قران بعل”..
القسم الأوّل يشير بوضوح الى مكانة القرن الحيواني.. وخاصّة الثور.. الذي قد تجد فيه الشعوب القديمة مصدرًا للقوة القتالية، والخصبية، كما وجدوا في البقرة مصدرًا للغذاء الهام المتنوّع.. حتّى انّ بعض الأبحاث رأت فيه معبودًا قديمًا.. بالإضافة الى ما يرمز اليه “القرنان” من بعد ميتولوجي.. كما يفعل الهندوس المقيمون في شرق حضارتنا بل حضاراتنا العريقة.. من تكريم “البقرة” مما يفترض بنا الإستنتاج أن هذا التكريم مصدره البرّ الشرقي لبحر الروم.. وسبق لأحد البحاثة أن أشار الى أنّ الغزو الفارسي المتكرّر للمنطقة دفع بالعلماء بنقل ثقافتهم شرقًا باتجاه الهند وغربًا باتجاه اليونان هربًا من الوحشية والعنف..( ونذكر في هذا الصدد الباحث الفيلولوجي د. أحمد داود)..
.. ومما يرمز إليه القرن.. بكلّ بساطة هو ” القران” أي الزواج.. وبالتالي فإن العملية الكرنافالية إرتبطت بالخصب والتناسل وبالولادة، شئنا أم أبينا..أو بالتحضير للزواج المقدّس بكلّ أشكاله المبتدعة عبر العصور.. فإذا وجدنا محاربًا ذا قرنين فلا شيء يمنعنا من إعتباره يتحصّن بالتعويذة الرمزية وكرقية مقوية عسكريّـًا وجنسيّـًا.. وهكذا كان انتشار الرمز عالميّـًا مع ذي القرنين فاتح الشرق كأنما يعود بقرنيه الى جذوره المشرقية..
ومن المعروف أننا ورثنا عادة الإمتناع عن الزواج طوال فصل الأمطار لما تحمله من برودة وحتى الثلوج في بعض المناطق، تضيّق عليهم إمكانية اللجوء الى التناسل والولادة.. لا غرابة ذلك لأنّ هذا الوضع كان وما يزال قائمًا، الّا بمعالجته بنتائج التطور التكنولوجي الجديد وبعد اكتشاف أنواع التدفئة المتعدّدة..
لذلك من حقّنا القول انّ الكرنافال بجزء منه له علاقة بالتحضير للزواج أي القران.. ولكن قران مَن يا ترى؟ هذا ما سنعلنه لاحقًا.
..من الواضح أنّ القران أي الزواج هو لشخصية “بعل” الذي يجسّد الطبيعة.. وهو الذي يرمز من جملة ما يرمز إليه “نبع البلل” لأنّ اللفظة تتواصل مع “بع” أي النبع الذي يسكب الماء بكثرة حسب القاموس العربي.. وهي نفسها تتواصل مع بال يبول وبلّ يبلّ وبلّل يبلّل.. ومن المعروف أنّ هذه الشخصية قد أضفت إسمها على بابل.. التي تعني مما تعني ” باب البلّ وباب البلل”.. وبالتالي هو مصدر الماء الذي منه كلّ شيء حـي ّ.. وبقي موضع تكريم لدى كل الشعوب ودخل في ثقافتها وفي قاموسها.. علمًا أن كثرة الماء أدّت الى طوفان أغرق العالم القديم.. وحلّ في فلسفاتهم.. وذلك ما سبق لنا الإجتهاد فيه ( عندما نشرنا شيئًا منه حول بابل)..
