الاثنين، 19 نوفمبر 2018

فيلولوجيا بين الرياضة والرياضيات.

بين الرياضة والرياضيات

  لم يكن الأمر مزاحًا بل هو من الجديّة بمكان، ومكانه هام جدًا، فقد تكشّفت علاقة وثيقة بين الرياضة والرياضيات عبر التاريخ، ولقد حفظتها اللغة العربية كما حفظتها في اللغات الأخرى... ولكن أن يحصل ذلك في لغتنا فيعني أن الأمر محلّيٌّ بامتياز ومتجذّر في الحضارة العربيّة والمشرقيّة...
  من المعروف أنَّ الرياضة هي عملية ترويض، منهم من قال بترويض الذات، ومنهم من يعمل بترويض الحيوان؛ إمّا ترويض الذات فهو عملية ذات وجهين، الجسدي أو الروحيّ، أي الباطني، أو الأصح هو نفسيّ، بالتعبير الحديث.

  ونرى في التعبير الأساسيّ، علاقة بين الرياضة والروض والرياض، ممّا يعني أنّ الرياضة تقام في الغالب في الروضات المزروعة بالخضار والأزهار، وتجري فيها المياه عبر مجارٍ وقنوات وسواقٍ، أو نوافير ومرشّات، فهي جنائن غضّة، مغروسة بالأشجار المثمرة والنباتات العطرة، لتساعد على التأمّل، والاسترخاء، وإطلاق الروح، وتدريب النفس، وتنفّس الهواء العليل، وشرب الماء السلسبيل...

  ونرى في ذلك علاقة بين النفْس والنفَس والتنفّس، كما نجد تلك العلاقة بين الريح والروح والرائحة، أي أن كل هذه الأجواء مساعدة على الرياضة التي نحن في صددها، إذ انَّ كلّ تلك العناصر متوفّرة في الجنائن والحدائق؛ والجنة ليست سوى لهجة حقيقية من الجُنينة، وهذه الأخيرة صيغة تصغير مشتقة من الجنّة، حتى أن وصف الجنة الموعودة ليست سوى وصف للجنائن التي عرفها الإنسان، مع المغالاة بوجود الأنهارالدافقة بالمياه واللبن والعسل والخمر؛ ولا نستغربنَّ، أن تكون الرياضة بحد ذاتها هي للوصول الى تلك الحالة من النشوة، التي توفّرها الرياضة الباطنية أو الروحية أو "الإيحائية"...
  ومن كلمة الجنة، نشتق كلمة الجنّيّ، وكم حاول الكثيرون إيجاد الطرق في محاولة منهم للاتصال بالجان، من أجل الحصول على كنوز مخبؤة ومرصودة، أو الحصول على معلومات غيبية ماضية ومستقبلية، أو إيجاد حلول لعقد ومشاكل بشرية، بل للتأثير على مجرى الأمور الإجتماعية، وتوجيهها نحو رغبات المريدين بل للاتصال بأرواح الموتى الأعزاء أو لتلقي معلومات لازمة؛ وهذه العمليات تخضع لطرق وأساليب متعدّدة واعتماد حرق البخور، وتكرار جمل لوقت معيّن، أشبه باللازمة أو "المنترا" الهندية؛ وربما بعض أنواع الصوم وتناول بعض الأطعمة المحدّدة أو الامتناع عن بعضها الآخر، ولا يتوانى العامل في هذا المجال عن تحقيق العزلة والصمت في أمكنة هادئة وبعيدة عن الناس. وكل ذلك بهدف الإتّصال بعوالم غير مرئيّة، يعتقد أنّها موجودة خارجه وليست في وعيه الباطنيّ. ويرى هؤلاء أنّ الجان نوعان، علوية خيرة، وسفلية شريرة، ولكن لا يتوانى عن محاولة الاتصال بالسفلية لأغراض "سافلة"، مع العلم أن كل ذلك ليس سوى عمليّة وهميّة ايحائيّة باطنيّة لا تتعدّى الذات البشريّة الداخليّة للإنسان، كما جزمت البسيكولوجيا الحديثة وسائر الدراسات والتجارب العلمية... ذلك لأنّ الأمر ما هو إلّا تهيُّؤات وهلوسات، قد تحصل أحيانًا للبشر بشكل تلقائيّ، وخاصة الصغار والفتيان، دون رياضة أو تأمّل أو حرق بخور، كما حصل في القصة الخرافية "السندباد وخروج الجنّيّ من القارورة"؛ وبالتالي فإنّ هذه الرياضات قد نجح فيها وصدّرها للعالم الفكر البوذيّ، وسائر الفلسفات الناتجة عنه والتيارات الثقافيّة التي خدمت واقع الفقر المدقع الذي يعيش فيه الشعب الهنديّ منذ أزمنة بعيدة. بالإضافة إلى الثقافات الموروثة من الحضارات العريقة في التاريخ، كالرافديّة، البابلية، والفرعونية وصولًا إلى الإغريقية...

  من هنا من حقنا أن نتساءل، أليست "اليوغا" هي رياضة تجمع كلّ تلك العناصر، وتشبهها؟! وهي بالذات أليست طريق الوصول الى تلك النشوة المبتغاة؟ وهذه النشوة تُسمّى "النيرفانا"، وهي التي صدّرت هذه المعارف باتجاهات مختلفة، وانتشرت شمالًا وجنوبًا، وشرقًا وغربًا.

  وكل تلك الرياضات تعتمد تعبير "الترقّي" الروحيّ أو الباطنيّ، وهو لغويًا الارتفاع، والمقصود الارتفاع الى عوالم عالية، بواسطة "الڤوياج أسترال" أو الرحلة الروحيّة، وبالتالي فإنَّ الترقّي اليوغيّ يسعى نحو النيرڤانا، الذي يصبّ في نفس المصبّ، وإذا قرأنا التعبير إيّاه بالعربية فسنحصل على "نور الفناء" أو نور العدم، والآخرة تحتمل الوجهين، كلا الجنة والنار، وكذلك "النير- ڤانا"هي أيضًا نور الفناء أو نار الفناء... ولكن في الرياضة يتمّ الوصول الى الجنّة، أو السعادة العارمة...

  ولقد اعتمدت بعض الحركات على أنواع المخدرات لكي توحي للمريدين لديها بأنهم تلمّسوا الجنّة الموعودة...

  وعلى الهامش، فإنَّ مروِّض بعض أنواع الحيوان يسمى سائسًا، والسائس هو السياسيّ من الجذر اللغوي ساس... ويرغب بعض الكتبة بالتقريب بين السياسي ومروّض الحيوانات بالجملة، والمقصود وجود قدرة لدى بعض السياسيين بالتأثير على الجمهور الذي يكون كأنّه مخدّرًا أو مجرورًا الى الولاء للزعيم السياسيّ...

  على كلّ حال، فإنّ موضوعنا، هو العلاقة بين الرياضة والرياضيّات، فهل هناك علاقة بين كلا الرياضيَّين؟ أي بين العامل بالرياضيّات والعامل بالريّاضات! لأنّه طالما وجدنا في التحركات الروحانية الكثير من الأشكال الهندسية والأرقام والحسابات الى جانب جملٍ غامضة ناقصة أو مقتطعة من كتب يقال عنها مقدّسة أو معتمدة في هذا المجال... ولم يغبْ ذكر أسماء بعض الفلاسفة الإغريق أو الهنود أوالتوراتيين وغيرهم، عن صفحات كتب التنجيم والأبراج، الشعوذة؛ وبالمقابل، من الملاحظ غياب كلّيّ للرياضات الجسديّة، التي تُعنى بصحة الجسد وقوة العضلات والمقاومة والمصارعة، بعكس الفكر الأسيوي الذي يجمع بين الرياضة الروحية والرياضة الجسدية، في بعض مجالات التدريب على الدفاع عن النفس ، مثل الكاراتيه والجيدو وغيرها...

  وفي التراث العربي، يطلق على الرياضة الروحية تعبير "التصوّف"، واجتهد المجتهدون لتفسير التعبير بالصوف أو بلابس الصوف أو بالصفاء وهو الأفضل بينها، مما يناسب تعبير الفلسفة التي قد تعني (علم الصفاء) لأن "فلا" تعني ربى يربّي، "سوفيا. صوفيا" تعني بتقديرنا "الصفاء" فيما يعتبرونها (الحكمة). ولا شك أن التصوّف يجب أن يؤدّي الى الصفاء، وهو عملية تتواصل بالمضمون مع الفكر الهندي ورياضته التأملية وتقنيته. 

  ولا يكفي الحديث السريع عن تلك العلاقة الرياضية دون الكشف عن المزيد من المبرّرات في التراث البشري، شرقًا وغربًا، والأبرز بينها تلك الكلمة العالميّة، "ماتيماتيك" التي تكتب بالصيغة اللاتينية المعروفة عالميًا،
mathematique 

  *الماتيماتيك

يجوز كتابتها بالعربية "مت ماتيك"... وربّ قائلٍ ما العلاقة بين اللغتين العربية واللاتينية، عدا عن العلاقة التاريخية المعروفة عندما انتشر العرب بلغتهم في أقاصي المعمورة وأتقنوا النطق بلغات عديدة... وخاصة باللغات ذات الجذور اللاتينية؟! مما يدفع لاكتشاف تاريخ العلاقة الفينيقية القديمة السابقة لكل ذلك، وتوكيد العلاقات اللهجيّة والمعنويّة بينهما، بل أكثر ما يهمّنا هو التواصل بين المضمون والمعنى...

  وهكذا، يحفظ لنا القسم الأوّل، الكثيرمن المعاني منذ تمّ اختيار هذا التعبير وإطلاقه على مضمونه، ومنذ نطق به أوّل متحدّث في التاريخ...

  الجذر الأوّل، "مت أو متّ" ونحن نعلم أنَّه يعني بوضوح "اتصل"، يعني أن الجذر يؤشّر على أنّ "الرياضيات" باللغة اللاتينية العالمية هي وسيلة اتصال وتواصل، ولكن <بمَنْ وبِمَ ولِمَ إلامَ>...؟

  ومن السهولة إدراك العلاقة بين الجذر متّ يمتُّ وماتَ يموتُ  موتًا الميْت، والمائت...

  ويعني لنا ذلك الكثير، أي أنَّ الإتصال هو في الأصل مع الأموات، أو عالم الموتى، أي أرواح الموتى، الذين أصبح الأخيار منهم ملائكة في السماء بنظر أحبابهم وأعزائهم، أو أنهم أرواح شريرة في العالم السفلي... مما يتواصل مع مفهوم الجان السفلي والعلوي...

  وتتعزّز القناعة بهذا المفهوم، بتكرارُ الجذر إيٌاه (مت. ماتيك)، كأنَّ الناطق الأوّل يسعى للتأكيد على أن الرياضيات هي "متّ بالمائتين" أي الاتصال بالمائتين...

  ويزيدنا قناعةً، أنَّ كتابة التاء اللاتينية حرفان th، طالما قُرأناهما كحرف السين،أو الثاء، مما يفيد باللجوء الى الجذر (مسّ) وهو من أبرز أفعال الإتصال ويترادف مع (لمس)، وتلك إضافة تفسّر معنى (متّ بصلة).

  وكذا القراءة المختصرة للرياضيات هي (مَتْ أو ماتْ)...

  ومن المعروف أن التعبير يعود الى الفلسفة اليونانية حيث جمع الفلاسفة الإغريق بين الفلسفة والأرقام والرياضيّات والجبر والهندسة... وخاصة حساب الأشكال الهندسيّة و المسلمات الاقليديّة التقليديّة... وأبرز هؤلاء الرياضيين ممّن جمعوا بين الرياضيات والرياضة هو "بيتاغور".               