وهنا لا بد من الإشارة الى أنّ بعلًا قد أضفى إسمه على بيبلوس (لهجة من بابل) وهي جبيل الفينيقية.. مما يؤشّر الى التواصل بين الحضارة البابلية والحضارة الكنعانية الشمالية.. بل حتّى مع بعلبك أي بعل العظيم.. ومع طرابلس البعلية وهي “طور بعل” المتواصل مع “تربل” مما كنّا قد نشرناه سابقًا.. وغيرها الكثير..! فما المانع أن يكون مركز هذا التراث الكارنافالي هو في ميناء طرابلس أي مرفأ طرابلس.. الأمر الذي يؤكّد على عراقة هذا المرفأ التاريخي العظيم؟ ولا غرابة أن عملنا على الإستمرار به والحرص عليه حرصنا على آثارنا وتاريخنا..
التنكّر
يرافق تلك الاحتفالية مشاهد تنكريّة متنوّعة.. من أقنعة الجماجم وشناعة الجثث، إلى اللباس الأنثوي للرجال.. والعملية الذكورية غير مشروطة قد تشارك النسوة بسهولة بالكارنافال.. بالإضافة الى طلي الأبدان بالألوان السوداء أو البنية الداكنة أو غيرها..
التفسير الميتولوجي المعلن هو بغاية تضليل الأرواح وخاصّة الشرّيرة أو أرواح الجدود.. أو لاجتهادات أخرى..
ولكن التفسير الاجتماعي أنه محاولة للتخفّي عن أعين السلطات عبر الزمن.. ورفع رموز تدلّ على مواقف تتناقض مع أيديولوجية السلطة الحاكمة وتضليلها، مثال أعتمار القرون كالثيران أو الأيائل، في المرحلة البعلية، إو الإيلية.. إوإعتماد ألوانٍ ذات أهداف سياسية ( تمامًا كما هو حاصل راهنًا في القرن ٢١)..
بل، يمكن في ذاك الزمان، لأقامة الإتصال الجنسي دون الكشف عن الوجوه.. ولتسهيل تلك العلاقة.. أليس الكرنافال هو “قران بعل” أي الإقتران والمباعلة في لغة فصحى.؟
الى اللقاء في حلقة أخ
السباحة
طالما كانت التقاليد تحتفظ بالغطس في الماء في أعقاب التجوال في الأحياء.. وهدف الغطس طبعًا هو إزالة الألوان التي طليت بها الأجساد.. ولكنّ الماء في هذا الموسم في حالة من البرودة الشديدة، لا يتحمّلها إلّا الأقوياء، لذلك فهي عملية استعراض قوى، وربما لإكتساب مناعة في مواجهة الموسم البارد، وهذا الأمر منتشر في الدول الأكثر برودة في العالم، مثل سيبيريا..
ولكنّ البشرَ عمومًا، بينهم وبين الماء قصص وحكايات.. تبدأ من الحدث النوحيّ ولا تنتهي.. فلقد أدركوا منذ فجر التاريخ أنهّا مصدر كلّ حيّ..
ويهمّنا الناحية الفيلولوجية، طالما ربطنا بين “السباحة والتسبيح” في منشورات سابقة نذكر موجزًا منها.. فهو صلة وصلاة أو أحد عناصره اللازمة.. بالإضافة الى أن من لهجات الماء هو المسّ أي أتصال، ماح، وماد والمد، ماج من الموج، وماع، وماه، ومارَ يمور يؤدّي الى مار القدّيس والمعلّم في لغاتنا المشرقية، ومار هو البحر وهو الأم بالفرنسية.. حتى ضمير المتكلّم بالفرنسية هو “موا” وبالأنكليزية هو “مي وماي” وفي الروسية وغيرها.. مما يستحقّ دراسة مستقلّة..