  *بيتاغور الرياضيّ

  فماذا عن بيتاغور؟ لنفتّشْ! 
  تنشر الويكيبيديا بعض المعلومات:
  هو فيلسوف وعالم رياضيات يوناني، مؤسّس الحركة الفيثاغورية كما يُعرف بمعادلته الشهيرة (نظرية فيثاغورس). والمعلومات حوله مأخوذة من مؤلّفات كتبت بعد قرون من وفاته، لذلك لا توجد معلومات موثّقة حول افكاره وأعماله. ولد في جزيرة "ساموس" وسافر إلى بلاد عديدة منها اليونان ومصر وربمّا الهند. أقام في مستعمرة "كرتون" اليونانيّة في إيطاليا حوالي سنة 530 ق.م. حيث أنشأ مدرسة لمناقشة موضوعات فلسفية مختلفة، مثل ماذا يحدث للروح عندما يموت الجسد؟!. (وعلى الهامش كلمة "كرتون" لهجة من "قريةٌ").

  وتقول المعلومات، لقد اهتمّ فيثاغورس كثيرًا بعدد من المواضيع العلميّة والرياضيّة والموسيقيّة حيث أظهر العلاقة بين شدّ وإرخاء السلك (الوتر) والنغمة الموسيقية التي يبعثها عندما يُنقر عليه في فترات منتظمة، وتكون النتيجة سلّمًا موسيقيًّا هرمونيًّا.

 وهو صاحب نظريات رياضية التي سمِّيَت باسمه، مبرهنة بيتاغورس، وهي علاقة أساسية في الهندسة الاقليدّية، بين أضلاع المثلث، قائم الزاوية... وبالتالي سجلّت الكتب أنّه إلى جانب كونه رياضيًّا وفيلسوفًا فقد كان عالم فلك أيضًا...

  وتقرّ المعلومات، أنه تحاك حول شخصية بيتاغوراس العديد من الروايات والأساطير ويصعب التحقق منها حيث يروى أن بيتاغوراس الساموسي ولد في جزيرة ساموس على الساحل اليوناني. في شبابه قام برحلة إلى ميزوبوتاميا (وهي منطقة ما بين النهرين أي الرافدين أي العراق) وأقام في منف (بمصر) 10 سنوات ثم بالإسكندرية؛ حيث تابع دراسته هناك وبعد 20 سنة من الترحال والدراسة تمكن بيتاغوراس من تعلم كل ما هو معروف في الرياضيات من مختلف الحضارات المعروفة آنذاك؛ لكن عندما عاد بيتاغورث إلى مسقط رأسه إضطر للفرار منه وذلك لمعارضته للدكتاتور بوليكراتس في ما يخص الإصلاحات الإجتماعية. في حوالي 523 ق.م إستقر بيتاغورث في جنوب إيطاليا في جزيرة "كرونوس" حيث تعرّف على شخص يدعى "ميلان" وكان من أغنياء الجزيرة فقام ميلان بمساعدة بيتاغوراس مادّيًّا. في هذه الأثناء ذاع صيت بيتاغوراس واشتهر، إلّا أن ميلان كان أشهر منه آنذاك حيث كان عظيم الجثة وحقق 12 فوزًا في الألعاب الألمبية الأمر الذي يُعتبر رقمًا قياسيًّا آنذاك. كان ميلان مولعًا بالإضافة للرياضة أيضًا بالفلسفة والرياضيات مما جعله يضع قسمًا من بيته في تصرف بيتاغور، حيث كان يكفي لإفتتاح مدرسة.

 إهتم أهتمامًا كبيرًا بالرياضيات وخصوصًا بالأرقام وقدّس الرقم عشرة لأنّه يمثل الكمال كما اهتم بالموسيقى وقال ان الكون يتألف من التمازج بين العدد والنغم.

  أجبر فيثاغورث أتباعه من دارسي الهندسة على عدة أمور قال إنّه نقلها عن كهنة منف (بمصر) المزاولين للهندسة، وهي كالتالي:

* ارتداء الملابس البيضاء.
* التأمل في أوقات محددة.
* الأمتناع عن أكل اللحوم.
* الأمتناع عن أكل الفول.

 والتعليق المناسب والمختصر في تحليل المعلومات أعلاه، أعلنه بيتاغور بنفسه أن الكون يتألّف من التمازج بين العدد والنغم، الأرقام والرياضيات والموسيقى، عدا عن وضعه "تقنية" الرياضة الروحيّة والتأمّل وأنواع الصوم المفيد لهذه الرياضات الباطنيّة، وكذلك شروط العمل في الهندسة وهي ليست سوى رياضيات بامتياز. (ونلفت الى أن العمارة القديمة في حدّ ذاتها ذات طابع ميتولوجي وروحي، إنْ كان في بابل، أمْ في مصر الفرعونية، أو المعابد الفينيقية)...

 والحديث عن شخصية ميلان الذي تعرّف به بيتاغور، يفسح المجال لنا بالتأكيد على العلاقة بين الرياضة العضلية والفروسيّة، وبين الرياضة الروحيّة، حيث كان كلاهما يمارسان الرياضة ويخوضان المباريات التي تتطلّب القوة العصبيّة والعضليّة. 

  بعد هذا العرض، هل من شك بأن الرياضة بحدّ ذاتها يقصد بها الرياضة الباطنيّة أو الروحيّة و(والتأمّل أي الميديتايشن) بلغة العصر... وبالتالي لدينا تأكيد واضح على صحّة التواصل اللغويّ العربيّ وحفظه للمضمون والمعاني المطلوبة واللازمة لموضوعنا...

 يبقى علينا أن نقول إنّ هذا العالم العظيم، قد جال في شرق المتوسط الذي كان ذا ثقافة ميثولوجيّة ودينيّة تُعنى بالجانب الروحيّ الذي اخترعت فلسفته المناطق الشماليّة في مساحة العراق البابليّ حتى الساحل الفينيقيّ، أو المنطقة الجنوبيّة الفرعونيّة، وعتبُنا على إغفال معلومات ذكر زيارته للمرتفعات الفينيقيّة التي قصدها "جلجاميش"، وهي مرتفعات الأرز حيث نفّذ تأمّلاته الروحيّة ورياضاته الباطنيّة ورصده للسماء ونجومها وكواكبها، لذلك أطلق على إحدى أمكنة المنطقة اسم (ضهر القضيب) وهو معدول عن تعبير(دار الأديب) – هذا وفقًا لبعض الأطراف المهتمّة بالموضوع – كما أطلق على المرتفعات تسمية "القرنة السوداء" المعدولة عن "قمّة السيادة، قمة السيد"؛ علمًا أنّ هذه القِمّة بالذات لا يمكن أن تكون سوداء اللون، وهي التي كانت ولا تزال، تبقى بيضاء معظم العام، بسبب الثلوج، مما أضفى صفة الأبيض على اسم "لبنان"، كاللبن.

  وهنا، لايجب أن ننسى أو نتجاوز اسم عالمنا الذي يعني "بيت الغور، أي الذي بات في الغور"، أي البائت في المغارة؛ على كل حال، لا تزال أمكنة ممارسة بيتاغور لرياضته موضع خلاف بين الباحثين...

  هذا الخلاف ناتج عن رغبة كل طرف تاريخيّ باعطاء جنسيته لهذا الفيلسوف الرياضي العظيم، حتى في الداخل الفينيقيّ نفسه...

  وقبل مغادرة هذا الموضوع، نلفت إلى أن الرياضة إيّاها التي يمارسها أهل "التيبت" ويطلق عليها تعبير "راجا يوغا" كانت تنفّذ في مرتفعاتهم الجبليّة، لذلك لم يكن - برأينا- أن تتوفّر الإمكانية أمام بيتاغور سوى اللجوء الى أعالي الجبال اللبنانيّة، في القرنة السوداء، وفي مرتفعات الأرز، وليس في غيرها، كما يزعم البعض الآخر..!

 *ماذا عن الموسيقى؟

 لا يمكن المرور السريع على مفهوم الموسيقى، التي ذكرها بيتاغور... وهو القائل (ان الكون يتألف من تمازج بين العدد والنغم)، ولنستعن بفيلولوجيات اللغة العربيّة، التي عودتنا على كشف الكثير من الحقائق المغمورة.

  كلمة الموسيقى، والميوزيك، تتألّف من الجذرين (مس + قى) وتتضمّن جذر معنى (مسّ يمسُّ. أي اتصل يتصل) وبالتالي هو أحد أبرز أفعال الاتصال ذلك لأنّه تطور عبر الزمن ليعبّر عن المسّ الروحيّ أو الملائكيّ  الشيطانيّ أو الباطنيّ، ولا يمكن لأي باحث تجاهل توفّر تلك الإمكانية التي تقدّمها الأنغام والايقاع لتحقيق الاتصال المقصود... وبالتالي فإنّ القسم الأوّل من الجذر هو عربيّ بامتياز...

  وماذا في القسم الثاني (مس قى) أو مس ك)؟ الجذر الثلاثي م. س. ك. يعطي معنى (المسك) وهو أحد أفعال الاتصال أيضًا، أو الالتقاط، أو النجاح في الحصول على الحظوة.

  وكذلك، فإن حرف القاف، يتواصل مع التقوى والوقاية والقوة والتوقّي، وكلها تصبّ باتجاه حماية الذات و ردع المصائب والويلات واستحضار القوّة، وهي بحد ذاتها (تتواصل مع تقى وتقوى. وعبادة وميتولوجيا)...

  أمّا إذا اعتمدنا حرف الكاف الشبيه بحرف القاف، باللهج واللفظ، فهو أيضًا ميتولوجيا، ذلك لأنّ "الكاف" حرف يؤشّر إلى أحد أركان الثالوث الفرعونيّ المقدّس، الذي يتألّف من (كا با كو). ويعني مما يعني حسب الباحثين أنّه الشبيه أو القرين أو الروح؛ وفي العربية حرف الكاف هو حرف جرّ للتشبيه بمعنى "مثل"؛ ويمكننا أن نحصل على تعبير (مسّ الروح). وبالتالي فإن كلمة موسيقى هي عربيّة بامتياز وتحمل المضامين المطلوبة، وتؤكّد على إنّها إحدى وسائل الرياضة وتقنياتها الروحيّة أو الباطنيّة للتواصل مع العالم الآخر... 

  ومن مرادفات الموسيقى، هو الإيقاع، من الجذر الثلاثي (وقع يقع) ومن مزيداته (أوقع يوقع ايقاع) وهو يحتلّ حيّزًا واسعًا من القاموس العربيّ، لدرجة كونّية، كأنّما اللغة العربيّة تريد أن توحيَ بعظمة الإيقاع الموسيقيّ، ومن حقّنا أن نربط بين طرقات نبضات القلب والإيقاع، التي تستأثر بالبشر منذ اللحظات الأولى من بزوغ الحياة في الرحم، وتستمرّ معه طوال العمر ويتأثّر تأثّرًا مباشرًا بإيقاعات الطبيعة ومخلوقاتها، من زقزقات الطيور وطرقات حوافر الحيوانات، ووقوع الأمطار، وحفيف الأشجار، وهدير الأنهار والسواقي، الى آخر ما يمكن أن يقع في الآذان من ألحان وأصوات رتيبة وموزونة..الخ.

  وإذا كنّا نتجاوز التفصيل في معاني الجذر بسبب وفرتها، ولكنّنا لا يجب أن نتجاهل تداعياته اللهجيّة، حيث أن الثلاثي منه يبدأ بحرف العلّة الواو، وينتهي بحرف العين القابل للإهمال والتحوّل، فنجد أنفسنا أمام الجذر المناسب "وقى يقي وقاية وتقوى.. الخ"، ويتواصل مع العبادة والورع وطلب القوة والحماية، مما لا يبتعد كثيرًا عن ما مرّ معنا أعلاه، كما لا يمكن تجاهل ما للإيقاع من تأثير على الصلوات والصلات والاتصال الروحيّ أو الباطنيّ... الأمر الذي يمارس في مختلف أنواع المعابد، حيث يلجأ القيّمون، الى اعتماد الايقاعات، بواسطة آلات ايقاعية أو شفهية أو حتى فكريّة غيرمسموعة ، وذلك بتكرار لحنٍ أو نغمة واحدة لفترة طويلة، وهنا نذكّر بالثقافة البوذيّة وإطلاق ما يسمى "المنترا" لدى ممارسة الهندوس رياضتهم... وأشهرها تصويت أحرف "أوم.  أ. و. م" التي تعبر عن الثالوث الهندي المقدّس..الخ. وكلّها اسمها "رياضة"...