ويبقى أنّ الغطس بالماء هو بحد ذاته، لهجة من غطاء وتغطية وبالتالي هو حماية وتحمية.. ومن التقاليد المسيحية العماد بالتغطيس في الماء، ولقد سبقهم اليها الفراعنة المصريّون، وأحتفظ بالتراث الصابئة والتسمية تتواصل مع صبّ الماء على الصبي والصبية..الخ، ومنهم المندائيون هم لهجة مائية من الندى والنديّ.. وكلّهم من أتباع يوحنّا المعمدان.. الذي جاء يعمّد بالماء.. الى أن أتى بعده من يعمّد بالروح القدس.. وهل ننسى مناسبة الغطاس التي من أحدى ممارساتها رش الماء المقدّس الذي تليت عليه الصلوات، في البيوت.؟. كما هل ننسى التقليد الشعبي بإزالة المس على أنواعه بواسطة رش الماء وشطف المنازل لدى الكثيرين من أبناء الطوائف المختلفة
رواية مرآة الروح. لونا قصير
رواية "مرآة الروح": انبعاث موسم الياسمين
قد لا يخطر على بال القارئ للانتاج الأدبي المحليّ أنه بصدد رواية تتخطّى بأبعادها آفاق عاصمة الشمال اللبناني الى المساحة الأقليمية بل الى الميدان الأوسع من ذلك، ليس لأنّ الكاتبة لونا قصير طرابلسية بل لأن الموضوع الذي تناولته في كتابها الروائيّ الرابع " مرآة الروح" يدور حول أهم حدث اقليمي ودولي شائك ومعقّد... ألا وهو الحدث السوري بامتياز الذي يدمي القلوب القاسية.
والرواية لا يمكن أن نسمّيَها إلّا ملحمة، كون الأحداث الواردة كما يجب أن نتوقّع حتّمًا، كثرة الضحايا الذين لن نتفاجأ بسقوطهم....
نعم، إن محور الشخصيات الواردة في الرواية هي علنًا "ياسمين الشام" مما يزيل الشك عن التورية المتوقّعة وعن الترميز، وهي التي يجب أن تمثّل "المستقبل" ليست سوى لقيطة تربت في دير لبناني، كان قد استشهد من استشهد من أهلها في الحرب السورية الدامية... رغم أنّ الشخصية الأخرى التي احتلت مركز الصدارة، لم يكن سوى "رمزي" المهندس الذي كان يجب أن يكون له دوره في عملية البناء لم يكن سوى وحيد أهله، وهو وارث لمرض الأم المتوفاة (رمز الأمة والشعب) الذي أقعده سنوات، وبالتالي سقطت من جراء ذلك تلك البنية والهيكلية، مما حرم ياسمين الثراء والحب والولادة، واضطرت للعمل والسفر، والتعرّف على عاشق آخر، كاد يموت بحبها...
نعم إنّها ملحمة، والملاحم مفعمة بالموت، الذي أحاط بهذه الفتية منذ الولادة وأوصلها الى لبنان لقيطة يتيمة جميلة، وفيها وفاة ام رمزي، ثم والده مرعي (راعي الزواج) ثم الأم كريستينا، ثم انتحار البطل المقعد الرمز دون أن يقوم بدوره، رغم الرعاية المديدة، ولن نفاجأ بذبول الياسمين..!
حتى أن البديل، أيضًا العاشق الولهان "هادي"، هو ثريّ وحيدٌ تربّى عند خالته في الخارج، يعاني من نقاط ضعف في المعدة، وقد اسقط في يده عندما أدرك أنه يعشق متزوّجة، كرّست عمرها لرعاية الزوج المصاب بمرض عضال لا علاج له...
ربّ قائلٍ، أنها قصة المآسي المتعاقبة على بلادنا... والجواب، أنها دراما حقيقيّة فيها من الرومانسية الابداعية مما يتصل بالشعر النثري، نقلت فيها الكاتبة الكثير من المشاعر البشرية والانسانية التي تفعم قلوب العشاق، على لسان شخصياتها الذين اختارت أدوارهم بنجاح، ارتقت بها الى درجة الحكم الفلسفية...
عدا ذلك، تصرّ الكاتبة على أن محور الحدث هو الصراع الذاتي بين الرغبات والواجبات والإلتزامات، الامر الذي سيجد صداه الإيجابي لدى فئة واسعة من القرّاء وخاصة القارئات، وهو موقف حقيقي لا خلاف عليه، ولكن في الواقع، وبرأيي، هو غلبة صراع المواقف من "هيكل وكيان" أي هيكلية منهارة ومقْعَدة غير مجدية وبين بديلٍ عشق "الياسمين" حتى كاد أن يستشهد في سبيله (أو سبيلها) وكاد يفقد الحياة شوقًا وغرامًا...
على كلّ حالٍ، لم يمت سوى موسم ياسمين محدّد، ذلك لأنّ موسم ياسمين آخر قد ولد على يد البديل "هادي وماجدة"، رمز المجد؛ ولا ننسيَنَّ شعاره الذي اعتمده كان "أن ياسمين لا تستطيع ان تموت..!"
والجدير بالإشارة الى ان الكاتبة كما اختارت الأسماء بحرَفيّة ناجحة، إلّا انها استنطقت عناصر الطبيعة لتلعب دورها في السياق بامتياز لم يسبقها اليه الكثيرون، دون ان نغفل ذكر الأديب الكبير "توفيق يوسف عوّاد"، الذي كان يلجأ أحيانًا الى هذا الاسلوب في بداية كل فصل من بعض رواياته، إلّا انها تجاوزت التقليد بتناول الكثير منها مثل النهار والليل والمساء والصباح والشمس والقمر والنجوم والغيوم والامطار والريح والنسيم والبحر والامواج والرياحين والأزهار والورود والطيور... وكان لكل عنصر منها إيحاءاته المعبّرة عن وضع نفسيّ مناسب، بل صارت على يديها قصيدة شعرية مفعمة بالاحاسيس المرهفة، أو الغاضبة، مما يؤسّس لأن يحتلّ مكانته في سيناريو، مرأي ومسموع، على شاشة كبيرة ام صغيرة...
ولكي لا نغرِق الراغبين بمطالعة هذا الكتاب بالمزيد من التفاصيل الجديرة بالقراءة والمعاينة المباشرة، نقول أن السيدة "لونا" قدّمت عملًا أدبيّـًا عربيًّا راقيًا تجاوزت به الحدود الجغرافية والذاتية... حيث لعبت في الميدان الإقليمي انطلاقًا من لبنان وسوريا إلى الخليج مرورًا بمصر، وراحت غربًا باتجاه الساحة الأوروبية، من اسبانيا وايطاليا فرنسا... ولعلها كانت توحي بالتأثير المباشر للحدث المشرقيّ على تلك العوالم البعيدة...
ومن الناحية الشخصية لا ألومَنَّ من يقرأ روايتها ان يستنتج، أن تلك العاطفة الجيّاشة المحيطة بياسمين لا تبعد كثيرًا عن ذلك العشق الراقي الذي يبديه نزار قباني لرمزه المحبوب "بلقيس"... وما "بلقيسته" سوى "ياسمين الشام" بامتياز...
واذا كان لا بد من إبداء الرأي، نرى أن الرواية قادرة لأن تتحوّل الى مسلسل تلفزيوني متعدّد الحلقات، على يد سيناريست ضليع، مع تعديل بعض ما يمكن تعديله من الحوارات "الجبرانية" الواردة بما يناسب المشاهد العربي والأجنبي أيضًا... وذلك اسوة بالرواية السابقة " فراشة التوت" المؤهّلة لأن تتحوّل الى مسرح غنائي ناجح مع بعض التعديلات والإيجاز...
وفي نهاية المقال ندعو للكاتبة بمزيد من التقدّم والتوفيق، لإغناء المكتبة العربية الورقية، بإنتاجات اضافية، تتخّطى الحدود العربية الى العالمية، في زمن انحسرت فيه مؤلّفات الكثير من الأقلام التي اعتدنا على مطالعتها في أزمنة سالفة...