  وهنا، يلزمنا التذكير بمقولة بيتاغور، الكون هو تمازج بين الأعداد والأنغام... 

  ولا يجب تجاوز الآية القرآنيّة التي أظهرت إحدى صفات الله في سورة "الانعام" وجاء فيها  (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ۚ ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين). مما يجعلنا نتلمس التواصل بين المعبود والرياضيات، والحساب. وهل يمكننا في هذا العصر تجاهل قدرة حساب الحاسوب الالكتروني الذي بات يستطيع انجاز الحسابات بأسرع ما يمكن! ولا ننسيَنَّ "الحساب" في الآخرة... إذًا يجب أن نتحسب الحساب لوقت الحساب... فالعمل من أجل الآخرة يستدعي جهدًا حسابيًّا ورياضيًّا بامتياز...
   
  ولكنما لكل حساب عددٌ وأعدادٌ، فإلى أين يوصلنا البحث في العدد؟
  
 *العدد والأعداد

  العدد في (المنجد)، من الجذر الثلاثيّ "عدّ يعدّ"، وهو مرادف "أحصى وحسب"، ويحمل معنى "الظنّ"، والظنّ هو عملية باطنية ورياضية أيضًا، كما أن التعدّد هو ازدياد بالعدد، وبالتالي فإنّ العدد يتواصل مع الزيادة والاستزادة، والذي يعتدّ بنفسه يعتمد عليها، و"العِدّ" هو الكثرة في الأشياء، والعدّة من الأشياء هي جماعة منها، لذلك الذي يعدّ يسعى نحو الجمع والزيادة، كمن يمارس الرياضة لزيادة ما يريده، من مال أو اتصال أو صحة..الخ. والتعداد يحمل معنى التكرار، والرياضي يسعى نحو تكرار فعل أو ملك أو حالة، سيما تكرار العودة للحياة.

  والأهم، هو الجذر المزيد "إستعدَّ" للأمر أي تهيّأ، وهنا يمكن أن نلاحظ بعض الممارسة الرياضية لاستقبال الأمور القادمة وإعداد الذات لاستقبالها، وهنا تواصل مع الجذر "عدا يعدو عدوًا"، الذي يفيد الركض والجري، وفيه تجاوز للمكان وكذلك للزمان، وتمضي الأيام ويخترع البعض الرياضة التي يطلق عليها (التأمّل التجاوزيّ)...

  وطالما وجدنا المعادلات الرقمية، في الكتب التي تعمل بالسحر وفكّ المكتوب، وتحضير الأرواح، الى غير ذلك مما هو شبيه به، لاعتقاد المؤلفين بتأثير الأعداد لإنجاز المطالب وتحقيق الأهداف والرغبات...

   ولا نغفلنَ تكرار القراءات الدينية وبعض ألفاظها بأعداد محدّدة، وخاصّة أسماء معبودات وآلهة، بما يشبه "المنترا" الهندية...

 *الجذر "عاد"

 وفي هذا الجذر تواصل مع "عاد يعود عودًا "، ومن أولى معانيه في <المنجد> الفعل الناقص "صار" ويأتي للدلالة على الإنتقال من حال الى حال...

  ويتواصل مع "العيادة" وزيارة المريض، والعودة الى الوضع الأوّل؛ وهنا نستطيع الربط بين الرياضة والدعاء بالشفاء، بل بعلاج المريض، (في العيادة)، وما "العيد" إلّا استعادة مناسبة وحالة، ومن المشتقات "إستعاد"، ومن معاني العائدة (المعروف والصلة والعطف والمنفعة) أي أنّ الرياضة والرياضيات تُعنى بكل ذلك وخاصة المنفعة والمنافع... ومضمون "العواد" هو عمل المعروف واللطف، والأعود هو الأنفع، والمَعاد هو المرجع والمصير والآخرة والجنّة والحجّ، والمَعادة هو المأتم والمناحة...

  كل تلك المعاني تثبت العلاقة الوثيقة بين جذر عاد و عدّ، وبين الغاية من الرياضات الروحية والرياضيات، وهي تواصل مع العالم الآخر وما فيه من أرواح الموتى الأعزاء، ومن بينها العمل على عودتهم، أو راحتهم في الجنة؛ والممارس المواظب والماهر في عمله يسمى "المُعاود".
  
  أما العلاقة بين "عود" الخشب وموضوعنا، كونه غصنًا مقطوعًا، وكان قد عاد ونبت على شجرته، ومن "العيدان" ضرب من الطيب يُبخّر به عند ممارسة الرياضة إيّاها، مما يوحي بالعودة، والتواصل مع العود... ولا نغفلّن اعتماد بعض أنواع عيدان التبخير في الصلوات والعبادة والميتولوجيا، وحتى في حالات الإغماء والنشوة..!

  *من "عدّ" الى "كتّ"

  ومن المعروف أن مرادف عدّ هو كتّ، فماذا يقدم لنا هذا الجذر من معارفَ ومعانٍ؟

  كتّ كتًّا: عدَّ وأحصى؛ وهوعمل رياضيّ وحسابيّ، يتواصل مع الباء فنحصل على (كتب) والكتابة... والخطّ، ونأخذ من الكتاب كلمة "المكتوب" ومنه القدَر والحكم، والفرض، وبالتالي يتواصل العد والاحصاء والحساب مع القدر،  ولا نغفلَنّ الكتاب المنزل (إطلاقًا)... 
  
  وعبر الزمن، اعتمدت الكتابات التي يقوم بها ما يسمّى بالمشايخ في العمليات الباطنية، وفكّ السحر أو رمي السحر على الآخرين، وكتابة التعاويذ للخلاص من مشكلة أو عقدة...
  
  وقد يلجأ الرياضيّ الى "الكتمان" في ممارسة الرياضات والرياضيّات، وهي لهجة من (كت. م)... 

  *حصى

  من المرادفات لفعل عد يعدّ، الهامّة هو الفعل الثلاثيّ (حصى):
  
  هذا الجذر يفرض نفسه على البحث حيث أنّه مصدر للحَصَى، والواحدة حصاة، وهي "صغار الحجارة"، وهو من أبرز المعاني المتواصلة مع موضوعنا، لأنّ العدّ والإحصاء كان بجمع الحصى، والحصاة نفسها تعني العدد، والرأي، لأنّ العقل يحصي أي يحفظ، ويطاق به حمل المفهومات، والحصيُّ هو الوافر العقل... وبرأينا الرياضيّات تتطلّب وفرة عقل بامتياز.

  ولا بد من الاستنتاج أنه كانت "الحصى" لتعداد وحساب الماشية أو جني الثمار، وحتى لتوقيت الزمن والأزمنة، والمفاجأة هوإعتماده بعمل سحريّ إذ يذكر المنجد أنَّ (طرق الحصى، عمل من أعمال الكهانة في السحر)، ونحن ندرك العلاقة بين الرياضة الروحية والأعمال السحرية والباطنية، ويعتمدها مؤلّفو كتب الشعوذة الذين يلجأون لوضع معادلات رياضية ويشغلهم حساب الجمل، في تفسيراتهم، أو توجيهات مريديهم...
  
 ومن المعاني الملفتة هي (حصىاهُ تحصيَةً، تعني وقَّاهُ، وتحصَّى يعني توقّى). مما يزيل الشك عن إمكانية إبتعاد هذا الجذر عن العمل الرياضة الروحية التي تبغي الوقاية والحماية وتحقيق هدف...

  وللمزيد، نجد التواصل مع عدّة لهجات أخرى، مثل، حصّ الشعرَ أي حلقه، وغالبًا ما يلجأ المتصوفة وذوو الرياضة الى حلق الشعر؛ وكذلك، حصّه من المال كذا يعني حصّته منه كذا، وأحصّه أعطاه حصته، وحصّص الأمرُ ظهرَ وبانَ، والحصيص هوالعدد، والحِصْحِص هي الحجارة..الخ.

   نستنتج، أن ممارس الرياضة الروحيّة، قد يسعى الى حصّة من المال، واظهار وتبيان الأمور الغامضة وكشف المستور...

  ونرى أيضًا (حص. د)، كأنَّما الغاية المزيد من الحصاد، والجني، والزرع، أو (حص. ر) يسعى أحدهم لحصار عدو وغريم والتضييق والاحاطة به، وقد يلجأ أحدهم لممارسة التأمّل الرياضيّ على حصير منسوج من القصب، والحصير هو طريقٌ... (وهو المنهج والطريقة أي تقنية)... ومن الجذر (حص. ف) حصافةً، كان جيّد الرأي محكم العقل؛ أمّا (حص. ل) فذلك لتحصيل غاية وهدف من جرّاء الرياضة، وتحصيل حق، والحاصل والحصيلة هما نتاج عمليات حسابيّة، او مالية، كما المحصول؛ و(حص. ن) فيه الحصن والحصانة، والحرز في مكان حصين، والتحصّن والحماية والسلاح، والدرع، والعفّة؛ وبالتالي نجد كل تلك المعاني أغناءً لبحثنا ولكشف العلاقة الموروثة منذ الأزمنة الغابرة بين الرياضتين الروحية والجسديّة... وتدرج ضمنها عدّة صفاة يتحلّى بها الرياضيّ وأهدافه...

  كل ذلك يشجّع للبحث بإحدى لهجات "حصى" وهو "حظا".

 *من حصى الى حظا:

  ممّا يشجعنا على مواصلة تعقّب الجذر "حظا"،  هو التواصل اللهجيّ بينهما، سيما أنّنا وجدنا التواصل المعنويّ مع موضوعنا... فماذا يقدم لنا المنجد من معلومات بدءًا بالجذر الثنائي "حظّ"؟ هو النصيب من الخير والفضل، واليسر والسعادة... إذًا فإنّ الرياضة هي لتحقيق كل ذلك؛ والجذر (حظ. ر) نأخذ منه "حظرالشيء" يعني منعه وحجره، وإحتظر به يفيد معنى احتمى، والمحظور هو المحرّم؛ وقد يسعى الريّاضيّ الى تحقيق كل ذلك عبر رياضته الروحية، سيما وأنّ تعبير (حظيرة القدس) هي الجَنّة... وعندما تبدو أمامنا كلمة الجنة، يخطر على البال الكلمة الهندية (نيرفانا)...

  والجذر (حظيَ حُظوةً وحِظوةً وحِظَةً) يفيد معنى كان ذا منزلة وحظٍّ ومكانةٍ، وحظيَ بالرزق، نال حظًّا منه، وأحظاه جعله ذا حظوة، والحظة والحظ مكانة عند الناس... وبالتالي لا نرى إلّا أنّ الرياضة تسعى الى تحقيق هذه الحظوظ.

  *حساب الجُمّل:
  
 من المعروف أنَّ هذا الحساب هو طريقةٌ  تُوضَع فيها أحرف الهجاء العربيّة مقابل الأرقام، بمعنى أن يأخذ الحرف الهجائيّ القيمة الحسابيّة للعدد الذي يقابله وفق جدول معلوم.

  وحسب التعريفات المنتشرة على المواقع الالكترونية، يقوم حساب الجُمَّل، الذي يسمّى أيضًا حساب الأبجدية، على حروف أبْجَدْ أو الحروف الأبجدية، وهي: أبْجَدْ، هوز، حطِّي، كَلَمُنْ، سَعْفَص، قَرَشَتْ، ثَخَذْ، ضَظَغٌ. ومجموعها ثمانية وعشرون حرفًا؛ تسعة منها للآحاد، وتسعة للعشرات، وتسعة للمئات، وحرف للألْف.