الثلاثاء، 12 ديسمبر 2017
الكتابة على جلدة الرأس
عنوان الكتاب الأوّل الذي أتحفنا به الدكتور "بلال عبد الهادي" <لعنة بابل> ، لم يكن أختيارًا عبثيًا منه، سيما وهو الضليع بالتاريخ واللغة والحضارات القديمة والحديثة، فلا شكّ كان قد اختاره عن سابق إصرار وتصميم، ذلك لكثير من الأسباب الكامنة خلف التراث اللغوي البابلي والذي أدى إلى تعدّد اللهجات التي أصبحت مع تقدّم الأزمنة لغاتٍ مستقلّة تباعدت عن أفواه الأقوام الكثيرة التي كانت متقاربة، رفعتها من الأرض المتواصلة إلى القِمم المنقطعة، عوامل الطبيعة المدمّرة، وخاصة الطوفان الذي تواصل بتقدير التراث العتيق حوالي الستمئة سنة تقريبًا...
"لعنة بابل" أمتعنا فأشغلنا بالتراث اللهجي الذي لا تقلّ لعنته عن نعمته...
كثير من الأمور تحمل في طياتها الكثير من الأضداد...
وكلمات معظم اللغات فيها من الأضداد ما يفوق التعداد...
والفكر الصيني كفيل بالتأكيد والتحقيق...
واليوم ماذا عن عنوان كتابه الثاني الصامد الذي وقّعه مؤخرًا في المركز الثقافي الصفدي، والذي اختار له العنوان "الكتابة على جلدة الرأس"؟ وافتتحه بالمقال الأوّل الذي عرض فيه حادثة حصلت في زمن الخليفة المستعصم وأودت بالرؤوس التي استخدمت أداة لنقل الرسائل السرّية، بالحفر على جلد الرأس بالأوشمة والرسوم، ليأمن المرسل عواقبها ومكرها...
وقبل أن يفكّر أحدنا باختيار عنوان آخر للكتاب ، فلم يغفل د. بلال، عن دفع البلبلة في نفس المقال الافتتاحي، عبر التذكير بالكتابة في الطين والنقش بالحجر وعلى جلود الحيوانات وعظامها، وعلى ورق الشجر أو القصب، وصولًا الى الورق، قبل معاصرتنا للكتابة الالكترونية الحالية... وهو الذي نشر ان النقش على الحجر لا يزال معمولًا به الى اليوم لأسباب فنّيّة أو جنائزيّة... كأنّما يستبق أفكارنا بالإجابة السريعة على اقتراحاتنا...
رغم كل ما تقّدّم، نتذكّر الحكمة "العلم في الصغر كالنقش في الحجر"، والنقش متعب حقّـًا، ولكنه راسخ في الرؤوس كما أنه صامد أمام عوامل الطبيعة والتاريخ...
وهنا لا بد من استذكار التعبير اللطيف والمصيب: "لقد دوّخت حجر رأسي" مما يوحي أنَّ في الرأس حجرًا منقوشًا أو عنادًا كالحجر الصخريّ من الصعب تحطيمه... ولكن الحجر أبعد وأعمق بكثير من ذلك..!
فماذا تقول اللغة؟
لا يمكن أن نتعدّى ونتجاوز صاحبَ الكتاب ورأيَه بعنوان ومضمون مؤلَّفه الذي شرحه بوضوح، ولكنّ لكل كلمة في اللغة، أي لغة، أبعادًا ايحائية ورمزية ولهجيتها تخضع للتحليل الفيلولوجي... اسوة بالفنون والآداب التي لا تعبث في اختيار أسماء الشخصيات والأبطال، منذ البدء في رسم اللوحات في القرون الوسطى وحتّى قبلها، وهي ذات تأثير متواصل في الزمن، ولا تزال محفوظة في اخراج الأفلام والمسرحيات، وكل العمليات الفنية التي تفضّل ألوانًا على ألوانٍ، بما يناسب الظروف والأدوار...
من هنا لا يمكن لنا ان نمرَّ مرور الكرام على "جلدة الرأس" قبل اقتراح أي بديل... ذلك لانَّ جلدة الرأس من الجذر "جلد"، وظاهريّـًا نرى في الأمر جلادة، أي نجد صبرًا وتأنّيًا واصرارًا، في الرأس على انجاز هذا المؤلّف، مما يشكّل انسجامًا مع واقع الكتابة والتفكير والبحث والاخراج، وطبعًا بعيدًا عن عقدة "جلد الذات" البسيكولوجية، بل قد يكون من أمر الكتابة هو التعرّض للجلد بسبب المضامين التي تخالف الحاكم؛ وعلى كلّ حالٍ فإنَّ "الجلد" يبقى اقلّ عقاب من قطع الرأس المذكور بهدف إخفاء المكتوب وكتم لسان حامله الى الأبد... علمًا أنَّ الكتابة كانت تتمّ غالبًا على "جلود" الحيوانات في ذاك العصر؛ وكان <الابداع> من قبل الخليفة بإملاء النصّ على رأس ذاك المملوك المسكين الذي تعرّض للقطع لإتلاف الرسالة وحفظ سريّة المواقف الأميرية...
والجلادة ناتجة عن رغبة في التعبير عن مكنونات الذات، عندما لم تعد هناك قدرة على حجرها في (حجر) الرأس، وإلّا قد تسبّب ما لا تحمد عقباه لصاحب الرأس، الذي قد يدوخ حجُره...
وبالمقابل، قد يحظى الكتاب بغلاف مميّز، وقد يكون هذا الغلاف من جلد الحيوان، الذي يصمد في وجه الأزمنة وعوامل الطبيعة، أكثر مما يصمد الورق المقوّى...
ولكننا نطمئن الكاتب أن في كتابه مما يحول دون قطع الرؤوس، بل يحييها، وفي مقالاته، رسائل علنيّة واضحة مكشوفة للعيان، "وشم" المضامين في الرأس وليس على على جلدته... لذلك هي "منقوشة في الحجر"... وذلك هو موضوع متابعتنا في الفصل القادم...
الفصل الثالث: حول كتاب "الكتابة على جلدة الرأس"
بما أنَّ الكاتب يوّجه مقالاته العلنية، ذات الطابع التعليمي والتربوي والاجتماعي، بالإضافة إلى المواضيع اللغويّة والتراثيّة، والاصرار على الرسائل المكشوفة، عبر أعتى الوسائل المفضوحة في التاريخ البشري، ألا وهي الفاسبوكيّات، والتغريدات، والمدوّنات، الجوجولية، وهي خاضعة كلّيًّا للمراقبة المتواصلة الموثّقة الكترونيّـًا، حيال كل ذلك، فهو ليس بحاجة للكتابة على جلدة الرأس المميتة، بقدر ما حقق فعليّـًا النحت في الرؤوس الصلبة...
يا ترى، أمام هذه المعطيات، ماذا لوِ اقترحنا عنوانًا آخر، وهو "الكتابة على حجر الرأس"..؟ الذي تلمّسنا أهدافه وغاياته القيّمة وتلمّسنا أبعادها وفوائدها..! لذلك ليس لنا إلّا العودة الى معبودتنا اللغة العربية وقاموسها الغنيّ لإدراك الفارق بين ما هو على الرأس وما في الرأس، والقاموس ما هو إلّا البحر المحيط، ولغتنا محيط هائل من المعاني...
فماذا سنجد في حِجْرِ الحَجَرِ؟
نقدّم أولى معاني "الحجر" على سائر المعاني الاخرى بسبب مناسبته للبحث إيّاه، فالمنجد في صفحته ١١٩: الحِجْر ج حُجُور وحُجورة وأحجار، هو "العقل"، والسبب الذي أورده المنجد، ذلك لأنّه يحجر أي يمنع الانسان عمّا لا يليق به...
وفي تعليقنا نرى أن أن الكتاب هو بدوره يحجر الانسان عمّا لا يليق به.
لذا، ندرك لماذا يقولون "داخ حجر رأسي" لان في الرأس حجر والحجر هو العقل، والعقل من الجذر عقل، والعاقل والرابط الربط والارتباط.. الخ.
وبالتالي فإنَّ الكتابة على الحجر هي نقش في العقل..!