  ولقد اعتمدت هذه الطريقة في الترقيم قبل وضع الرموز الرقميّة، وعمل البعض في تقريب الكلمات من بعضها البعض حسب قيمتها الرقميّة، ودخلت أحيانًا في الحسابات الدينيّة، والتمييز بين اسم وآخر، وبين تعبير وآخر، ذلك لأنّ بعض الأرقام ذات قيمة مقدّسة وبعضها منجّسة، ونذكر منها الواحد الأحد، والثالوث المقدّس، ورقم الشيطان، ورقم النحس، والرقم   ١٣والعشرة عقد، والمئة قرن، الخ... (وهي تستحقّ دراسة مستقلّة)...

  وكما دخلت هذه العمليّات الحسابيّة منذ القدم في الميتولوجيا، وفي الطقوس، فقد دخلت في الريّاضات الروحيّة، ووجدناها في الكتب التي تزعم السحر، والتنجيم، وحسب الاسم الشخصي مع حساب اسم الأم، للتوصّل الى معرفة برج ولادة الفرد، وما شابهها؛ وإذا أتينا على ذكر هذا الأمر حتى لا نغفل أهمية  الرياضيّات الحسابية وتواصلها مع الريّاضيات الروحيّة....   
  
  بعد هذا العرض، نستطيع الجزم ان الرياضة والرياضيّات صاحبتا  غاية وهدف مشترك، في لغتنا العربيّة..!

الثلاثاء، 13 نوفمبر 2018

الحلم والأحلام. فيلولوجيا.

الحلم والأحلام
  كنت قد نشرت على صفحتي الفاسبوكية نصًّا سريعًا يتضمّن تحليلًا فيلولوجيًّا لكلمة "حلم" العربية، بسبب ما تحمله من معانٍ غنيّة، وذات أبعاد بسيكولوجية هامّة، وذلك في الخامس من سبتمبر ٢٠١٦ولا يزال موثّقًا، ونذكّر بذلك لأنّه وجدنا أحد البحاثة الذي تناول هذا الموضوع، مما سنعرضه لاحقًا؛ وفيما يلي ما ورد في النصّ مع بعض التوسيع:
  "الحلم" في فيلولوجيا العربيّة:
  يتواصل الجذر الثنائيّ مع كلمة "الحلّ"، لذلك يمكن أن نستنتج أنّه وجد الكثير من المفكرين الحلول لمشاكل ومسائل معقّدة في الأحلام. ونذكر كم غير أرخميدس، استيقظ فجأة ليصرخ "وجدتها وجدتها.."، علمًا أن حرف الميم الثالث يجوز أن يكون للتمييم.
  ويجوز لنا أن نشتق من الجذر "حل" معنى الحلولية، والحضور الروحيّ، وطالما كانت الأحلام تستحضر أرواح الموتى الأعزاء.
  ومن تفسيراتها "الحلولية (وحدة الوجود الروحية) هي الاعتقاد بأن الإلٓه يحلّ في بعض بني الإنسان، وقد عرفت هذه الفكرة في المسيحية حيث يعتقدون أن الله حل في المسيح...الخ".
 
 
  أمّا إذا أخذنا الجذر الثنائي "لم" فهو يتواصل مع "لمّ يلمّ"  أي جمع يجمع. أذ ان الحلم قد يجمع المتفرّقين ويلمّهم وقد يكون وسيلتهم في العزاء والشوق والحنين إلى الأحباب والأصحاب والأهل؛ ولا يتناقض ذلك مع الناحية المعرفيّة التي ترد عادةً في الدراسات، لأنّ الإنسان يعبّر "بالحلم" عن رغبة باطنيّة للإجتماع بمن يرغب... وكذلك بالعكس قد يشعر "باللوم" والندم على تصرّف  من التصرّفات والأخطاء التي قد يكون نفّذها، والفعل "لام يلوم لومًا" هو لهجة من الجذر "لمّ يلمّ لمًّا".
  ويتواصل "الحلم" مع الحلى والحلاوة والجمال، لذلك يسمّون بناتهم "أحلام" دون تردّد؛ فهي ظاهريًّا صيغة الجمع لكلمة حلم، ولكنّها في الحقيقة هو اسم (أحلى) مع التمييم أي أجمل... ويتواصل مع أنواع "الحلى" والزينة، ومن أنواعه ما ندعوه بالعامية "الحلق" أي قلّادات الآذان، مما يجعلنا نشير الى معاني الجذر "حلّق، أي طار"؛ وكأنّنا نحلّق ونطير بواسطة الحلم... وذلك شعور باطني صحيح.
 
  وحتى لا يغيب عن البال معاني  الجذر (حلُم حِلمًا) نورد من معانيه:
حلُم حِلْمًا صفح وكان ذا حِلمٍ فهو حليم، مما يعني أن "المنام" يؤدّي هذه الخدمة النفسيّة، حيث تهدأ النفسُ وتصبر، وهو ضد الطيش، وهو للصبر والأناة والسكون مع القدرة والقوّة، بل هو العقل، ويورد منجد العربيّة تعبيرًا (تأمرهم أحلامهم بكذا) أي عقولهم... ولم يغفل المنجد قضية البلوغ والادراك إذا حلم الصبيّ؛ ومن المعلوم أن الفتى يحلم كثيرًا عندما يبلغ مرحلة الاحتلام، ونكتفي بذكر الحَلَمة، مصدر الحليب من الثدي...
  
  ومن اللهجات القريبة للجذر الثلاثيّ هذان الفعلان (علم وألَمّ) ويبدو أنَّ الحلم له علاقة واضحة بالتعليم والإلمام، كما أن له علاقة بالعلامات والإشارات... وتسعى المختبرات العلميّة والدراسات التجريبيّة المتأخّرة والحديثة لإيجاد وسائل تعليمية عبر النوم.
  وربّ سائلٍ عن علاقة "الألم" والوجع بالحلم، نعم هناك علاقة وثيقة، حيث يقوم الحالم بعلاج آلامه وأوجاعه بالأحلام؛ ولا بدّ من ذكر أهمية النوم لدى الإصابات بالأمراض والآلام، بل أكثر من ذلك أهمية الإيحاءات التي تتجلّى في الأحلام وتخدم نجاح المعالجة...
  ولا نقف كثيرًا عند الجذر الثنائيّ بإغفال حرف اللام، فنحصل على (حم)، الذي يفيد معنى الحرارة والتحمية، كأنمّا الحلم والمرئيّات في المنام ذات علاقة بالحرارة، وذلك صحيح لاسيما بسبب حالة مرضيّة...
 ويتواصل مع هذا الجذر كلمة " الحميم" وهو القريب الذي نهتم به، والصديق، وطالما وجدنا  في الأحلام "الأحماء" وهم الأصدقاء والأحباب. ولن نغفل عن رمز طير "الحمام" في الحلم والواقع...
  كل ما تقدّم مترابط منهجيًّا ويدلّ على موقف الناطقين بالعربية من موضوع الحلم، وكأنّه يعرض علينا بحثًا بسيكولوجيًّا عميقًا عن الأحلام.
 
 مقاربة مع الموقف البحثي: 
  
  كل ما عرض أعلاه، يتجاوز الجهود التي بذلها "ابن سيرين" في تفسيره الأحلامَ، وتجاوز الدراسات العظيمة التي بلغها "سيغموند فرويد" وغيرهما، في تناولهم للأحلام، ونقفز الى الفرنسي "توبي ناثان" الذي وصف بعالم نفس متميّز وعبقري ورائد علم النفس الانثروبولوجي الذي قيل أنّه طوّره بنفسه صاحب كتاب "أسرار أحلامكم"، وكان قد نشرت ترجمة الحوار معه في العدد ١٢٦من مجلة "الدوحة"، نقتطف منه أبرز المواقف:
  الحلم فرصة، أن تحلم هو أن تخترق عالمًا مختلفًا، ففي كل ليلة نشهد نوعًا من العصف الذهني، تتلاطم فيه الأفكار والمشكلات، والتساؤلات الأكثر حميميّة وحيث السعي الدائم إلى إيجاد الحلول... قد يكون من المناسب تذّكّر أحد هذه الحلول...
  
  أي أنّه يصبّ بالبحث اللغوي العربيّ نفسه، في الجذر "حلّ يحلّ" المشكلات التي أوردناها أعلاه. ويضيف: علينا أن نؤلِّف ونبني أفكارنا. وفي الليل، نربط الاتصال مجدّدًا ونعود الى وضعنا الطبيعي.
  أي أن ربط الاتصال له علاقة بالجذر "لمّ يلمّ" جمع يجمع...
  ويقول: كل الأحلام تسعى لأن تكون مفيدةً، ولكن في بعض الأحيان تفشل في أداء مهمتها... يتحوّل الحلم الى كابوس، انه حلم الفشل... الكابوس الحقيقي عندما تكون مشلولًا جسديًّا وانت تعي ذلك وهذا يحدث كثيرًا للأطفال، لأنّ التنسيق العصبيّ لديهم لا يكتمل إلّا بعد سنّ١٥... وهناك كوابيس عبارة عن إشارات إنذار من الفكر.
  وذكر الباحث لسنّ المراهقة يصبّ في بحثنا اللغوي، حيث يتواصل "الاحتلام" بالمراهقة وبأحلامها.    
  ويؤكّد "ناثان" : كل حلم يقدّم العديد من الحلول. عندما نحلم نخلط كل الإحتمالات... والحلم هو دليل على عمل جديد. إذا كنت تولي اهتمامًا بأصوات العالم الداخليّة فيمكنك ضبط البوصلة في الاتجاه الصحيح... الحلم أداة تحفزك للعمل... ولا يستقيم التفسير إلّا بشروط: يهدّئ الروح، يحلّ المشكلة، وقبل كل شيء، يقترح فعل ما في الحياة الحقيقيّة.
  ذلك حديث عن الاشارات والعلامات التي يقدّمها الحلم.
  
  ومما قاله الكاتب، انّ الحلم مصدر معرفة وبالتالي الحكمة؛ ونستنتج أنّه تواصل مع "الحلم والصبر والعفو عند المقدرة الذي ذكرناه أعلاه"...
  بعد هذا العرض المقارن، نخلص إلى أن الكاتب لا بد قد أطلع أو أدرك اللغة العربيّة، وأخذ منها ما يسهل له دراسة الأحلام وأسرارها، وهو لم يأتِ على ذكر أكثر ممّا تكشفه فيلولوجيا العربيّة، (بغضّ النظر عمّا يتضمّنه كلُّ كتابه)... وتبادرنا سيرة حياته لتؤكّد صحّة الاستنتاج، فهو من مواليد القاهرة  ١٩٤٨، يعني أنه قد يكون ناطقًا بالعربية منذ الطفولة؛ أكثر من ذلك، يدل اسمه "توبي ناثان" على انتمائه اليهودي، وقد يكون أتقن اللغة العبريّة، وهي مشرقية متواصلة مع العربيّة وسائر اللغات المشرقيّة. ومرجعنا مجلة "الدوحة" صـ ١٤٨
  لنقلْ في النهاية: الفيلولوجيا العربية قادرة على المساهمة في تقديم المعارف العلمية المناسبة على عدّة مستويات متنوّعة، وجاهزة للمشاركة في الأبحاث الحديثة.


الجمعة، 13 أبريل 2018

بين الاسرة والأسر

  الأسرة والاسر
  مما يثير التفكير تلك العلاقة الفيلولوجية واللهجية بين الكلمتين العربييتين "الأسرة والأسر"، لإن هذه العلاقة لا يمكن أن تكون عفوية أو عرضية، بل لا بد من أن تكون أصيلة في تراثنا العربي، أسوة بتأسيل كل الكلام الذي يحمل الأبعاد الحضارية أو التراثية أو الميتولوجية او الأسطورية، وتبقى حيّةً في الوجدان الشرقي العربي طويلًا، الى أن تصل إلينا في العصر الراهن لتكشف أسرار تاريخنا الانسروبولوجي، أي الانساني...

   ويستمرّ هذا الهمّ يتفاعل كلما قرأت قولًا له علاقة بالأسرة،  على سبيل المثال ما ذكره جبران في كتاب "النبي": (أبناؤكم ليسوا لكم، أبناؤكم أبناء الحياة)؛ بل أكثر من ذلك تلك الآية (‫يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(14)إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(15)...‬
‫   ‬
‫  ومن المعروف، أن الأزواج والأولاد هم العناصر الأساسية  التي تتألّف منهم الأسرة... والتحذير القرآني يصبّ بالتراث البشري المكتشف لدى كثير من الشعوب القديمة والقبائل البدائية، التي طالما تحدّث عنها المكتشفون كالجزر البولينيزية وغيرها من القبائل العريقة في التاريخ، التي أتى على ذكرها كثيرٌ من البحاثة نذكر منهم مورغان وانجلز وفرويد ويونغ وغيرهم.. الخ.‬
‫  ‬
‫   فلماذا هذا التشكيك بأعضاء الاسرة؟ بل ما هي تلك العلاقة بالأسر؟‬
‫   لعلّ الأمرَ مرتبط بالأسر، حيث أن العائلة تأسر الأبناء والأزواج، فيسعَون للتحرر منها... وبالتالي يجب الحذر منه، كي لا تتحقق النبؤة ويمارس العداء ونتائجه الكارثية المتوقّعة؛ وكلنا ندرك أن  التحرر من الأسر دلالة لوجود سلطة حاكمة ومتحكمة، بل سلطة متسلطة، تفرض إرادتها وقوانينها على الجماعة والأعضاء؛ طبعًا نحن ندرك انها علاقة ذكورية، وصلت الى مرحلة باتت هي المالكة المطلقة على العائلة، والمتملكة للبشر من أزواج "زوجات"، وأولاد "ابناء"، ومتملكة للأرض وما عليها من نبات وحياة وحيوانات، وكل ذلك بحاجة لأيادٍ عاملة، وخاصة أيادي الأولاد، بالاضافة الى حصار الأنثى الولّادة، منعًا لخسارة الابناء العاملين والعاملات..‬
‫  ‬
‫   إذًا، فإنّ الإسرة أي العائلة، عبر التاريخ البشري، هي حقًّا أسرٌ وسجنٌ ، وأعضاؤه هم أسرى في تلك الاسرة... ويخشى من أعضائها العمل على التحرّر... عبر اللجوء الى العنف أي الخطر على الآباء الحكام،  كما كان يحصل في الماضي ولا يزال يحصل  في الحاضر...‬

‫  وتمضي الأيام وينجلي لغز العلاقة بين الكلمتين، من الناحية اللهجية التي تهمّنا، لدى مطالعة كتاب "الأنثى هي الأصل"،  للدكتورة "نوال السعداوي" التي لفتت النظر الى اللغة المحفوظة في طيات قواميس اللغات العالمية لاسيما اللاتينية، فتكتب ما اكتشفته بخبرتها: "كان من حق الرجل أن يقتل كما يقتل عبيده في العهد الأوّل لإنشاء الأسرة الأبوية، ولم يكن أحد يسأل عن السبب، وكان من حق الرجل أيضًا أن يقتل أطفاله، فقد كان هؤلاء ملكًا خاصًا للرجل كقطعة الأرض، التي يملكها، وله حرية التصرف بها، وكانوا جميعًا يسمَون بالعبيد (الأطفال والنساء الذين يملكهم الأب)...‬

‫  وتأتي د. السعداوي الى اللغة لتقول عنها: "ان كلمة أسرة family في أصلها اللاتيني جاءت من كلمة familia ومعناها عدد العبيد الذين يملكهم رجل واحدٌ. وفي العصور الوسطى لم يكن حال الزوجات بأحسن من هذا، وكانت مخالفة الزوجة في اي شيء تعتبر نوعًا من الجنون أو السحر والاتصال بالشياطين...الخ".‬

‫   واستنتاجنا ان اللغة العربية، كانت ولا تزال لافظة حافظة الحق التاريخي والتراث البشري على حقيقته، وليست اللغة اللاتينية فقط، وعلى الأقلّ، علينا ان نقر ونستنتج، أن العقل البشري واحد، من الشرق الى الغرب وصولًا الى الجزر البولينيزية...‬

‫   وهنا لا بد من التوقّف عند العلاقة بين الألفاظ التالية:‬
‫  الملك، والتملّك، والملكية (ضم الميم) والملكيّة (فتح الميم).. ‬
‫  أي أن الرجل الذي تملّك الأملاك (الأرض وما عليها) هو الذي تمكن من تملك البشر وملك عليهم.. ‬
‫   أكثر من ذلك، لم يبقَ الرجل الذكر ملكًا على الاسرة فحسب، بل أصبح هو نفسه "الملاك" في السماء... وهذا الأمر له قصة يلزمها البحث المعمق بها... كما يجب البحث بالعلاقة الميثولوجية بين الأم والأرض... إذ طالما أطلقنا على الأرض تعبير (الأرض الأم، والوطن الأم واللغة الأم، وأمنا الأرض..) مما يعني أن الأم المملوكة كما هي الأرض المملوكة.‬

الخميس، 8 مارس 2018

المرأة والتغيير والأيديولوجيا

المرأة والتغيير والأيديولوجيا

لعلّ قلة من الناس وخاصّة الذكور منهم، يؤمنون أن العالم يسير في هذا العصر باتجاه مخالف كليّـًا لما سبق حلوله في الماضي السحيق، عندما سيطرت الأيديولوجيا الذكورية على المفاهيم البشريّة... وتحوّلت الأنثى من موقعها المقدّس الذي كانت تحتلّه الى مكانتها الأخرى الملحقة بالرجل، خلافًا للواقع الطبيعي الذي يجب أن تكونه، ذلك لأنها البطن الحاضن للبقاء واستمرارية الجنس البشري، كقانون طبيعيّ لا يمكن اسقاطه في خدمة الفردية أو الآحادية الذكورية مطلقًا... فالذكور كلّهم من بطون الأمهات شاؤوا أم أبَوا... والبشرية بكاملها من نسل الجنسَين معًا.
  ما الغاية من هذا الكلام؟
  الغاية، هو أنّ هذا التحوّل الذي فرضه التطوّر التاريخيّ البشريّ، لأسباب اجتماعية واقتصادية، هل يمكن له أن يخدم مستقبل البشرية في هذا العالم المتطوّر الراهن؟...

  ذلك، لأنني أرى أن التحوّلات التاريخية الاجتماعية عبر الزمن، والتي كانت في الماضي ضرورة فرضها تطوّر نمط الانتاج المشاعيّ، وما رافقه من اكتشافات في الزراعة والرعي والصيد، أدّى كل ذلك الى سيطرة الذكورية على الاسرة والمجتمع، والحدّ من الحرية الانثوية لتحقيق هدف تملّك الأبناء والأخلاف، وتوظيفهم في العملية الانتاجية، والدفاع عن النفس في مواجهة عوامل الصراعات العشائرية بالاضافة لعوامل الطبيعة التي تتطلّب، الجهود والقوى اللازمة... على كل حال لسنا بصدد البحث الانثروبولوجي الكامل عن الاسباب التي أدت الى فرض الذكر سلطته على المجتمع...

  ولكن نستطيع الجزم، انّ كل سلطة بحاجة الى سلاح فكريّ أي "أيديولوجيا" يفرض من خلالها توجيه المجتمع، ويحدد العدو والصديق... وبالتالي يقمع الآخرين، وفق محاكمات وافتاءات تنطلق من واقع المصلحة الاجتماعية، وتطوّر المجتمع، والانتاج، وبالتالي انماط الإنتاج الاقتصادي.
  
  وهذه الأيديولوجيا، وكل أيديولوجيا، ليست سوى سلاح ضد الآخرين، وهؤلاء الآخرون ليسوا سوى السابقين، أو السلطة السابقة، أو أصحاب الأيديولوجية السابقة التي رافقت الواقع الاجتماعي السالف... من هنا وضع الرجل كل السلطات بين يديه، وتملّك كل ما توّفر له، من الأرض والماء والماشية والزراعة وخاصّة المواليد، وسائر الأنسال، بالإضافة الى المرأة حاضنة النسل والخلف... لأنّه غير ذلك سيؤدّي به الى خسارة أهمّ وسيلة انتاجية ألا وهي اليد العاملة البشرية... 

  من هنا، وجد الذكر نفسه مضطرًّا لحجز المرأة حاضنة المواليد، وحجز الأرض حاضنة الزراعة والمرعى... ووضع القيود على حريتها حرصًا على تحديد ملكية النسل... وبدّل الديانات أو العبادات التي قامت في المراحل السابقة، على أساس وحدة الجنسين الأنثى والذكر... الأمر الذي خدم طويلاً، وسائل العيش واستمرار المجتمع قبل أن يقع في أزمته العامّة، مما دفع الانسان باتجاه تعديل وتغيير المفاهيم والفلسفات والأيديولوجيا، بما يناسب التطورات الحاصلة؛ وباعتقاد الأقدمين انهم حمَوا المجتمع البشري من شرور كثيرةٍ، وخاصة التناقض بين التطوّرات والوقائع الموضوعية، وذلك ليس بعيدًا عن القوانين العامة للتاريخ المادي...
  
  وأضفى "الذكر" على فلسفات المجتمع، أيديولوجيته التي تصب باتجاه الالوهية المطلقة... فعوضًا عن الإلٓهة الأنثى ، صار المعبود ذكرًا بامتياز؛ دون أي مبرّر واقعي سوى حركة قوانين التاريخ الموضوعية التي لا تنتظر من أحدٍ فردٍ أن يوجهها...

  واذا كان هذا التوجّه قد خدم (أو لم يخدم)، مسيرة أنماط الانتاج القديمة إلّا انّه كان يصطدم بواقع التطور الذي لا يتوقف... فالحركة الفكرية تتبدّل مع تبدّل حركة المجتمع المتنقّل من المشاعية البدائية الى الاقطاعية فالرأسمالية... ثم الامبريالية كما يرغب أن يسميها البعض...

  واذا كانت هذه الايديولوجيا التي رافقت العملية التطوّرية قد تسببت بأضرار فادحة كانت محمولة أو محتملة، إلّا أنّها مع الزمن، صارت تسبب الأضرار الكارثية، على البشر والحجر... من الحروب على أنواعها حتى الحروب النووية والابادات الجماعية والتصفيات العرقية، وسقوط الملايين من البشر وخاصة الرجال، بالاضافة الى الأناث والاطفال والمواليد، عدا الأضرار البيئية والأوبئة والأمراض الوبائية، كلّ ذلك يؤشّر الى أزمة الآيديولوجيا التي رافقت السيطرة الاجتماعية للذكور لحقبات طويلة من الدهور، وهذه الأزمة باتت تتسبّب بأذى وجودي للمجتمع، فهي لم تعد تحمي الذكور ولا الأناث ولا النسل المستقبلي، ولم تعد هذه الأيديولوجيا وسائر الفلسفات التي قامت على أكتافها هي الضمانة الكافية لاستمرار المجتمع بصيغته المعروفة، ولم يعد المعبود موثوقًا وقادرًا على الايحاء بالخير العميم والسلام والأمن للجميع ولا بتأمين الحياة الجماعية للبشر ولا لحسن مستقبلهم الانساني...

  لذلك، عندما تصل أزمة الأيديولوجيا الى هذا المستوى من التأزّم... يصير الحاكم ، صاحب السيطرة غير قادر على الاستمرار بسيطرته، ولا المحكوم قادرًا على الاستمرار بتحمّل سيطرته، مهما حاول تغليفها بعوامل الترغيب والترهيب، او عوامل التقديس والتأليه والتابو، الأمر الذي صار يتناقض مع الوقائع اليومية الموضوعية للمجتمع...  