ولنعلمْ أن تعبير "ألقمَه الحَجَرَ" يعني أفحمه بجواب مسكت ٍقاطعٍ، فهل يوجد مثل الكتابة الجلودة كي نستطيع الوصول الى حسم وجزم وحكم قاطع في أي نقاش؟!
بل، إنّ الحجارة بين مختلف مواد الطبيعة من بينها حجارة كريمة غالية جدًّا، نذكر منها "الحَجَران" أي الفضة والذهب... دون ذكر باقي الأنواع التي اعتمدت في الطقوس والعلاجات الباقية حتى الآن...
وعند ذلك، إذا كتبنا على الحجارة، فإننا نكتب على "حَرَم"، لأنَّه هو المحجر، وهو أيضًا المحجر الصحي... ففي الكتابة عليه صحة وعلاج..!
أكثر من ذلك هو الحضن الحاضن، والحصن الحصين..!
ونكتفي بذلك، لأنَّ الموضوع "الحجري" ذو أبعاد فيلولوجية رمزية تتجاوز الحديث السريع...
في الخاتمة المبدئية ندعو للكاتب العزيز "انتشار حجرته" أي كثر ماله، وكثرة عطائه.. وبالتوفيق..!
الخميس، 23 نوفمبر 2017
النور
النور
١
هناك، كان النور يغفو في كوخ صغير؛ كان يتمتّع بالراحة المديدة، كل شيءٍ مغلق، يحجب عنه العالم، كلّ العالم الخارجي، كان يحلم، يحلّق في فضاءٍ فسيحٍ عميقٍ عميمٍ، كان يحلم بطيورٍ مجنّحة في زرقة سماء، تحت بياض غيومٍ، تسبح على ريش ريحٍ رطبٍ.. هاهو من روؤس أمواج الى قمم جبال، يندّي الزهورَ وأفناناً غضّـةً، وبراعمَ وأوراقًا..
كان النور يحلم.. والأحلام جميلة، ترفرف.. تعلو الحجر والبشر والحيوان والغاب.. يحلم بنسيم.. يقفز من عطر زهرة فواحٍ الى أنف صبية.. النور يرغب، النور يحبّ، النور يشمّ..
٢
عندما تفتّحت أكمام زهرةٍ عن وريقاتٍ حمراءَ قانيةٍ..
عندها هبّ بعض النسيم يحملُ عطرَها، ويحرّك بعض منافذ الكوخ، وما أن قدر النور أن يتثاءب، راح يطلّ برأسه عبر شقوق وثغور على الحقول والبساتين.. منتشرًا بسرعةٍ هائلةٍ.. يلوّن كلّ شيءٍ بألوانٍ بديعةٍ ملائمةٍ.. لوّن رقيق أوراق الشجر بالأخضر.. لوّن الغصونَ.. لوّن الجذوع.. لوّن التربةَ.. وحلٌق يلوّن السماءَ بالأزرق.. فنانٌ أفلت من عقاله يختار لعناصر العالم ما تستحق من مشاهد وتعابير..
٣
...فيما كان أخونا النور.. يشتم العطور.. والريحان.. والعبق.. كانت فرشاته تتراقص مع حفيفٍ مع خريرٍ مع زقزقةٍ مع رفرفةٍ مع تنهيدةٍ .. مزج لتلك الزهرة خيارًا جاذبًا.. بعض الأحمر.. بعض الأخضر.. مع بعض الطل.. وندّى خدودَ شذاها بالليلكي الليليّ المتلأليء حالمـًا كما النجوم الغافلة.. في ليل الأحلام..
..وهكذا همّ ينشرُ الفجرَ.. فجر الأنوار.. تسلّل عبر زجاج تلك النافذة، عبر ستائر مخرّمة.. وحطّ على خدين..