  وأبرز عناصر أزمة الأيديولوجيا اليوم هي الأيديولوجيا الذكورية... التي من الواضح أن الذكور يقعون ضحيتها بالملايين، بل لم تعد تستطيع أن تحفظ الذكورية للذكور، وأكبر مثال الأزمات الصحية والنفسية بالاضافة الى الأمراض الجنسية والقصور الجنسي وحتى المثلية الجنسية والعجز في الاصطفاء الطبيعي للجنس البشري... وليس ذلك فحسب، بل أن الملايين من الضحايا الأنثوية والولادات والتدمير التي باتت تتحقق تحت سيطرة الفكر الأيديولوجي الذكوري المتخلّف... دون ان ننسى العنف والبؤس والجرائم الممارسة خلافًا حتى للأيديولوجيا الذكورية الأصلية... ولا ننسيَنَّ التشوّهات الخلقية والعنف الأسري والتشريد العائلي وتزايد أعداد الأيتام، وتفاقم نتائج الحروب الذكورية الدامية التي أدّت وتؤدّي الى ازمات عالمية من جرّاء ارتفاع أرقام المهجرين قسرًا والمهاجرين رغمًا، والنازحين عن بلادهم وأرضهم هربًا... كل تلك المآسي تفتح باب الولوج الى عالم جديد يختلف كلّيًا عن العالم الكارثي الذي تعيشه البشرية حاليّـًا على مختلف المستويات الانسانية في كوكب الأرض التعيسة...!

  وعندما تستعرض الأزمات التي واكبت ظهور الأيديولوجيا الذكوريّة، أي السلاح الفكري المدمّر؛ نجد إنفسنا حتمًا أمام واقع تغيير حتميّ لا يمكن تجاهله، وإلّا ستقع الكارثة على رأس مدبّريها لا محالة... مما يؤسّس ويمهّد السبيل نحو ظهور حلول اجتماعية تطيح بكلّ الواقع الأليم الذي عانته الإنسانية جمعاء؛ وهو الدرس الذي علّمتنا أياه قوانين المجتمع...

  هذا الدرس يتضمّن ظهور حلول جدّيّة وثورية لم تشهدها البشرية السالفة في كل تاريخها السابق... وهذه الحلول ستقضي على أهم سلاح مدمّر، وهو السلاح الفكريّ السالف ذكره، وهو تلك الايديولوجيا التي تحكّمت بالمصير والمسار من الماضي السحيق الى الآن، وقدمّت الذكورية على الأنثويّة، وبالتالي كانت قد قدّمت الأسباب والمبرّرات وأقامت ولا تزال تقيم، الشرخ العميق، والسور العظيم بين الجنسين الآدميَين، اللذين توالدت البشريّة منهما...

  ولقد علمتنا قوانين الطبيعة الاجتماعية عدم امكانية استمرار الأزمات الى ما لا نهاية، وعلى كافة المستويات، وليس على مستوى الجنسَين فحسب، بل على المستوى السياسي والاقتصادي اللذين أدّيا الى هذا المصير المأسويّ، السيّء الذكر...

  وتبدو الحلول التي سينتجها المجتمع، قادرة على خلق نمط جديد من "الانتاج"، يعيد اللحمة الى الجسدين المتباعدين مرغمين،  عبر اسقاط ثوري أو سقوط تلقائي، للفكر المتخلف مع كل ما رافقه من فلسفات وعلوم وأوهام وسخافات معادية للعلم والمعرفة الحقّة والتجريبية الحاسمة... ولا يتطلّب الأمر ابتداع أيديولوجيا بديلة مطلقًا، تقوم على السيطرة "الانثوية" على المجتمع، لأنّ كل أيديولوجيا - كما قلنا -  هي سلاح مدمّر، سيؤدّي الى إعادة العبودية مجدّدًا الى جسم الانسانية... ويحول دون تلاحم بيولوجي وفطري بين الجنسين الآدميين؛ لذلك، المطلوب سقوط الايديولوجيا المميّزة، واعتماد التدقيق بالعلوم المرنة، والتجارب البشرية، والانثروبولوجيا التاريخية، بعيد ا عن الفرض و الارغام لأي طرف اوجهة على أخرى... وبالتالي تستعيد المرأة دورها الخلّاق في خدمة الأجيال المستقبليّة، لأنّ لها الدور الأساس في تنشئة  المواليد الجدد على  قاعدة النمو الذكوري الحرّ والقويّ، وحماية الذكورية البيولوجية، من الانحطاط والضعف، والإنحلال الأخلاقي، لا بل من بدعة المثليين الجنسيين المعاصرة التي يسعى نحوها حَمَلة الأيديولوجيا الذكورية المنحلّون والمتحلّلون والشاذون، الذين يفتشون عن تشريع الصيغ القانونية لسيطرتهم السخيفة المؤقّتة...

  نذكر ذلك، لأننا على قناعة أن النسوة هنّ ذوات المصلحة بالحفاظ على النوع، وتربية ذكور أقوياء غير منحلّين... وهذه المصلحة ذات أبعاد متعددة الوجوه، تبدأ بالتناسل لأيجاد نسل متفوّق، وبالتالي يفسح المجال لحصول الإصطفاء الطبيعي الييولوجي لا يشوّهه ولا يحول بينه وبين تحقيق القوانين البيولوجية حائل آيديولوجي... 
  هذا الأمر، طالما كانت المرأة الأم تمارسه، وتقوم بدورها الرائد في تنميته، بالتربية والأخلاق والدفع باتجاه البطولة والمغامرة والفروسية، وحماية صغارها وكبارها من عوامل الطبيعة والمجتمع، ومن العوز والضيق، عبر التضحية بالنفس وبالوقت والجهد، ونكران الذات... وعندما كانت المرأة تقصّر، فلأنها كانت خاضعة لنتائج الفكر الآيديولوجي الافتائي الخاضع للمصلحة الذكورية، السياسية والاقتصادية...الخ.

  والتغيير، المشار اليه، ليس عملية تعبوية  ثورية مفتعلة بل هو فعل اجتماعي سيفرضه قانون التطور الاجتماعي، ولا يتطلّب منها النضال والكفاح والصراع "الطبقي"، ذلك لان المجتمع  سينحني أمام الأنثى ويطلب بإلحاح  واذعان للتسليم بالدور المستقبلي للمرأة.. بعد تساقط أوراق وسجلّات الفكر الذكوري وملفاته ارضًا عند أقدام الأنثى.. بعدما يستجير من تفاقم الأزمة العامة لمواقفه التاريخية العتيقة البالية...

   آي سيأتي الخلاص على أيدي النسوة حتمًا... مما سيحرّر الرجل المكبّل اليدين، مما صنعته يداه عبر الزمن، وما كتبته أصابعه من قوانين واجتهادات ودساتير وملفّات باطلة بالأطنان ولم تستطع تقديم الحلول الناجعة التي تمهّد الطريق للانسجام مع التطوّرالتكنولوجي والعلمي الذي يحوّل الأرض الى قرية كبيرة تعيش فيها عشيرة الانسانية جمعاء، دون سلاح الايديولوجيات ولا سلاح الحديد والنار والنووي والذرٌي والنانوي.
     
  ومن الآن والى أن يتحقّق ما ذكر أعلاه لا بد للبشرية من المعاناة الدامية المتوقعة، كما كان يحصل غالبًا عند كل عملية تغيير اجتماعي، او عند الانتقال من نمط انتاجي قديم الى نمط انتاجي جديد بديل مناسب للظروف الاجتماعية المستجدّة...

  في ضوء ذلك، يمكن درس الوقائع الراهنة في لبنان والوطن العربي والعالم...              

الأربعاء، 21 فبراير 2018

معنى الكارناڤال الفينيقي

الكارنافال
طالما قيل أن الكارنافال مستورد، ذلك لاعتقاد البعض بأنه من جذور لاتينية أميركية.. كون التقليد أكثر نشاطًا في تلك الديار منه في أي مكان في العالم..
ومن حقّ الإنسان الإجتهاد والتبرير.. لإثبات أنه مشرقي فينيقيّ كنعانيّ.. وإذا كان مستوردًا فمن بابل وليس من أي مكان آخر أي قبل إكتشاف البحارة الكنعانيين لأميركا.. وذلك له أسبابه الميتولوجية والفيلولوجية.. القادرة على الإدلاء برأيٍ مناسب للواقعة.. الأمر الذي سبق درسه في إحدى الأبحاث التي انجزتها وتتقاطع مع الموضوع.. وتعرض جانبًا من جوانب الكرنافال بتفاصيله ومبرّراته..
.. هذه المناسبة ليس لها أي علاقة دينية أو طائفية أو فئوية معاصرة، ولا يتعاطى بها الكهنوت بكل أديانه الحالية.. لا من قريب ولا من بعيد.. بقدر ما يتعاطون معه باعتباره نشاطًا شعبيّـًا شبابيّـًا حرًّا غير منظّم.. تشارك فيه الشبيبة وسط مواكبة من الصغار والعائلات في هذه المناسبة التي تسبق الصوم.. وطالما كان الحشد المشارك يتألّف من شباب كل الطوائف الميناوية ولا يترك أي أثر سيّء على الوضع الإجتماعي.. ولم يتوقّف هذا التقليد إلّا عندما كانت تؤثّر الأحداث الأمنية على مسيرته.. واتفق أن يكون عرضيًّا في هذه الأياّم.. وذلك له ما يبرّره عبر التاريخ الذي سبق الأديان الحالية.. ويتناسب مع موسم الأمطار وتراجع الانتاج الغذائيّ الحيواني والنباتيّ.. حيث يوجب الحاجة التاريخية للانقطاع عن تناول الطعام أو التخيف منه.. عدا عن الرياضة الروحية والباطنية التي تعتمدها الشعوب عبر الصوم بكافّة أشكاله منذ ما قبل التاريخ.. فيما يتناسب أيضًا مع أنتظار عودة
الخصب الى الطبيعة النباتية والحيوانية.. في فصل الربيع اللاحق لهذه الفترة من السنة…
..عندما نقول أنّه تقليدٌ فينيقي قديم يعود الى أيّام بابل.. وأنّه تتفرّد فيه مدينة الميناء الطرابلسية “التربلية” فذلك لغاية نسعى إليها ولنقول أنّ هذا المرفأ هو من أقدم المرافيء في التاريخ القديم.. فكما نصادف حجرةً منحوتةً أو عمودًا أو فخارةً فإننا أيضًا نصادف تراثًا ولهجة فيلولوجية.. يمكن دراستها والإستنباط من خلالها لإضافة المزيد من المعلومات الأركيولوجية..
باختصار نقول إنّ هذا التراث هو قديم وأصيل وتاريخيّ ولدينا ما يبرره في لهجاتنا المشرقيّة..
فماذا تعني كلمة كارنافال؟
ذلك ما سنحاول الإجتهاد في التوصّل اليه انطلاقًا من عرض موجز لدراسة كنتُ أعددتها تتقاطع مع الموضوع..
ربّ قائلٍ ما علاقة كلمة الكارنافال بالشرق؟
نعم العلاقة وثيقة أكثر مما يتصوّر البعض.. وتؤشّر إلى التاريخ الحضاري للمنطقة.. وخاصّة لهذا الساحل المميّز..
الكلمة “كارنافال” هي بنظري تؤدّي بنا الى تعبير ” قران بعل”..
القسم الأوّل يشير بوضوح الى مكانة القرن الحيواني.. وخاصّة الثور.. الذي قد تجد فيه الشعوب القديمة مصدرًا للقوة القتالية، والخصبية، كما وجدوا في البقرة مصدرًا للغذاء الهام المتنوّع.. حتّى انّ بعض الأبحاث رأت فيه معبودًا قديمًا.. بالإضافة الى ما يرمز اليه “القرنان” من بعد ميتولوجي.. كما يفعل الهندوس المقيمون في شرق حضارتنا بل حضاراتنا العريقة.. من تكريم “البقرة” مما يفترض بنا الإستنتاج أن هذا التكريم مصدره البرّ الشرقي لبحر الروم.. وسبق لأحد البحاثة أن أشار الى أنّ الغزو الفارسي المتكرّر للمنطقة دفع بالعلماء بنقل ثقافتهم شرقًا باتجاه الهند وغربًا باتجاه اليونان هربًا من الوحشية والعنف..( ونذكر في هذا الصدد الباحث الفيلولوجي د. أحمد داود)..
.. ومما يرمز إليه القرن.. بكلّ بساطة هو ” القران” أي الزواج.. وبالتالي فإن العملية الكرنافالية إرتبطت بالخصب والتناسل وبالولادة، شئنا أم أبينا..أو بالتحضير للزواج المقدّس بكلّ أشكاله المبتدعة عبر العصور.. فإذا وجدنا محاربًا ذا قرنين فلا شيء يمنعنا من إعتباره يتحصّن بالتعويذة الرمزية وكرقية مقوية عسكريّـًا وجنسيّـًا.. وهكذا كان انتشار الرمز عالميّـًا مع ذي القرنين فاتح الشرق كأنما يعود بقرنيه الى جذوره المشرقية..
ومن المعروف أننا ورثنا عادة الإمتناع عن الزواج طوال فصل الأمطار لما تحمله من برودة وحتى الثلوج في بعض المناطق، تضيّق عليهم إمكانية اللجوء الى التناسل والولادة.. لا غرابة ذلك لأنّ هذا الوضع كان وما يزال قائمًا، الّا بمعالجته بنتائج التطور التكنولوجي الجديد وبعد اكتشاف أنواع التدفئة المتعدّدة..
لذلك من حقّنا القول انّ الكرنافال بجزء منه له علاقة بالتحضير للزواج أي القران.. ولكن قران مَن يا ترى؟ هذا ما سنعلنه لاحقًا.
..من الواضح أنّ القران أي الزواج هو لشخصية “بعل” الذي يجسّد الطبيعة.. وهو الذي يرمز من جملة ما يرمز إليه “نبع البلل” لأنّ اللفظة تتواصل مع “بع” أي النبع الذي يسكب الماء بكثرة حسب القاموس العربي.. وهي نفسها تتواصل مع بال يبول وبلّ يبلّ وبلّل يبلّل.. ومن المعروف أنّ هذه الشخصية قد أضفت إسمها على بابل.. التي تعني مما تعني ” باب البلّ وباب البلل”.. وبالتالي هو مصدر الماء الذي منه كلّ شيء حـي ّ.. وبقي موضع تكريم لدى كل الشعوب ودخل في ثقافتها وفي قاموسها.. علمًا أن كثرة الماء أدّت الى طوفان أغرق العالم القديم.. وحلّ في فلسفاتهم.. وذلك ما سبق لنا الإجتهاد فيه ( عندما نشرنا شيئًا منه حول بابل)..
وهنا لا بد من الإشارة الى أنّ بعلًا قد أضفى إسمه على بيبلوس (لهجة من بابل) وهي جبيل الفينيقية.. مما يؤشّر الى التواصل بين الحضارة البابلية والحضارة الكنعانية الشمالية.. بل حتّى مع بعلبك أي بعل العظيم.. ومع طرابلس البعلية وهي “طور بعل” المتواصل مع “تربل” مما كنّا قد نشرناه سابقًا.. وغيرها الكثير..! فما المانع أن يكون مركز هذا التراث الكارنافالي هو في ميناء طرابلس أي مرفأ طرابلس.. الأمر الذي يؤكّد على عراقة هذا المرفأ التاريخي العظيم؟ ولا غرابة أن عملنا على الإستمرار به والحرص عليه حرصنا على آثارنا وتاريخنا..
التنكّر
يرافق تلك الاحتفالية مشاهد تنكريّة متنوّعة.. من أقنعة الجماجم وشناعة الجثث، إلى اللباس الأنثوي للرجال.. والعملية الذكورية غير مشروطة قد تشارك النسوة بسهولة بالكارنافال.. بالإضافة الى طلي الأبدان بالألوان السوداء أو البنية الداكنة أو غيرها..
التفسير الميتولوجي المعلن هو بغاية تضليل الأرواح وخاصّة الشرّيرة أو أرواح الجدود.. أو لاجتهادات أخرى..
ولكن التفسير الاجتماعي أنه محاولة للتخفّي عن أعين السلطات عبر الزمن.. ورفع رموز تدلّ على مواقف تتناقض مع أيديولوجية السلطة الحاكمة وتضليلها، مثال أعتمار القرون كالثيران أو الأيائل، في المرحلة البعلية، إو الإيلية.. إوإعتماد ألوانٍ ذات أهداف سياسية ( تمامًا كما هو حاصل راهنًا في القرن ٢١)..
بل، يمكن في ذاك الزمان، لأقامة الإتصال الجنسي دون الكشف عن الوجوه.. ولتسهيل تلك العلاقة.. أليس الكرنافال هو “قران بعل” أي الإقتران والمباعلة في لغة فصحى.؟
الى اللقاء في حلقة أخ
السباحة
طالما كانت التقاليد تحتفظ بالغطس في الماء في أعقاب التجوال في الأحياء.. وهدف الغطس طبعًا هو إزالة الألوان التي طليت بها الأجساد.. ولكنّ الماء في هذا الموسم في حالة من البرودة الشديدة، لا يتحمّلها إلّا الأقوياء، لذلك فهي عملية استعراض قوى، وربما لإكتساب مناعة في مواجهة الموسم البارد، وهذا الأمر منتشر في الدول الأكثر برودة في العالم، مثل سيبيريا..
ولكنّ البشرَ عمومًا، بينهم وبين الماء قصص وحكايات.. تبدأ من الحدث النوحيّ ولا تنتهي.. فلقد أدركوا منذ فجر التاريخ أنهّا مصدر كلّ حيّ..
ويهمّنا الناحية الفيلولوجية، طالما ربطنا بين “السباحة والتسبيح” في منشورات سابقة نذكر موجزًا منها.. فهو صلة وصلاة أو أحد عناصره اللازمة.. بالإضافة الى أن من لهجات الماء هو المسّ أي أتصال، ماح، وماد والمد، ماج من الموج، وماع، وماه، ومارَ يمور يؤدّي الى مار القدّيس والمعلّم في لغاتنا المشرقية، ومار هو البحر وهو الأم بالفرنسية.. حتى ضمير المتكلّم بالفرنسية هو “موا” وبالأنكليزية هو “مي وماي” وفي الروسية وغيرها.. مما يستحقّ دراسة مستقلّة..
ويبقى أنّ الغطس بالماء هو بحد ذاته، لهجة من غطاء وتغطية وبالتالي هو حماية وتحمية.. ومن التقاليد المسيحية العماد بالتغطيس في الماء، ولقد سبقهم اليها الفراعنة المصريّون، وأحتفظ بالتراث الصابئة والتسمية تتواصل مع صبّ الماء على الصبي والصبية..الخ، ومنهم المندائيون هم لهجة مائية من الندى والنديّ.. وكلّهم من أتباع يوحنّا المعمدان.. الذي جاء يعمّد بالماء.. الى أن أتى بعده من يعمّد بالروح القدس.. وهل ننسى مناسبة الغطاس التي من أحدى ممارساتها رش الماء المقدّس الذي تليت عليه الصلوات، في البيوت.؟. كما هل ننسى التقليد الشعبي بإزالة المس على أنواعه بواسطة رش الماء وشطف المنازل لدى الكثيرين من أبناء الطوائف المختلفة

رواية مرآة الروح. لونا قصير

رواية "مرآة الروح": انبعاث موسم الياسمين

  قد لا يخطر على بال القارئ للانتاج الأدبي المحليّ أنه بصدد رواية تتخطّى بأبعادها آفاق عاصمة الشمال اللبناني الى المساحة الأقليمية بل الى الميدان الأوسع من ذلك، ليس لأنّ الكاتبة لونا قصير طرابلسية بل لأن الموضوع الذي تناولته في كتابها الروائيّ الرابع " مرآة الروح" يدور حول أهم حدث اقليمي ودولي شائك ومعقّد... ألا وهو الحدث السوري بامتياز الذي يدمي القلوب القاسية.

  والرواية لا يمكن أن نسمّيَها إلّا ملحمة، كون الأحداث الواردة كما يجب أن نتوقّع حتّمًا، كثرة الضحايا الذين لن نتفاجأ بسقوطهم.... 

  نعم، إن محور الشخصيات الواردة في الرواية هي علنًا "ياسمين الشام" مما يزيل الشك عن التورية المتوقّعة وعن الترميز، وهي التي يجب أن تمثّل "المستقبل" ليست سوى لقيطة تربت في دير لبناني، كان قد استشهد من استشهد من أهلها في الحرب السورية الدامية... رغم أنّ الشخصية الأخرى التي احتلت مركز الصدارة، لم يكن سوى "رمزي" المهندس الذي كان يجب أن يكون له دوره في عملية البناء لم يكن سوى وحيد أهله، وهو وارث لمرض الأم المتوفاة (رمز الأمة والشعب) الذي أقعده سنوات، وبالتالي سقطت من جراء ذلك تلك البنية والهيكلية، مما حرم ياسمين الثراء والحب والولادة، واضطرت للعمل والسفر، والتعرّف على عاشق آخر، كاد يموت بحبها...

  نعم إنّها ملحمة، والملاحم مفعمة بالموت، الذي أحاط بهذه الفتية منذ الولادة وأوصلها الى لبنان لقيطة يتيمة جميلة، وفيها وفاة ام رمزي، ثم والده مرعي (راعي الزواج) ثم الأم كريستينا، ثم انتحار البطل المقعد الرمز دون أن يقوم بدوره، رغم الرعاية المديدة، ولن نفاجأ بذبول الياسمين..!

  حتى أن البديل، أيضًا العاشق الولهان "هادي"، هو ثريّ وحيدٌ تربّى عند خالته في الخارج، يعاني من نقاط ضعف في المعدة، وقد اسقط في يده عندما أدرك أنه يعشق متزوّجة، كرّست عمرها لرعاية الزوج المصاب بمرض عضال لا علاج له...

   ربّ قائلٍ، أنها قصة المآسي المتعاقبة على بلادنا... والجواب، أنها دراما حقيقيّة فيها من الرومانسية الابداعية مما يتصل بالشعر النثري، نقلت فيها الكاتبة الكثير من المشاعر البشرية والانسانية التي تفعم قلوب العشاق، على لسان شخصياتها الذين اختارت أدوارهم بنجاح، ارتقت بها الى درجة الحكم الفلسفية...
   
  عدا ذلك، تصرّ الكاتبة على أن محور الحدث هو الصراع الذاتي بين الرغبات والواجبات والإلتزامات، الامر الذي سيجد صداه الإيجابي لدى فئة واسعة من القرّاء وخاصة القارئات، وهو موقف حقيقي لا خلاف عليه، ولكن في الواقع، وبرأيي، هو غلبة صراع المواقف من "هيكل وكيان" أي هيكلية منهارة ومقْعَدة غير مجدية وبين بديلٍ عشق "الياسمين" حتى كاد أن يستشهد في سبيله (أو سبيلها) وكاد يفقد الحياة شوقًا وغرامًا...

  على كلّ حالٍ، لم يمت سوى موسم ياسمين محدّد، ذلك لأنّ موسم ياسمين آخر قد ولد على يد البديل "هادي وماجدة"، رمز المجد؛ ولا ننسيَنَّ شعاره الذي اعتمده كان "أن ياسمين لا تستطيع ان تموت..!"
  