..الخداّن والوجنتان.. كلاهما مباركان.. بالأبيض بالقرمزيّ.. واستغرق زمنًا يخطّ ويضيف ويصبغ تلك الشفتين .. والنور يكحّل كما ينير!.. فتسلّق الى الجفنين يكحّلهما بسوادٍ حالكٍ.. وذاك الشعرُ.. فيه من النور ما يكفي.. بل فيه من النسيم ما يرفّ ويفرح..
٤
شهّر النور بها.. فتية.. صبية.. هنية.. أيقظها حلم الصباح.. وانتصبت تتحقّق من ذاتها.. وذواتنا في المرايا.. ومرآتها الى جانب نافذة.. وحطّ طائر النور على ثوب النوم.. انه ملاصق.. تقاسيم.. تضاريس.. صناعة الأنوثة إيّاها..
النور متسلّل.. عبر الثنايا.. من خروم الأبر.. خارقٌ للنسيج.. حتّى كاد يظهر.. جسد غضّ يطلّ من الشفافية .. من الحياكة..
أدركنا.. النور يتنشّق.. والجيد معّطر ناعمّ.. والجيد حريريّ.. والفتيات اناث مراهقات.. والمراهقات جاذباتٌ نورَ الذكورةِ.. والنور كما يبدو ذكر ذكر.. وهنّ يحببنه، يرغبنه، يردْنه!
٥
توقّف النور مفكّرًا.. والنور فكرٌ.. ما الحدقتان؟! ما البؤبؤان؟! أدقّ شعاعاته حثّ ليصلَ الى انسان العين.. هذان البؤبؤان حادّا السواد.. حالكان.. خارقان.. خرقا النور مشعّيَن من الجفنين.. انطلقا يلاقيانه.. يصدمان الضوء المتحرّك إليهما.. سحراه سحراه، يعكسانه.. يلتمعان تحت ألقِ الصباح المتلأليء عند النافذة..
همست الصبية، صفّرت لطائر غرّيد يظفر بحرف جانبها..
غنّت.. تراقص النور.. والغناء ليس صوتًا، الغناء شعور قلب.. تمايل لغناءالروح.. غنّت واللحن فيروزيّ.. والكلام ذهبيّ..
الغناء غنى.. غناها اثنان.. سحرها سحران، ظهرا عند السحر.. السحَر والسحْر متلازمان..
٦
فكّر النور.. والنور فكرٌ.. كيف؟ لماذا؟ واللون اللائق لصبية فتية.. يضفيه.. ومخدعها؟ غرفتها، جدرانها، ستائرها، لوحاتها، غضّ النور النظر.. والستر حقّ.. أفرغ بعض اللحظات بعيدًا عن قوامها.. ها هو الأصفر يحيط بالمكان.. والأصفر حبّ وغيرةٌ.. نورانيّ.. والمسدلُ مزهرٌ مورقٌ..
للستائر صفاتٌ وأنواعٌ.. منه مأسور مع صبية فاتنة في مربّعٍ منفردًا مسرورًا ماسًّا وممسوسًا.. منه ما يمتنع عن النور يعصي الاختراق ويستعصي.. يحول بين هنا وهناك.. والناس أذكياء يعرفون ما يريدون.. يحجزون ويخرجون.. يستغلّون متى شاؤا، يتجاهلون متى شاؤا..
٧
طرق سمع النور حفيفٌ.. حفيف ثوب رقيق، والسمع نور.. والألوان شعاعات زهرية شفّافٌ.. ما كان منه إلّا أن يرى.. نظر فشاهد ودهش.. الآن وكلّما إزداد انعكاسًا تكشف المزيد.. جمال وحسن وتناسق.. خالقٌ مبدعٌ حقّـًا..
أحبّ.. وهو يحبّ! لو تسدل الستائر.. لكي يتفّرد معها بقليل من نورٍ..
هكذا.. النور يتكثّف حسنًا وجمالًا .. عاف ما دونه..
أدرك النور.. فكانت العيون.. لانّ:
النور يحبكن..
النور يحبكم..
النور يحبّنا..
النور يهدي..
( ســـعد ديب )
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)