  والجدير بالإشارة الى ان الكاتبة كما اختارت الأسماء بحرَفيّة ناجحة، إلّا انها استنطقت عناصر الطبيعة لتلعب دورها في السياق بامتياز لم يسبقها اليه الكثيرون، دون ان نغفل ذكر الأديب الكبير "توفيق يوسف عوّاد"، الذي كان يلجأ أحيانًا الى هذا الاسلوب في بداية كل فصل من بعض رواياته، إلّا انها تجاوزت التقليد بتناول الكثير منها مثل النهار والليل والمساء والصباح والشمس والقمر والنجوم والغيوم والامطار والريح والنسيم والبحر والامواج والرياحين والأزهار والورود والطيور... وكان لكل عنصر منها إيحاءاته المعبّرة عن وضع نفسيّ مناسب، بل صارت على يديها قصيدة شعرية مفعمة بالاحاسيس المرهفة، أو الغاضبة، مما يؤسّس لأن يحتلّ مكانته في سيناريو، مرأي ومسموع، على شاشة كبيرة ام صغيرة...

  ولكي لا نغرِق الراغبين بمطالعة هذا الكتاب  بالمزيد من التفاصيل الجديرة بالقراءة والمعاينة المباشرة، نقول أن السيدة "لونا" قدّمت عملًا أدبيّـًا عربيًّا راقيًا تجاوزت به الحدود الجغرافية والذاتية... حيث لعبت في الميدان الإقليمي انطلاقًا من لبنان وسوريا إلى الخليج مرورًا بمصر، وراحت غربًا باتجاه الساحة الأوروبية، من اسبانيا وايطاليا فرنسا... ولعلها كانت توحي بالتأثير المباشر للحدث المشرقيّ على تلك العوالم البعيدة...
  
  ومن الناحية الشخصية لا ألومَنَّ من يقرأ روايتها ان يستنتج، أن تلك العاطفة الجيّاشة المحيطة بياسمين لا تبعد كثيرًا عن ذلك العشق الراقي الذي يبديه نزار قباني لرمزه المحبوب "بلقيس"... وما "بلقيسته" سوى "ياسمين الشام" بامتياز...
  
   واذا كان لا بد من إبداء الرأي، نرى أن الرواية قادرة لأن تتحوّل الى مسلسل تلفزيوني متعدّد الحلقات، على يد سيناريست ضليع، مع تعديل بعض ما يمكن تعديله من الحوارات "الجبرانية" الواردة بما يناسب المشاهد العربي والأجنبي أيضًا... وذلك اسوة بالرواية السابقة " فراشة التوت" المؤهّلة لأن تتحوّل الى مسرح غنائي ناجح مع بعض التعديلات والإيجاز...

  وفي نهاية المقال ندعو للكاتبة بمزيد من التقدّم والتوفيق، لإغناء المكتبة العربية الورقية، بإنتاجات اضافية، تتخّطى الحدود العربية الى العالمية، في زمن انحسرت فيه مؤلّفات الكثير من الأقلام التي اعتدنا على مطالعتها في أزمنة سالفة...
   

الثلاثاء، 12 ديسمبر 2017

الكتابة على جلدة الرأس


   عنوان الكتاب الأوّل الذي أتحفنا به الدكتور "بلال عبد الهادي" <لعنة بابل> ، لم يكن أختيارًا عبثيًا منه،  سيما وهو الضليع بالتاريخ واللغة والحضارات القديمة والحديثة، فلا شكّ كان قد اختاره عن سابق إصرار وتصميم، ذلك لكثير من الأسباب الكامنة خلف التراث اللغوي البابلي والذي أدى إلى تعدّد اللهجات التي أصبحت مع تقدّم الأزمنة لغاتٍ مستقلّة تباعدت عن أفواه الأقوام الكثيرة التي كانت متقاربة، رفعتها من الأرض المتواصلة إلى القِمم المنقطعة، عوامل الطبيعة المدمّرة، وخاصة الطوفان الذي تواصل بتقدير التراث العتيق حوالي الستمئة سنة تقريبًا...
   "لعنة بابل" أمتعنا فأشغلنا بالتراث اللهجي الذي لا تقلّ لعنته عن نعمته...
   كثير من الأمور تحمل في طياتها الكثير من الأضداد...
   وكلمات معظم اللغات فيها من الأضداد ما يفوق التعداد...
   والفكر الصيني كفيل بالتأكيد والتحقيق...
  واليوم ماذا عن عنوان كتابه الثاني الصامد الذي وقّعه مؤخرًا في المركز الثقافي الصفدي، والذي اختار له العنوان "الكتابة على جلدة الرأس"؟ وافتتحه بالمقال الأوّل الذي عرض فيه حادثة حصلت في زمن الخليفة المستعصم وأودت بالرؤوس التي استخدمت أداة لنقل الرسائل السرّية، بالحفر على جلد الرأس بالأوشمة والرسوم، ليأمن المرسل عواقبها ومكرها...
  وقبل أن يفكّر أحدنا باختيار عنوان آخر للكتاب ، فلم يغفل د. بلال، عن دفع البلبلة في نفس المقال الافتتاحي، عبر التذكير بالكتابة في الطين والنقش بالحجر وعلى جلود الحيوانات وعظامها، وعلى ورق الشجر أو القصب، وصولًا الى الورق، قبل معاصرتنا للكتابة الالكترونية الحالية... وهو الذي نشر ان النقش على الحجر لا يزال معمولًا به الى اليوم لأسباب فنّيّة أو جنائزيّة... كأنّما يستبق أفكارنا بالإجابة السريعة على اقتراحاتنا...
  رغم كل ما تقّدّم، نتذكّر الحكمة "العلم في الصغر كالنقش في الحجر"، والنقش متعب حقّـًا، ولكنه راسخ في الرؤوس كما أنه صامد أمام عوامل الطبيعة والتاريخ...
  وهنا لا بد من استذكار التعبير اللطيف والمصيب: "لقد دوّخت حجر رأسي" مما يوحي أنَّ في الرأس حجرًا منقوشًا أو عنادًا كالحجر الصخريّ من الصعب تحطيمه... ولكن الحجر أبعد وأعمق بكثير من ذلك..!
  فماذا تقول اللغة؟
  لا يمكن أن نتعدّى ونتجاوز صاحبَ الكتاب ورأيَه بعنوان ومضمون مؤلَّفه الذي شرحه بوضوح، ولكنّ لكل كلمة في اللغة، أي لغة، أبعادًا ايحائية ورمزية ولهجيتها تخضع للتحليل الفيلولوجي... اسوة بالفنون والآداب التي لا تعبث في اختيار  أسماء الشخصيات والأبطال، منذ البدء في رسم اللوحات في القرون الوسطى وحتّى قبلها، وهي ذات تأثير متواصل في الزمن، ولا تزال محفوظة في اخراج الأفلام والمسرحيات، وكل العمليات الفنية التي تفضّل ألوانًا على ألوانٍ، بما يناسب الظروف والأدوار...
  من هنا لا يمكن لنا ان نمرَّ مرور الكرام على "جلدة الرأس" قبل اقتراح أي بديل... ذلك لانَّ جلدة الرأس من الجذر "جلد"، وظاهريّـًا نرى في الأمر جلادة، أي نجد صبرًا وتأنّيًا واصرارًا، في الرأس على انجاز هذا المؤلّف، مما يشكّل انسجامًا مع واقع الكتابة والتفكير والبحث والاخراج، وطبعًا بعيدًا عن عقدة "جلد الذات" البسيكولوجية، بل قد يكون من أمر الكتابة هو التعرّض للجلد بسبب المضامين التي تخالف الحاكم؛ وعلى كلّ حالٍ فإنَّ "الجلد" يبقى اقلّ عقاب من قطع الرأس المذكور بهدف إخفاء المكتوب وكتم لسان حامله الى الأبد... علمًا أنَّ الكتابة كانت تتمّ غالبًا على "جلود" الحيوانات في ذاك العصر؛ وكان <الابداع> من قبل الخليفة بإملاء النصّ على رأس ذاك المملوك المسكين الذي تعرّض للقطع لإتلاف الرسالة وحفظ سريّة المواقف الأميرية...
  والجلادة ناتجة عن رغبة  في التعبير عن مكنونات الذات، عندما لم تعد هناك قدرة على حجرها في (حجر) الرأس، وإلّا قد تسبّب ما لا تحمد عقباه لصاحب الرأس، الذي قد يدوخ حجُره...
  وبالمقابل، قد يحظى الكتاب بغلاف مميّز، وقد يكون هذا الغلاف من جلد الحيوان، الذي يصمد في وجه الأزمنة وعوامل الطبيعة، أكثر مما يصمد الورق المقوّى...
  ولكننا نطمئن الكاتب أن في كتابه مما يحول دون قطع الرؤوس، بل يحييها، وفي مقالاته، رسائل علنيّة واضحة مكشوفة للعيان، "وشم" المضامين في الرأس وليس على على جلدته... لذلك هي "منقوشة في الحجر"... وذلك هو موضوع متابعتنا في الفصل القادم...
    الفصل الثالث: حول كتاب "الكتابة على جلدة الرأس"
  بما أنَّ الكاتب يوّجه مقالاته العلنية، ذات الطابع التعليمي والتربوي والاجتماعي، بالإضافة إلى المواضيع اللغويّة والتراثيّة، والاصرار على الرسائل المكشوفة، عبر أعتى الوسائل المفضوحة في التاريخ البشري، ألا وهي الفاسبوكيّات، والتغريدات،  والمدوّنات، الجوجولية، وهي خاضعة كلّيًّا للمراقبة المتواصلة الموثّقة الكترونيّـًا، حيال كل ذلك، فهو ليس بحاجة للكتابة على جلدة الرأس المميتة، بقدر ما حقق فعليّـًا النحت في الرؤوس الصلبة...
  يا ترى، أمام هذه المعطيات، ماذا لوِ اقترحنا عنوانًا آخر، وهو "الكتابة على حجر الرأس"..؟ الذي تلمّسنا أهدافه وغاياته القيّمة وتلمّسنا أبعادها وفوائدها..! لذلك ليس لنا إلّا العودة الى معبودتنا اللغة العربية وقاموسها الغنيّ لإدراك الفارق بين ما هو على الرأس وما في الرأس، والقاموس ما هو إلّا البحر المحيط، ولغتنا محيط هائل من المعاني...
   فماذا سنجد في حِجْرِ الحَجَرِ؟
   نقدّم أولى معاني "الحجر" على سائر المعاني الاخرى بسبب مناسبته للبحث إيّاه، فالمنجد في صفحته ١١٩: الحِجْر ج حُجُور وحُجورة وأحجار، هو "العقل"، والسبب الذي أورده المنجد، ذلك لأنّه يحجر أي يمنع الانسان عمّا لا يليق به...
  وفي تعليقنا نرى أن أن الكتاب هو بدوره يحجر الانسان عمّا لا يليق به.
  لذا، ندرك لماذا يقولون "داخ حجر رأسي" لان في الرأس حجر والحجر هو العقل، والعقل من الجذر عقل، والعاقل والرابط الربط والارتباط.. الخ.
  وبالتالي فإنَّ الكتابة على الحجر هي نقش في العقل..!
  ولنعلمْ أن تعبير "ألقمَه الحَجَرَ" يعني أفحمه بجواب مسكت ٍقاطعٍ، فهل يوجد مثل الكتابة الجلودة كي نستطيع الوصول الى حسم وجزم وحكم قاطع في أي نقاش؟!
  بل، إنّ الحجارة بين مختلف مواد الطبيعة من بينها حجارة كريمة غالية جدًّا، نذكر منها "الحَجَران" أي الفضة والذهب... دون ذكر باقي الأنواع التي اعتمدت في الطقوس والعلاجات الباقية حتى الآن...
  وعند ذلك، إذا كتبنا على الحجارة، فإننا نكتب على "حَرَم"،  لأنَّه هو المحجر، وهو أيضًا المحجر الصحي... ففي الكتابة عليه صحة وعلاج..!
  أكثر من ذلك هو الحضن الحاضن، والحصن الحصين..!
   ونكتفي بذلك، لأنَّ الموضوع "الحجري" ذو أبعاد فيلولوجية رمزية تتجاوز الحديث السريع...
  في الخاتمة المبدئية ندعو للكاتب العزيز "انتشار حجرته" أي كثر ماله، وكثرة عطائه.. وبالتوفيق..!